كشفت اللقاءات التي أجراها المسمى محمد يسلم بيسط، مسؤول خارجية جبهة البوليساريو الانفصالية، على هامش أشغال الدورة العادية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، عن انحصار المشروع الانفصالي في الصحراء المغربية على الساحة الإقليمية والدولية؛ إذ باتت أجندة تحركات هذه الجبهة المدعومة من الجزائر تقتصر على دول غير مؤثرة، بل وتعيش على وقع أزمات سياسية واقتصادية متراكمة.

وتحت عنوان مضلل، حاولت “وكالة الأنباء الصحراوية” الناطقة باسم البوليساريو، في منشور لها، التغطية على الفشل الدبلوماسي لهذا التنظيم عبر الترويج لعقد المسؤول الانفصالي لقاءات موسعة مع مسؤولين أجانب، في محاولة لإيهام الرأي العام بوجود زخم دولي حول أطروحة الانفصال، غير أن استقراء فحوى هذا المنشور يؤكد أن هذه التحركات لم تتجاوز مجرد لقاءين يتيمين فقط، واحد مع وزير الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية في ليسوتو، والثاني مع وزير الخارجية الكوبي.

وذكر المنشور ذاته أن “اللقاءين تطرقا إلى قضية الصحراء في ضوء الاستحقاقات القادمة على مستوى الأمم المتحدة. وأكد الوزيران، كل بدوره، مواقف بلديهما المبدئية والثابتة من القضية الصحراوية، معربين عن دعمهما (البلدين) غير المشروط للجمهورية الصحراوية ولحق الشعب الصحراوي المشروع في تقرير المصير والحرية”، بتعبير المصدر ذاته.

ويتجلى تراجع دعم جبهة البوليساريو على المستوى الإفريقي في الاتكاء على موقف مملكة ليسوتو، التي تعتبر جيبا جغرافيا معزولا ومحاطا بالكامل بدولة جنوب إفريقيا الداعم الأساسي للانفصال في الصحراء المغربية؛ إذ ترتهن هذه الدولة للتوجهات السياسية والدبلوماسية لبريتوريا، الشيء الذي يجعل من موقفها من قضية الوحدة الترابية للمغرب مجرد صدى لا يمكن أن يحدث أي فارق في التوازنات الإقليمية والدولية.

وبلغة الأرقام، تشير تقارير متخصصة إلى أن حوالي نصف الميزانية العامة للحكومة في ليسوتو تعتمد على حصة هذه الأخيرة من الإيرادات الجمركية التي يجمعها ويديرها صندوق الاتحاد الجمركي لجنوب إفريقيا، الذي يعد المصدر الأول والرئيسي للسيولة النقدية والتمويل العمومي لدفع أجور الموظفين والخدمات العامة، إضافة إلى ارتباط عملتها المحلية بسعر صرف ثابت مع الراند الجنوب إفريقي، واعتماد اقتصادها على تحويلات المغتربين في جنوب إفريقيا، الشيء الذي يبرز اعتماد هذه المملكة بالكامل على الدولة التي تحيط بها.

على الجانب الآخر، تبرز كوبا كحليف أيديولوجي تقليدي لجبهة البوليساريو، وهي تعيش على وقع أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، تتمثل في ضعف القدرة الشرائية للكوبيين، وارتفاع معدلات التضخم، والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي نتيجة هشاشة البنيات التحتية، وغياب الفرص، الذي أدى إلى هجرة آلاف الشباب الكوبيين إلى الخارج في السنوات الأخيرة.

وتزداد هذه الأزمة هشاشة مع اشتداد الخطاب الأمريكي تجاه “هافانا”، حيث توعدها الرئيس دونالد ترامب، أمس الثلاثاء، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالسقوط والانهيار الوشيك؛ إذ أبدى ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، رغبة قوية في تغيير النظام الشيوعي الكوبي الذي تعتبره واشنطن تهديدا حقيقيا للأمن القومي الأمريكي.

كل هذه المعطيات توضح أن جبهة البوليساريو باتت تستند إلى تحالفات متهاوية تفتقر إلى الاستقرار الجيو-سياسي والقدرة على التأثير الدبلوماسي، لتتوج هذه اللقاءات المحدودة في نيويورك مسار الانحصار الفعلي للمشروع الانفصالي ووصوله إلى أفق مسدود، في وقت تستمر فيه الرباط بثبات في تعزيز سيادتها الكاملة على أقاليمها الجنوبية، وحسم ملف الصحراء لصالحها بدعم دولي وأممي واسع من المنتظر أن يتكرس أكثر في مسودة قرار مجلس الأمن المرتقب في أواخر أكتوبر المقبل.