تشكو بعض النساء خلال الحمل من النسيان وصعوبة تذكر بعض الكلمات أو التفاصيل اليومية، وهي ظاهرة يطلق عليها أحيانًا ضباب الحمل. وبينما قد تبدو هذه التغيرات بسيطة وعابرة، اهتم باحثون بدراسة ما إذا كانت هناك فروق فعلية يمكن قياسها في الذاكرة والانتباه والقدرات اللغوية لدى النساء خلال الحمل.

ووفقًا لدراسة منشورة في مجلة Scientific Reports عام 2021، فحص الباحثون الأداء الإدراكي لدى 40 امرأة حامل في الثلثين الثاني والثالث من الحمل، وقارنوه بأداء 40 امرأة غير حامل، تراوحت أعمار جميع المشاركات بين 20 و40 عامًا، وأظهرت النتائج انخفاضًا في أداء الحوامل في بعض اختبارات الذاكرة والتعلم وتسمية الأشياء والأصابع، بينما لم تظهر فروق واضحة في العديد من الوظائف الإدراكية الأخرى.

 

الدراسة اختبرت الذاكرة والانتباه واللغة

لم يعتمد الباحثون على سؤال المشاركات عما إذا كن يشعرن بالنسيان فقط، وإنما استخدموا مجموعة من الاختبارات المعرفية التي تقيس جوانب مختلفة من الأداء العقلي.

وشملت الاختبارات الذاكرة اللفظية، والذاكرة العاملة، وتذكر الكلمات والتعرف عليها، وسرعة الاستجابة، والقدرات البصرية المكانية، وتنفيذ التعليمات، بالإضافة إلى اختبار خاص بتسمية الأشياء وأسماء أصابع اليد.

كما خضعت المشاركات لتقييم يتعلق بأعراض الاكتئاب، وذلك لمعرفة ما إذا كانت الفروق الإدراكية يمكن أن ترتبط بالحالة المزاجية.

 

تراجع في بعض اختبارات الذاكرة

أظهرت النتائج أن النساء غير الحوامل حققن أداءً أفضل من النساء الحوامل في الجزء الصعب من اختبار الارتباط بين الكلمات، وكذلك في الدرجة الإجمالية لهذا الاختبار.

وبعد إجراء تحليل إحصائي مع ضبط العمر وعدد سنوات التعليم، ظل الحمل مرتبطًا بانخفاض درجات اختبار الذاكرة اللفظية والتعلم.

ويشير ذلك إلى وجود فرق قابل للقياس في بعض جوانب القدرة على تعلم المعلومات وتذكرها خلال الحمل، لكنه لا يعني أن جميع أنواع الذاكرة تتأثر بالطريقة نفسها.

 

صعوبة أكبر في تسمية الأشياء

من أبرز النتائج التي سلطت الدراسة الضوء عليها وجود فرق في اختبار تسمية الأشياء والأصابع.

وفي هذا الاختبار كان على المشاركات تسمية مجموعة من الأشياء الحقيقية، بالإضافة إلى أسماء أصابع اليد، وحققت النساء غير الحوامل أداءً أفضل.

ووفقًا للباحثين، تمثل هذه النتيجة جانبًا مهمًا من الدراسة لأنها تشير إلى احتمال تأثر بعض المهارات اللغوية أثناء الحمل، وليس الذاكرة فقط.

 

هل الحمل يؤثر على كل القدرات العقلية؟

الإجابة وفقًا لهذه الدراسة هي لا.

فقد كانت نتائج عدد من الاختبارات متقاربة بين النساء الحوامل وغير الحوامل، بما في ذلك بعض اختبارات تذكر الكلمات والتعرف عليها، واختبارات تتعلق بالقدرات البصرية المكانية وتنفيذ التعليمات.

كما أن الفارق الذي ظهر في اختبار مدى الأرقام الأمامي في المقارنة الأولية لم يعد ذا دلالة إحصائية بعد ضبط العمر والتعليم.

وهذا يعني أن التأثيرات التي رصدتها الدراسة كانت محددة في بعض جوانب الأداء الإدراكي، وليست انخفاضًا شاملًا في القدرات العقلية.

 

ماذا عن الحالة النفسية؟

لم تجد الدراسة اختلافًا في درجات الاكتئاب بين المجموعتين، كما لم تكن المشاركات مصابات بالاكتئاب وفقًا للتقييم المستخدم في الدراسة.

وهذه النتيجة مهمة لأن الباحثين حاولوا التمييز بين التغيرات الإدراكية المرتبطة بالحمل وبين احتمال أن تكون الأعراض النفسية سببًا في هذه الفروق.

ومع ذلك، فإن الحياة خلال الحمل قد تترافق مع تغيرات في النوم والقلق والاستعداد للولادة والتغيرات اليومية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في شعور المرأة بالتركيز والذاكرة، لذلك لا يمكن اختزال التجربة لدى جميع النساء في عامل واحد.

 

الهرمونات قد تكون أحد التفسيرات

يشهد الجسم خلال الحمل تغيرات كبيرة في مستويات العديد من الهرمونات، وتشير الدراسة إلى أن التغيرات الهرمونية، خاصة خلال الثلثين الثاني والثالث، قد يكون لها دور في التغيرات التي تظهر في بعض الوظائف الإدراكية.

كما ناقش الباحثون احتمال ارتباط هذه التغيرات بالتكيف الذي يحدث في الدماغ خلال فترة الحمل استعدادًا للأمومة.

لكن من المهم التأكيد على أن الدراسة لا تثبت بشكل قاطع أن تغيرًا هرمونيًا محددًا هو السبب المباشر في ضعف الذاكرة، وإنما تناقش التغيرات الهرمونية باعتبارها تفسيرًا محتملًا في ضوء الأدلة السابقة.

 

هل «ضباب الحمل» يعني تدهورًا دائمًا في الدماغ؟

لا تشير نتائج الدراسة إلى الإصابة بالخرف أو حدوث تلف دائم في الدماغ.

ووصف الباحثون الفروق التي وجدوها بأنها تغيرات إدراكية بسيطة يمكن أن تظهر أثناء الحمل، وذكروا أنها قد تختفي خلال الأشهر التالية للولادة.

كما أشارت الدراسة إلى أن تغيرات الدماغ التي تحدث أثناء الحمل قد تكون جزءًا من عملية تكيف مع مرحلة الأمومة، وليس بالضرورة علامة على فقدان وظائف الدماغ.

 

الدراسة لها بعض القيود

رغم النتائج، فإن الدراسة كانت صغيرة نسبيًا، إذ شملت 80 امرأة فقط، كما جرى تجنيد المشاركات من مركز واحد ولم يتم اختيارهن عشوائيًا.

كذلك خضعت كل مشاركة للتقييم في نقطة زمنية واحدة، وبالتالي لم تتم متابعة التغيرات الإدراكية لدى المرأة نفسها عبر مراحل الحمل وبعد الولادة.

ولهذا فإن نتائج الدراسة تقدم دليلًا على وجود فروق في بعض الوظائف الإدراكية خلال الحمل، لكنها لا تكفي وحدها لتعميم هذه النتائج على جميع النساء الحوامل.

وبشكل عام، قد تشعر بعض النساء أثناء الحمل بزيادة النسيان أو صعوبة استدعاء بعض الكلمات، وتشير هذه الدراسة إلى أن بعض هذه التغيرات يمكن بالفعل قياسها في اختبارات الذاكرة واللغة، لكنها لا تعني فقدان القدرات العقلية أو حدوث تدهور دائم في وظائف الدماغ.