يتحول الذكاء الاصطناعي إلى واحدة من أكبر موجات الاستثمار في تاريخ التكنولوجيا، مع تدفق تريليونات الدولارات إلى مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن ضخامة الإنفاق تفتح سؤالا اقتصاديا أساسيا: هل تستطيع التكنولوجيا تحقيق إيرادات ومكاسب إنتاجية تكفي لتغطية هذه الاستثمارات؟

وتشير شركة "PwC" إلى أن الإنفاق العالمي التراكمي على مراكز البيانات وحدها قد يتجاوز 30 تريليون دولار بحلول عام 2050، وهو رقم يقترب من قيمة سندات الخزانة الأمريكية القائمة، ويتجاوز ما شهدته طفرات السكك الحديدية وشركات الإنترنت من إنفاق حتى بعد احتساب التضخم.

وتكشف خطط شركات الذكاء الاصطناعي عن حجم الرهان؛ إذ تخطط "أنثروبيك" لإنفاق 518 مليار دولار خلال السنوات المقبلة وهو ما يزيد على 100 ضعف إيراداتها في 2025.

وتقوم هذه الاستثمارات على توقعات بأن الذكاء الاصطناعي سيرفع الإنتاجية ويخلق صناعات وأسواقا جديدة، لكن العوائد الحالية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الأموال التي يجري ضخها في القطاع.

وتشير دراسة لـ"Bain & Company" إلى أن مكاسب الإنتاجية من الأسواق الحالية لن تكون كافية لتبرير حجم الإنفاق، ما يعني أن القطاع يحتاج إلى ظهور أسواق جديدة قادرة على توليد إيرادات إضافية، وقد تشمل هذه الأسواق الروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وتطوير مواد جديدة للبطاريات وأشباه الموصلات.

وتحتاج شركات التكنولوجيا العملاقة الأمريكية، مثل جوجل وأمازون ومايكروسوفت، إلى أكثر من 4.2 تريليون دولار من الإيرادات الجديدة خلال السنوات الخمس المقبلة لتمويل توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وفي الولايات المتحدة وحدها، قد يصل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى نحو 9 تريليونات دولار بين عامي 2025 و2032، بما يعادل 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي سنويا. ولكي تحقق هذه الاستثمارات عائدا بنسبة 10%، سيحتاج القطاع إلى نحو 3.55 تريليون دولار من الإيرادات السنوية بحلول 2032، بينما لا يزال يحقق جزءا محدودا من هذا الرقم.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع اعتماد جزء كبير من تمويل البنية التحتية على الديون، إذ يمكن لتراجع الطلب أو تأخر المشروعات أو انخفاض قيمة الأصول أن يؤدي إلى خسائر أكبر.

الرهان يمتد إلى الإنتاجية وسوق العمل

قد تحتاج التقنيات الثورية إلى سنوات طويلة قبل أن يظهر تأثيرها الكامل على الإنتاجية، بينما تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق عوائد وسداد التزاماتها في فترات أقصر، وهذا الفارق الزمني يضع الاستثمارات الحالية أمام اختبار صعب.

وبدأت بعض آثار الذكاء الاصطناعي تظهر في سوق العمل، خصوصا في الوظائف المكتبية للمبتدئين التي تعتمد على مهام تستطيع الأنظمة تنفيذها، وأظهرت دراسة لجامعة ستانفورد أن توظيف العاملين بين 22 و25 عاما في قطاعات معرضة للذكاء الاصطناعي، مثل المحاسبة والمساعدة القانونية، كان أقل بنسبة 19% مقارنة بوظائف يصعب على التكنولوجيا تقليدها، مثل عمال النظافة والبناء.

وفي المقابل، تظل التوقعات بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية كبيرة، خاصة مع تطور النماذج وقدرتها المحتملة على تحسين أدائها وتسريع تطوير تطبيقات جديدة، لكن تحويل هذه القدرات إلى إيرادات فعلية سيظل مرتبطا بسرعة ظهور استخدامات تجارية واسعة للتكنولوجيا.

كذلك قد تستمر البنية التحتية التي يجري بناؤها حتى إذا تراجعت موجة الاستثمار، كما حدث مع السكك الحديدية بعد أزمة 1873 والإنترنت بعد انفجار فقاعة شركات التكنولوجيا في تسعينيات القرن الماضي.

ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لطفرة الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تدخل القطاع، وإنما بقدرة التكنولوجيا على تحويل هذه التريليونات إلى إنتاجية وإيرادات وأسواق جديدة تبرر حجم الإنفاق.