لم تعد الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد فقط على منشورات مجهولة أو صور قديمة يعاد تداولها خارج سياقها، إذ أضاف التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أدوات أكثر تعقيدًا إلى مشهد التضليل الرقمي، تسمح بإنشاء فيديوهات تحاكي أشخاصًا حقيقيين، وتقليد أصواتهم، وإنتاج مشاهد تبدو واقعية رغم أنها لم تحدث من الأساس. ومع الانتشار السريع للمحتوى عبر المنصات الرقمية، أصبح التحقق من حقيقة ما تراه العين وتسمعه الأذن تحديًا جديدًا أمام الجمهور والمؤسسات الإعلامية.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة في إطار معركة الوعي ومواجهة الشائعات، إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على تصحيح معلومة مغلوطة بعد انتشارها، بل يمتد إلى اكتشاف المحتوى المصنوع أو المعدل قبل أن يتحول إلى مصدر للمعلومات لدى الجمهور. وتوضح إرشادات وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية أن الوسائط الاصطناعية قد تشمل صورًا ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية جرى التلاعب بها رقميًا أو إنشاؤها بالكامل بغرض تضليل المتلقي.

الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق.. كيف تُصنع فيديوهات لم تحدث؟

أحدثت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولًا في طريقة إنتاج المحتوى الرقمي، بعدما أصبح بالإمكان إنشاء مقاطع مرئية انطلاقًا من أوامر نصية، أو تعديل ملامح الأشخاص وحركاتهم، أو محاكاة أصواتهم اعتمادًا على عينات صوتية. وتندرج بعض هذه التطبيقات ضمن تقنية التزييف العميق (Deepfake)، التي تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى يحاكي الواقع بدرجات متفاوتة من الإقناع.

ولا يقتصر التضليل على إنشاء فيديو كامل من الصفر، فقد يحدث من خلال تركيب صوت على صورة، أو تعديل أجزاء من تسجيل حقيقي، أو تسريع مقطع وإبطائه، أو اقتطاع تصريحات من سياقها الأصلي. وفي هذه الحالات، قد يكون الفيديو حقيقيًا في بعض أجزائه، لكن الطريقة التي عُرض بها تمنح المشاهد انطباعًا غير صحيح عن الحدث أو التصريح.

وتكمن خطورة هذه الأدوات في أن المقطع المصور والصوت المصاحب له كانا يُستخدمان تقليديًا باعتبارهما قرائن على وقوع الأحداث، بينما أصبح من الضروري التعامل معهما بوصفهما محتوى يحتاج إلى التحقق من المصدر والسياق. كما أن المظهر الواقعي للفيديو لا يمثل دليلًا كافيًا على صحته، مثلما أن وجود أخطاء بصرية أو صوتية لا يكفي وحده للحكم بأن المقطع مزيف.

من صناعة الفيديو إلى صناعة الشائعة.. لماذا يصعب احتواء التضليل؟

تتضاعف خطورة الفيديوهات المفبركة عندما تُنشر دون توضيح لطبيعتها، أو تُرفق بعناوين مثيرة توحي بوقوع حدث عاجل، أو تُنسب إلى شخصيات عامة ومؤسسات رسمية دون دليل. فالمتلقي الذي يشاهد مقطعًا يبدو واقعيًا قد يتفاعل معه عاطفيًا قبل أن يتحقق من مصدره، ثم يعيد نشره إلى آخرين، لتتسع دائرة انتشاره حتى لو ظهرت لاحقًا معلومات تنفي صحته.

وقد تستهدف هذه المقاطع موضوعات تمس الحياة اليومية، مثل الاقتصاد والصحة والتعليم والخدمات العامة، أو تستغل أحداثًا إقليمية ودولية لإثارة القلق وتقديم روايات غير دقيقة. وتزداد المشكلة عندما يُعاد تدوير فيديو قديم باعتباره حدثًا جديدًا، أو يُستخدم مقطع حقيقي لإسناد ادعاء لا علاقة له بمضمونه الأصلي.

وفي مصر، أظهرت تقارير رسمية أن مواجهة الشائعات تمثل أحد ملفات العمل الإعلامي والمؤسسي، ففي تقرير نشره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء في يناير 2026 عن جهود مواجهة الشائعات خلال عام 2025، أشار إلى أن الاقتصاد والتعليم والصحة كانت من القطاعات الأكثر استهدافًا، كما تناول جهود الرصد والتحليل وإتاحة المعلومات الصحيحة من مصادرها الرسمية..

وتبرز هنا أهمية سرعة تقديم المعلومات الموثوقة، لأن الفراغ المعلوماتي قد يتيح المجال أمام روايات غير دقيقة للانتشار، ولا يقتصر التعامل مع الشائعات على نفيها بعد تداولها، بل يشمل أيضًا توضيح الحقائق بلغة مفهومة، وإتاحة البيانات الأصلية، والرد على الأسئلة التي تثيرها الوقائع محل الجدل.

كيف يمكن كشف الفيديوهات المزيفة بالذكاء الاصطناعي؟

رغم التطور الذي وصلت إليه تقنيات التزييف، فإن هناك خطوات عملية تساعد المستخدم على فحص أي مقطع مثير للشك قبل تصديقه أو إعادة نشره. وتبدأ الخطوة الأولى بالبحث عن مصدر الفيديو: من نشره أولًا؟ وهل يعود إلى حساب معروف أو جهة موثوقة؟ وهل نشرته مؤسسات إعلامية مستقلة أو جهات رسمية معنية بالواقعة نفسها؟

وتتمثل الخطوة الثانية في البحث عن النسخة الأصلية، باستخدام البحث العكسي عن الصور أو استخراج لقطات ثابتة من الفيديو والبحث عنها عبر الإنترنت. وقد يساعد ذلك في اكتشاف أن المقطع قديم، أو أنه نُشر سابقًا في سياق مختلف، أو أن الجزء المتداول منه لا يعكس التسجيل الكامل.

كذلك ينبغي فحص تفاصيل المقطع، مثل تزامن حركة الشفاه مع الصوت، وطبيعية تعبيرات الوجه، والإضاءة والظلال، وانتقالات المشاهد. لكن هذه العلامات تظل مؤشرات أولية وليست اختبارات حاسمة، إذ يمكن أن تنتج بعض العيوب عن ضغط الفيديو أو ضعف التسجيل، كما قد تخلو المقاطع المولدة حديثًا من الأخطاء الواضحة التي اعتاد المستخدمون البحث عنها.

ويمكن الاستعانة بأدوات التحليل الرقمي وكشف التزييف، إلا أن نتائجها لا ينبغي أن تكون الحكم النهائي وحدها. فالأكثر موثوقية هو الجمع بين الفحص التقني والتحقق من مصدر المقطع وسياقه ومقارنته بالمعلومات المتاحة لدى الجهات المعنية. وتوصي إرشادات وكالة الأمن السيبراني الأمريكية باستخدام وسائل مثل البحث العكسي للتحقق من مصادر المحتوى، مع التعامل مع الوسائط الاصطناعية باعتبارها تحديًا يتطلب استعدادًا وتوعية مستمرين.

معركة الوعي.. مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والإعلام والجمهور

في مواجهة هذا التطور، تتزايد أهمية الجمع بين الرصد السريع للمحتوى المضلل والتحقق المهني من المعلومات ونشر التوضيحات من مصادرها الأصلية. وعلى المستوى المؤسسي، تشمل الأدوات الممكنة تطوير آليات متابعة ما يُنشر على المنصات الرقمية، والاستجابة للشائعات المتداولة، وإتاحة البيانات والتسجيلات الكاملة التي تساعد الجمهور على تكوين صورة دقيقة عن الأحداث.

وفي هذا السياق، أطلق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والهيئة الوطنية للإعلام، حملة «خليك واعي» في أغسطس 2025، التي تضمنت رسائل توعوية بشأن الأمن السيبراني ومكافحة الشائعات عبر الإذاعة المصرية ومنصات التواصل الاجتماعي.
لكن الأدوات التقنية والحملات التوعوية لا تغني عن دور المستخدم نفسه في التحقق قبل المشاركة. فالتوقف للحظات، والبحث عن مصدر أصلي، ومراجعة تاريخ المقطع، وعدم التعامل مع كل فيديو باعتباره دليلًا نهائيًا، خطوات قد تحد من انتشار المعلومات المضللة.

وفي ظل قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى أكثر إقناعًا، تصبح معركة الوعي مرتبطة ببناء ثقافة رقمية لا تكتفي بمشاهدة المحتوى، بل تسأل عن مصدره وسياقه ودليله. فالمواجهة الفعالة لا تقوم على رفض التكنولوجيا أو التشكيك في كل ما يُنشر، وإنما على استخدام أدوات التحقق، وإتاحة المعلومات الموثوقة، وتعزيز قدرة الجمهور على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمضلل.