باعتبارها إحدى أعرق الصناعات التراثية الواحاتية بالوادى الجديد، ما زالت صناعة السجاد اليدوي والكليم جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع الواحاتي، ومرآة تعكس طبيعة البيئة الصحراوية وثقافة سكانها، حيث تحولت خيوط الصوف إلى لوحات فنية تنطق بتاريخ المكان وتحكي قصة الإنسان الذي عاش في قلب الصحراء واستطاع أن يصنع من موارد بيئته منتجات ذات قيمة فنية واقتصادية كبيرة، حيث حافظت حرفة السجاد اليدوي والكليم في الوادي الجديد على مكانتها، مستندة إلى مهارة الحرفيين والحرفيات الذين توارثوا أسرار المهنة عبر أجيال متعاقبة، لتظل الأنوال الخشبية تعمل داخل المنازل والجمعيات الإنتاجية ومراكز التدريب، منتجة قطعًا فنية تمتزج فيها الأصالة بالإبداع، وتحمل بصمة الواحات المصرية التي أصبحت معروفة بجودة منتجاتها داخل الأسواق المحلية والمعارض المتخصصة.

 

- تاريخ طويل يمتد عبر مئات السنين

وترجع جذور صناعة السجاد والكليم في الوادي الجديد إلى مئات السنين، حين اعتمد سكان الواحات على الأغنام والإبل كمصدر رئيسي للصوف، وبدأوا في استغلال هذه الخامات الطبيعية لإنتاج احتياجاتهم اليومية من المفروشات والأغطية والفرش المستخدم داخل المنازل والخيام، ومع مرور الزمن تطورت الحرفة تدريجيًا، فلم تعد تقتصر على إنتاج احتياجات الأسرة فقط، بل أصبحت صناعة قائمة بذاتها، تعتمد على مهارات متوارثة ودقة متناهية في تنفيذ الرسومات والزخارف المستوحاة من البيئة الصحراوية، مثل أشجار النخيل، والكثبان الرملية، والطيور، والأشكال الهندسية المستلهمة من العمارة الإسلامية والتراث الواحاتي، واكتسب السجاد الواحاتي شهرة واسعة بفضل اعتماده على خامات طبيعية وجودة التصنيع اليدوي، وهو ما جعله يحافظ على قيمته الفنية رغم انتشار السجاد المصنع آليًا، إذ يظل لكل قطعة يدوية شخصية مستقلة لا يمكن تكرارها بنفس التفاصيل، وهو ما يمنحها قيمة كبيرة لدى محبي المنتجات التراثية داخل مصر وخارجها.

 

- البشندي عاصمة السجاد اليدوي في الواحات

وتعد قرية البشندي التابعة لمركز بلاط بمحافظة الوادي الجديد أشهر القرى المنتجة للسجاد اليدوي والكليم، حتى أصبحت اسمًا مرتبطًا بهذه الصناعة على مستوى الجمهورية، حيث تضم عشرات الورش والأسر التي امتهنت الحرفة منذ عقود طويلة، حيث تبدأ رحلة صناعة السجاد داخل القرية منذ تجهيز الصوف، مرورًا بالغزل والصباغة، ثم النسج على الأنوال الخشبية، وصولًا إلى التشطيب النهائي، في عملية إنتاجية تستغرق أسابيع وربما أشهر بحسب مساحة القطعة وتعقيد تصميمها، ولم تقتصر شهرة البشندي على إنتاج السجاد التقليدي فقط، بل نجحت في تطوير منتجاتها بما يتوافق مع احتياجات الأسواق الحديثة، فأصبحت تنتج السجاد السياحي، والكليم، والمعلقات الجدارية، والحقائب اليدوية، والمفروشات التراثية، والمشايات، وأغطية الطاولات والوسائد، وهو ما ساعد على زيادة الطلب على منتجاتها خلال السنوات الأخيرة.

 

- انتشار حرفة السجاد اليدوي فى قرى المحافظة

ورغم شهرة البشندي، فإن صناعة السجاد والكليم لم تقتصر عليها وحدها، بل انتشرت في عدد من قرى المحافظة، من بينها قرية اللواء صبيح التابعة لمركز الفرافرة، وقرية الشيخ مفتاح، وقرية أولاد عبدالله، بالإضافة إلى عدد من الورش المنتشرة بمركزي الداخلة والخارجة، وتشارك هذه القرى في الحفاظ على المهنة من خلال تدريب الفتيات والسيدات على أعمال الغزل والنسيج، وتوفير فرص عمل داخل المنازل والجمعيات الأهلية، بما يضمن استمرار الحرفة وانتقالها إلى الأجيال الجديدة،كما لعبت الجمعيات الإنتاجية دورًا مهمًا في توفير الخامات، وتسويق المنتجات، وتنظيم الدورات التدريبية، الأمر الذي ساهم في رفع جودة الإنتاج، وزيادة قدرة الحرفيين على المنافسة داخل الأسواق والمعارض المتخصصة.

 

- حرفة تبدأ من الصوف وتنتهي بتحفة فنية

وتمر صناعة السجاد اليدوي والكليم بعدد من المراحل الدقيقة التي تتطلب خبرة وصبرًا كبيرين، حيث تبدأ أولًا بجمع الصوف الناتج عن جز الأغنام، ثم تنظيفه جيدًا لإزالة الشوائب والأتربة، قبل غسله وتجفيفه في الهواء الطبيعي، بعد ذلك تأتي مرحلة التمشيط، وهي من أهم المراحل، إذ يتم خلالها ترتيب ألياف الصوف لتصبح جاهزة لعملية الغزل باستخدام أدوات تقليدية أو ماكينات بسيطة، لتحويلها إلى خيوط قوية ومتجانسة. ثم تنتقل الخيوط إلى مرحلة الصباغة، والتي يعتمد فيها العديد من الحرفيين على الألوان الطبيعية المستخلصة من النباتات وقشور الرمان والكركديه والحناء وغيرها من المواد البيئية، وهو ما يمنح السجاد ألوانًا ثابتة ومميزة تحافظ على رونقها لسنوات طويلة، وبعد انتهاء الصباغة تبدأ مرحلة إعداد النول الخشبي، حيث يتم شد خيوط السداء بدقة كبيرة، ثم يبدأ النساج في تمرير خيوط اللحمة وفق التصميم المحدد، مستخدمًا أدوات بسيطة لكنها تحتاج إلى مهارة عالية وخبرة طويلة، وتعد مرحلة النسج هي الأطول زمنًا، إذ قد تستغرق القطعة الواحدة من عدة أيام إلى عدة أشهر، تبعًا لمساحتها وكثافة العقد والزخارف الموجودة بها، وفي النهاية تأتي مرحلة التشطيب، والتي تشمل قص الزوائد، وتسوية السطح، وفحص جميع أجزاء السجادة للتأكد من خلوها من أي عيوب، قبل تجهيزها للتسويق أو العرض داخل المعارض.

 

- منتجات السجاد والكليم تعبر عن تراث الواحات

ولم يعد إنتاج السجاد اليدوي في الوادي الجديد يقتصر على السجاد التقليدي، بل توسعت الورش في إنتاج مجموعة متنوعة من الصناعات التراثية التي تلبي احتياجات الأسواق المختلفة، ومن بينها الكليم اليدوي، والمشايات، والمعلقات الجدارية، وأغطية المقاعد، والحقائب النسائية، والمحافظ، والمفروشات المنزلية، وأغطية الطاولات، والوسائد المزخرفة، إلى جانب تنفيذ تصميمات خاصة للفنادق والقرى السياحية التي تبحث عن الطابع التراثي المصري الأصيل، وتتميز هذه المنتجات بجودة الخامات، ودقة التنفيذ، وطول العمر الافتراضي، فضلًا عن اعتمادها الكامل على العمل اليدوي، وهو ما يجعل كل قطعة مختلفة عن الأخرى وتحمل بصمة صانعها.

 

- جهود متواصلة للحفاظ على المهنة من الاندثار

وأصبح السجاد اليدوي والكليم ليس مجرد نشاط اقتصادي محدود، وإنما يمثل أحد أهم عناصر الهوية الثقافية للمجتمع الواحاتي، ولذلك وضعت المحافظة خطة متكاملة للحفاظ على الحرفة، من خلال تطوير الورش القائمة، وتشجيع الشباب والسيدات على تعلمها، وفتح منافذ جديدة لتسويق المنتجات داخل وخارج المحافظة، وتحظى هذه الجهود بمتابعة مباشرة من حنان مجدي محافظ الوادي الجديد، التي أولت اهتمامًا كبيرًا بالحرف التراثية باعتبارها أحد محاور التنمية المستدامة، وحرصت على دعم مشروعات الصناعات البيئية والتراثية، وإزالة العقبات أمام الحرفيين، مع التوسع في إقامة المعارض والمشاركة في الفعاليات القومية التي تتيح تسويق المنتجات أمام جمهور أوسع، كما تولي المحافظة اهتمامًا خاصًا بربط الحرف التراثية بقطاع السياحة، انطلاقًا من أن السائح يبحث دائمًا عن المنتجات التي تعبر عن ثقافة المكان، وهو ما جعل السجاد والكليم الواحاتي يحظى بإقبال متزايد من الزائرين، خاصة أنه يصنع بالكامل يدويًا ويتميز بتصميمات مستوحاة من البيئة الصحراوية.

 

- المرأة الواحاتية أساس صناعة السجاد اليدوي

ومن أبرز ملامح تجربة الوادي الجديد في هذا المجال الاعتماد على المرأة كشريك رئيسي في استمرار الحرفة، إذ تضم ورش السجاد والكليم عشرات السيدات والفتيات اللاتي يعملن في مختلف مراحل الإنتاج، بداية من الغزل وحتى التشطيب النهائي، وتنظم المحافظة، بالتعاون مع مديرية التضامن الاجتماعي والجمعيات الأهلية ومراكز التدريب المهني، برامج لتعليم الفتيات أساسيات النسيج اليدوي، بما يضمن تخريج أجيال جديدة من الحرفيات القادرات على الحفاظ على هذا التراث، ولا يقتصر أثر هذه البرامج على الجانب التراثي فقط، بل تمتد آثارها إلى تحسين المستوى الاقتصادي للأسر، إذ توفر الحرفة مصدر دخل ثابتًا للعديد من السيدات، خاصة في القرى، مع إمكانية العمل من المنزل بما يتناسب مع طبيعة المجتمع الواحاتي، كما ساهمت هذه البرامج في الحد من معدلات البطالة بين السيدات، وإتاحة فرص عمل حقيقية تعتمد على المهارة والإبداع أكثر من اعتمادها على رأس المال، وهو ما يعكس البعد الاجتماعي والاقتصادي للحرفة.

 

- تطوير التصميمات لمواكبة حاجة السوق

ورغم التمسك بالطابع التراثي، شهدت صناعة السجاد والكليم في الوادي الجديد تطورًا ملحوظًا في التصميمات خلال السنوات الأخيرة، حيث اتجهت الورش إلى إنتاج موديلات عصرية تناسب المنازل الحديثة والفنادق والمنتجعات السياحية، فلم تعد الرسومات مقتصرة على الأشكال التقليدية، بل ظهرت تصميمات تجمع بين التراث والحداثة، مع استخدام ألوان جديدة تتماشى مع اتجاهات الديكور الحديثة، وهو ما ساهم في زيادة الطلب على المنتجات، خاصة من الفنادق والشركات العاملة في قطاع السياحة، حيث نجحت محافظة الوادي الجديد في فرض حضورها داخل أهم المعارض المتخصصة في الحرف التراثية، وفي مقدمتها معرض تراثنا، الذي يعد أكبر ملتقى للحرف اليدوية في مصر، حيث حظيت منتجات المحافظة بإشادة واسعة من الزوار والمتخصصين، لما تتميز به من جودة في الخامات ودقة في التنفيذ وتمسك بالطابع التراثي، كما شاركت المحافظة في معارض أيادي مصر، إلى جانب عدد من المعارض التي تنظمها وزارة التنمية المحلية ووزارة التضامن الاجتماعي وجهاز تنمية المشروعات، فضلًا عن المعارض المقامة داخل المحافظات المختلفة.

 

- صناعة السجاد اليدوي والكليم صديقة للبيئة

من أبرز ما يميز صناعة السجاد والكليم في الوادي الجديد اعتمادها بصورة كبيرة على خامات طبيعية، سواء في الصوف أو في الأصباغ المستخدمة، وهو ما يجعلها من الصناعات الصديقة للبيئة، والمتوافقة مع الاتجاه العالمي نحو المنتجات المستدامة، كما تسهم هذه الصناعة في الاستفادة من الموارد المحلية، وتقليل الفاقد، وخلق قيمة مضافة للخامات البيئية التي تنتجها المحافظة، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد المحلي، حيث يمتلك السجاد اليدوي والكليم جميع المقومات التي تؤهله ليصبح أحد أهم المنتجات التراثية المصرية القادرة على المنافسة عالميًا، في ظل تزايد الطلب على الصناعات اليدوية التي تعكس الهوية الثقافية للشعوب، ومع استمرار جهود المحافظة في دعم الحرفيين، وتطوير مراكز التدريب، وتشجيع الشباب على تعلم المهنة، وفتح أسواق جديدة للمنتجات، تبدو الفرصة كبيرة لتحويل هذه الحرفة إلى صناعة اقتصادية متكاملة تساهم في توفير فرص العمل، وزيادة دخول الأسر، والحفاظ على أحد أهم الكنوز التراثية التي تميز الوادي الجديد.

ابداعات فى انتاج السجاد اليدوي
ابداعات فى انتاج السجاد اليدوي

 


انتاج السجاد التقليدي بمواصفات التصدير

 


انتاج باعلى درجة من الاحترافية

 


تدريب الفتيات على حرفة السجاد اليدوي

 


تدريب الفتيات والسيدات على حرفة السجاد

 


جانب من صناعة السجاد اليدوي

 


خطوط انتاج متكاملة لصناعة السجاد بالوادى الجديد

 


لوحات فنية مرسومة يدويا على السجاد

 


منتجات السجاد اليدوي بالوادى الجديد

 


منتجات السجاد بقرى الوادي الجديد

 


ورش عمل لتدريب السيدات على حرفة السجاد اليدوي