منبر — ديمو المعمار
العالم العربي

الصين تحبس عقولها داخل "السور".. ما الذي تخشاه بكين؟

27 سبتمبر 2026 6 دقائق قراءة

منذ عقود من الزمن، يتهم كلٌ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الصين بسرقة التكنولوجيا الغربية - من  روبوتات  وأشباه موصلات متطورة جدًا إلى الميكانيكا الدقيقة وقطع غيار السيارات: شغّلت الشركات الصينية مهندسين بارزين، ومن المفترض أنها تجسست على منافسيها الغربيين، وأنها متورطة في  هجمات سيبرانية بهدف الوصول إلى أسرار تجارية قيّمة.

ولذلك يبدو من سخرية التاريخ أن تقوم بكين الآن باتخاذ إجراءات تهدف إلى منع تقنياتها المتطورة ومواهبها من الهجرة إلى الخارج.

"سور الصين العظيم" حول أفضل عقولها

في منتصف أيلول/ سبتمبر دخلت حيز التنفيذ قواعد جديدة للسفر إلى داخل الصين وخراجها، تسمح للسلطات الصينية منع المهندسين ورواد الأعمال وغيرهم من الكوادر المهرة المتخصصين من مغادرة البلاد في حال تصنيف خبراتهم في مجالات البطاريات والمعادن النادرة  أو الذكاء الاصطناعي ضرورية لـ"لأمن الصناعي والتكنولوجي".

وكذلك شددت  بكين  في الآونة الأخيرة اللوائح الخاصة بالاستثمارات الأجنبية، من أجل االتصدي بيد من حديد للمواطنين الصينيين الذين يستثمرون أصولهم في الخارج. وبالإضافة إلى ذلك فقد تم تقييد إرسال الكوادر الفنية إلى الخارج.

وفي هذا الصدد يرى هنري غاو، أستاذ القانون في جامعة سنغافورة للإدارة (SMU)، أن هذه القيود بكاملها تمثل "لمحة نادرة عن الوضع الحقيقي للاقتصاد الصيني". وحول ذلك قال غاو لـDW إن "هذه الإجراءات تشير إلى قلق بكين العميق بشأن ضعف الاقتصاد وتدفقات رأس المال الكبيرة إلى الخارج".

وأضاف أن السلطات الصينية عازمة أيضًا على "منع رواد الأعمال والعمال المهرة المتخصصين من مغادرة البلاد". والاقتصاد الصيني يواجه ضغوطات تزداد باستمرار صعوبة إخفائها. ومع أن الطلب على  الصادرات الصينية  لا يزال قويًا مثل ذي قبل - خاصة على المنتجات عالية التقنية، ولكن انهيار سوق العقارات أضعف الاستهلاك المحلي بشكل كبير: فقد انخفض خلال الصيف الإقراض المصرفي إلى أدنى مستوى قياسي، وتراجعت  مبيعات السيارات  الجديدة في آب/أغسطس بنحو الربع مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

بكين تعيق عمليات الاستحواذ.. والمؤسسون يبحثون عن مخرج

وهذه المخاوف تمتد الآن إلى هجرة الأفراد ورؤوس الأموال. وأشهر مثال حديث على ذلك هو شركة "مانوس"، وهي شركة ناشئة تعمل في مجال  الذكاء الاصطناعي أسسها مواطنان صينيان في بكين. وهذه الشركة نقلت في العام الماضي مقرها الرئيسي إلى سنغافورة، لأسباب منها تجنب قيود الاستثمار الأمريكية ولتمكنها من التوسع في الأسواق العالمية.

وعندما حاولت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي شركة "ميتا"، مالكة فيسبوك، الاستحواذ على شركة مانوس مقابل ملياري دولار، عرقلت بكين هذه الصفقة ومنعت مؤسسي الشركة من مغادرة البلاد.

وانتشرت في هذا الشهر شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية تفيد بأن مؤسس هواوي ورئيسها التنفيذي رن تشنغ فاي وابنته المديرة المالية مينغ وان تشو، ربما قد غادرا الصين.

وتناقلت وسائل الإعلام التايوانية والهندية هذا الخبر، ولكن لم تؤكده شركة هواوي والسلطات الصينية. ومن المفترض أن أحد أفراد العائلة على الأقل قد ظهر علنًا منذ ذلك الحين في بكين.

الأثرياء الصينيون يواجهون صعوبات في نقل رؤوس أموال إلى الخارج

وتشير تقديرات بلومبيرغ إنتليجنس إلى أن نحو تريليون دولار أمريكي من الأصول الصينية قد غادرت الصين في عام 2025، وهذه أكبر هجرة لرؤوس الأموال الصينية "الساخنة" منذ عام 2006، أي العام الذي بدأ فيه جمع البيانات لأول مرة.

ولم تقم بكين بتشدد الحد الأقصى للتحويلات النقدية الأجنبية السنوي البالغ 50 ألف دولار أمريكي، والذي يُسمح للأسر الصينية بتحويله إلى الخارج. لكنها ضيّقت الخناق على الطرق غير الرسمية التي يستخدمها الأثرياء لتجاوز هذا الحد، بحسب أليسيا غارسيا-هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي ناتيكسيس.

وحول ذلك قالت غارسيا هيريرو لـDW: "لم يُغيروا الحد الأقصى البالغ 50 ألف دولار. ولكنهم يضغطون الآن على الأفراد والوسطاء الذين تتدفق الأموال في العادة من خلالهم".

لقد نشأ في الصين وخارجها قطاع مالي كامل لمساعدة الناس على نقل رؤوس أموالهم إلى الخارج. وتتولى وكالات الهجرة إصدار التأشيرات والانتقال، بينما تساعد شركات الوساطة الخارجية وشركات إدارة الأصول المواطنين الصينيين في استثمار ثرواتهم في الخارج.

وتستخدم الشركات أحيانًا شركة فرعية أجنبية، أو طرح أسهمها للاكتتاب العام، أو حتى إرسال موظفيها من أجل نقل الأموال والخبرات معًا إلى الخارج.

قواعد جديدة كحافز لحلول "إبداعية"؟

وبحسب رأي هنري غاو، أستاذ القانون في جامعة سنغافورة للإدارة، من الممكن أن تأتي القيود الجديدة بنتائج عكسية. فكلما ازدادت صعوبة نقل رؤوس الأموال والأفراد إلى الخارج، يزداد أيضًا الحافز بالنسبة للذين يملكون الوسايل اللازمة لإيجاد طرق بديلة.

وحول ذلك قال غاو لـDW: "من الممكن أن يؤدي ذلك على المدى الطويل إلى تقويض الثقة بشكل أكبر، وتسريع هروب رؤوس الأموال خارج الصين، وتفاقم المشكلات الاقتصادية التي تهدف هذه الإجراءات أصلًا إلى الحد منها".

وفي المقابل ترى غارسيا-هيريرو أن القيود المفروضة على العمال المهرة ستكون لها عواقب أخطر من تلك المفروضة على رؤوس الأموال.

وفي هذا الصدد قالت غارسيا-هيريرو لـDW: "لا يزال من الممكن تحويل الأموال ببطء عند الحصول على التصاريح المناسبة. ولكن ليس من السهل استبدال مهندس عمليات يُمنع من ركوب الطائرة أو لا يستطيع قبول وظيفة في الخارج بسبب حظر سفر دائم".

خبراء الذكاء الاصطناعي يحتاجون تصاريح سفر

وهذا الخطر بات يؤثر بالفعل على  شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، التي تمضي بسرعة لتلحق بركب منافسيها الأمريكيين في  سباق تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا.

لقد ذكرت بلومبيرغ في أيار/ مايو 2026 أن السلطات الصينية باتت تطلب الآن من كبار باحثي الذكاء الاصطناعي والمؤسسين والمديرين التنفيذيين في شركات مثل علي بابا وديب سيك الحصول على تصريح قبل السفر إلى الخارج.

وفي العام الماضي، طُلب من بعض موظفي شركة ديب سيك تسليم جوازات سفرهم بحسب موقع الأخبار التقنية "ذا إنفورميشن". ومن جانبها لم تؤكد بكين هذا الإجراء ولم تنفيه.

وكذلك ذكرت بلومبيرغ في كانون الثاني/ يناير 2025 أن فنيين آخرين يواجهون ضغوطًا مشابهة، ومن بينهم أيضًا خبراء يساعدون الشركات الأجنبية على تقليل اعتمادها على الصين من خلال إنشائها مصانع في فيتنام والهند.

السلطات والمحامون يجذرون من العواقب

وفي حالة المواطنين الأجانب تقوم الشركات الصينية والأجنبية أحيانًا بإخفاء إقامتهم من أجل العمل في الصين لتجنب الإجراءات الرقابية وتأخير إصدار التأشيرات. وقد يقولون إن سبب الرحلة سياحي أو لحضور اجتماعات عمل أو لزيارة مصنع، وليس للعمل الحقيقي.

وقبل فرض القيود الجديدة، نصحت مكاتب محاماة دولية مثل "DLA Piper" الشركاتَ بملء طلبات التأشيرة "بصدق" و"بشكل كامل"، وحذّرت من أن أي تناقض بين الوثائق والنشاط الفعلي قد يؤدي إلى حظر دخول الصين لمدة تصل إلى خمس سنين.

وتنص اللوائح الجديدة على أن أي زائر يجب إبلاغه مبدئيًا في حال فرض حظر دخول عليه. مع ذلك يمكن للسلطات الصينية عدم الإبلاغ إذا كان ذلك "يمكن أن يضر بالأمن القومي أو التحقيقات في قضايا جنائية".

وفي إرشادات سفر مُحدَّثة صدرت في بداية أيلول/ سبتمبر 2026، ذهبت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أبعد من ذلك وحذرت المواطنين الأمريكيين من "ضرورة توخي مزيد من الحذر  داخل الصين لأن... الصينيين يفرضون حظر دخول إلى أراضيهم من دون اتخاذ أي إجراء نزيه وشفاف وفقًا للقانون، وهناك خطر للتعرض للاعتقال أو الاحتجاز غير المبرر".

أعده للعربية: رائد الباش


 

اقرأ النسخة الكاملة