"العدالة والتنمية واليسار" يرسمان ملامح معارضة شرسة لـ"حكومة المونديال"
في وقت تتوجه الأنظار صوب كرسي رئاسة الحكومة والشخصية التي سيختارها الملك محمد السادس للجلوس عليه، وقيادة تجربة حكومية جديدة عمرها يمتد لخمس سنوات، بدأت تتشكل معالم معارضة شرسة ينتظر أن تواجهها حكومة “البام” في السنوات الخمس المقبلة.
فحزب العدالة والتنمية، الخصم الرئيسي لحزب الأصالة والمعاصرة الذي سيقود التحالف الحكومي، بدا حاسما في موقفه والاصطفاف في المعارضة، إلى جانب نواب تحالف فيدرالية اليسار والحزب الاشتراكي الموحد البالغ عددهم 8، ما يعني أن النواة الصلبة لشكل المعارضة التي ستواجه حكومة “البام” ظهرت بشكل سابق عن التحالف الحكومي المرتقب.
ويبدو أن شكل ومستوى هذه المعارضة سيتعزز ويتقوى بنواب حزب التقدم والاشتراكية، الذين عبر أمينهم العام نبيل بنعبد الله عن مواقف قوية ضد أحزاب التحالف الحكومي السابق، وهاجمهم بقوة في التجمعات الخطابية التي أطرها خلال الحملة الانتخابية لاقتراع 23 شتنبر، ما يعني أن “حكومة المونديال” ستواجه معارضة مغايرة لما عاشته حكومة عزيز أخنوش المنتهية ولايتها.
عودة الأسماء المجربة
في تعليقه على الموضوع يرى المحلل السياسي والأستاذ الجامعي محمد العمراني بوخبزة أن المعارضة المقبلة ستكون أقوى، من حيث العدد والحضور السياسي، مقارنة بما كانت عليه خلال الولاية الحكومية السابقة، مشيرا إلى أن التجربة الماضية اتسمت بضعف المعارضة وصعوبة العمل المشترك بين مكوناتها، مقابل أغلبية حكومية متماسكة نسبيا.
وأوضح بوخبزة، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن المشهد الحالي يضم ثلاثة مكونات أساسية للمعارضة، تتمثل في حزب العدالة والتنمية، وحزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب مكونات تحالف اليسار، وهو ما يجعل المعارضة، من الناحية العددية، في وضعية مختلفة عن المرحلة السابقة، وأضاف أن قوة المعارضة “لا ترتبط فقط بحضورها داخل مجلس النواب، وإنما أيضا بما تتوفر عليه بعض مكوناتها من امتدادات نقابية ومجتمعية وحضور في الشارع، الأمر الذي قد يمنحها هامشا أوسع للتحرك والمناورة السياسية”.
كما لفت المحلل السياسي ذاته إلى عودة عدد من الأسماء ذات التجربة البرلمانية والسياسية إلى المؤسسة التشريعية، سواء من حزب العدالة والتنمية أو من اليسار وتحالف اليسار، معتبرًا أن تراكم تجربتها واطلاعها على الملفات وقدرتها على المحاججة والنقاش أمور يمكن أن تجعل المعارضة أكثر حضورًا وفعالية.
اختلاف المرجعيات لا يمنع الالتقاء
وبحسب بوخبزة فإن اختلاف المرجعيات السياسية لمكونات المعارضة “لا يمنع وجود نقاط التقاء بينها، خصوصا في ما يتعلق بموقع حزب الأصالة والمعاصرة في المشهد السياسي”، إضافة إلى إعلان حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار عدم المشاركة في التحالف الحكومي، مع احتمال استمرار حزب التقدم والاشتراكية في صفوف المعارضة.
ويرى المتحدث ذاته أن هذه المعطيات تجعل من المنتظر أن توظف المعارضة مختلف الآليات الدستورية والمؤسساتية المتاحة لها، دون أن يقتصر نشاطها على البرلمان، بل قد يمتد إلى المجال الإعلامي والفضاء المجتمعي والشارع.
وختم المحلل السياسي بأن الحكومة المقبلة ستكون أمام معارضة قوية، ليس فقط من حيث العدد، وإنما أيضا من حيث التجربة السياسية والبرلمانية والقدرة على الحضور والتفاعل مع مختلف الملفات والقضايا المطروحة.
من جهته يرى عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، أن الحديث عن ممارسة المعارضة من داخل المؤسسة التشريعية يقتضي التمييز بين مستويين أساسيين: مستوى قانوني، وآخر يرتبط بالثقافة السياسية والمؤسساتية.
وأوضح اليونسي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن المستوى الأول يستند إلى الفصل العاشر من الدستور، الذي يؤطر وضعية المعارضة وحقوقها داخل المؤسسة التشريعية، وتستند إليه مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب في تحديد ضوابط وآليات ممارسة المعارضة أدوارها.
وأضاف المتحدث ذاته أن المستوى الثاني يتعلق بالثقافة السياسية والمؤسساتية التي تجعل من المعارضة آلية فعالة للقيام بأدوارها في المراقبة والمساءلة، لافتا إلى أن الأمر “لا يقتصر على علاقة المعارضة بالأغلبية داخل البرلمان فقط، وإنما يشمل أيضا طبيعة تفاعلها مع باقي مؤسسات الدولة ومع المجتمع”.
معارضة قوية
وبناء على نتائج انتخابات 23 شتنبر، وبعد إعلان قيادة حزب العدالة والتنمية اصطفافه في المعارضة، وفي انتظار استكمال المسار الانتخابي، من خلال الإعلان عن النتائج النهائية وتعيين رئيس الحكومة وانطلاق المشاورات، يرى اليونسي أن المعارضة المقبلة قد تكون “أكثر قوة وحضورا”.
ويربط أستاذ القانون الدستوري ذلك باعتبارين أساسيين، أولهما معطى موضوعي يتمثل في عدد نواب حزب العدالة والتنمية البالغ 54، وهو ما سيتيح لهم الاستفادة من عدد من الآليات المتاحة داخل البرلمان، فضلا عن الحضور في الإعلام العمومي، كما سيمنحهم إمكانية المساهمة في توفير النصاب اللازم لممارسة عدد من الآليات الرقابية، من قبيل لجان تقصي الحقائق واللجان الاستطلاعية، فضلا عن آلية إحالة القوانين على المحكمة الدستورية، التي تتطلب توفر النصاب المحدد في 79 نائبا.
أما الاعتبار الثاني فيرتبط بوجود صوت جديد داخل المعارضة، يتمثل في تحالف اليسار، الذي يمكن، بالنظر إلى حجمه العددي، وربما في حال تشكيل فريق برلماني مع حزب التقدم والاشتراكية، أن يضطلع بدور مهم داخل المؤسسة التشريعية.
ويعتقد المتحدث أن “من شأن هذه المعطيات أن تجعل مجلس النواب فضاء أساسيا لإثارة ومناقشة عدد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن تمنح المعارضة إمكانات أكبر لممارسة أدوارها في الرقابة والمساءلة والنقاش العمومي”.
وخلص أستاذ القانون الدستوري إلى أن وجود معارضة قوية داخل مجلس النواب يعني “قدرة النظام السياسي على حل القضايا الشائكة بالسياسة ومن داخل المؤسسات، وتحييد الشارع وعدم تكرار ما وقع مع ‘جيل زد’ أو أحداث سبتة”، وفق تعبيره.