من المراوح الصغيرة والشواحن زهيدة الثمن إلى الساعات الذكية التي يشتريها كثيرون مع بداية العام الجديد لتحسين لياقتهم البدنية، يمتلك نحو 44% من الأوروبيين ما لا يقل عن ستة أجهزة من فئة "التكنولوجيا سريعة الاستهلاك". كما يؤكد أكثر من نصفهم أنهم يحتفظون في منازلهم بأجهزة إلكترونية معطلة أو غير مستخدمة، أو يتخلصون منها مع النفايات المنزلية العادية بدلًا من إعادة تدويرها.

ووفقًا لتقرير جديد صادر عن منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية (WEEE Forum) ومقره بروكسل، تشمل التكنولوجيا سريعة الاستهلاك مجموعة واسعة من المنتجات، مثل الشواحن ومعدات الإضاءة التي يقل سعرها عن 10 يورو، وبنوك الطاقة وأجهزة تتبع اللياقة البدنية، إضافة إلى الأجهزة المنزلية الصغيرة مثل الخلاطات والمراوح منخفضة التكلفة، فضلًا عنالسجائر الإلكترونية  المستخدمة لفترة بسيطة.

وتقول ماغدالينا تشاريتانوفيتش، مديرة الاتصال في المنتدى،"إن هذه الأجهزة تشبه إلى حد كبير مفهوم الأزياء السريعة"، إذ تُصمَّم لتكون منخفضة التكلفة وسهلة الاستبدال، ما يشجع على استهلاكها والتخلص منها بسرعة". وكشف التقرير أن نحو 40% من المشترين تخلصوا من أجهزة إلكترونية رخيصة من دون استخدامها نهائيا أو بعد شهر واحد من شرائها، فيما أفاد نحو 60% بأنهم استخدموها لمدة لا تتجاوز ستة أشهر. ورغم عمرها القصير، أعرب معظم المشاركين في الاستطلاع عن رضاهم عن هذه المنتجات. ويرى التقرير أن كثيرًا من المستهلكين إذ يفضلون شراء أجهزة منخفضة الثمن تؤدي الغرض المطلوب لفترة محدودة ويسهل استبدالها عند تعطلها، في نمط استهلاكي يشبه إلى حد بعيد عالم الأزياء السريعة.

النفايات الإلكترونية.. كيف يمكن مواجهة المشكلة؟

يُنتج العالم سنويًا نحو 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية، وهي كمية ضخمة شبّهتها ماغدالينا تشاريتانوفيتش بـ سور الصين العظيم من حيث الحجم. وحذّرت من أن هذا الرقم مرشح للارتفاع إلى 82 مليون طن بحلول عام 2030 إذا استمرت أنماط الاستهلاك الحالية. ورغم أن أوروبا تعيد تدوير ومعالجة ما يقرب من 40% من نفاياتها الإلكترونية، فإن المعدل العالمي لا يتجاوز 17% فقط، ما يعني فقدان كميات كبيرة من المعادن والمواد القيّمة التي يمكن استعادتها وإعادة استخدامها.

وفي الوقت نفسه، ينتهي جزء كبير من هذه النفايات في المكبات أو البيئة، الأمر الذي يفاقم التلوث ويزيد من استنزاف الموارد الطبيعية. وفي عام 2022، بلغ حجم النفايات الإلكترونية في أوروبا 10.7 مليون طن، احتوت على نحو مليون طن من المواد الخام الحيوية، من بينها المنغنيز و الذهب  والنحاس والألومنيوم.

وقالت تشاريتانوفيتش إن هذه المواد الخام الحيوية أصبحت "في صلب التوترات الجيوسياسية"، في ظل احتدام المنافسة العالمية على المعادن النادرة وغيرها من الموارد الاستراتيجية. وأضافت أن الأجهزة الإلكترونية، مهما صغر حجمها، تستحق إعادة التدوير إذا كانت تحتوي على لوحة دوائر إلكترونية أو بطارية. ويشدد منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية (WEEE Forum) على أهمية تعزيز الوعي بكيفية التخلص من الأجهزة الإلكترونية منخفضة التكلفة، وتيسير إعادة تدويرها قدر الإمكان.

لكن الحد من الأثر البيئي  لهذه الأجهزة يبدأ بإطالة عمرها الافتراضي، من خلال تحسين تصميمها وتسهيل إصلاحها، لا سيما أن استعادة المواد الخام وإعادة تدويرها تتطلبان استهلاكًا كبيرًا للطاقة. وفي هذا السياق، أوضحت تشاريتانوفيتش أن القواعد الأوروبية الأكثر وضوحا واتساقا، التي يدرسها الاتحاد الأوروبي حاليًا، قد تسهم في تحسين جمع النفايات الإلكترونية، مشيرة إلى أن التوجيهات الأوروبية الحالية، التي يعود تاريخها إلى نحو 20 عامًا، لم تعد مواكبة للواقع المتغير.

الرعاية الصحية الرقمية.. مصدر متنامٍ للنفايات الإلكترونية

أصبح قطاع الرعاية الصحية الرقمية بدوره مصدرًا متناميًا للنفايات الإلكترونية. فعلى الرغم من الدور الذي تؤديه أجهزة مثل مستشعرات قياس مستوى السكر في الدم وأجهزة مراقبة ضغط الدم في تطوير الرعاية الصحية، فإن كثيرًا منها مصمم للاستخدام مرة واحدة فقط. وكشفت دراسة نُشرت في دورية (Nature) في ديسمبر/كانون الأول 2025 أن المبيعات السنوية للأجهزة الصحية الإلكترونية التي يمكن أرتداؤها قد تصل إلى ملياري جهاز بحلول عام 2050، ما قد ينتج عنه مليون طن من النفايات الإلكترونية.

ويشير جيريمي فالودي، الأستاذ المشارك في هندسة التصميم المستدام بجامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا ، إلى أن جعل الأجهزة الطبية الرقمية، ولا سيما تلك المستخدمة في المستشفيات أو المقدمة للمرضى، قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير يواجه تحديات أكبر بكثير مقارنة بالأجهزة الإلكترونية العادية.

ويعود ذلك جزئيًا إلى احتمال تلوث هذه الأجهزة بمواد بيولوجية مصدرها المرضى، خصوصًا الأدوات الجراحية الرقمية التي تلامس الدم أو سوائل الجسم الأخرى. ويوضح فالودي أن تصميم كثير من هذه الأجهزة يجعل استعادة مكوناتها أمرًا صعبًا، إذ يصعب تعقيمها دون إلحاق الضرر بالمكونات الإلكترونية الموجودة بداخلها.

وشارك فالودي في مشروع الصحة الرقمية في الاقتصاد الدائري، وهو مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي يهدف إلى إعادة تصميم الأجهزة الطبية الرقمية بما يتيح استعادة المواد الحيوية والحد من الأثر البيئي، من دون المساس بسلامة المرضى. ويتيح التصميم المعياري، على سبيل المثال، فصل المكونات الإلكترونية عن الأجزاء التي يجب استبدالها بين مريض وآخر، ما يسهل إعادة استخدام الأجهزة.

وأظهرت نتائج المشروع، الذي استمر أربع سنوات بمشاركة مواطنين ومستشفيات وشركات مصنّعة من تسع دول أوروبية، أن استخدام كابلات تخطيط القلب القابلة لإعادة الاستخدام، التي تربط المرضى بأجهزة مراقبة القلب، يمكن أن يخفض الأثر البيئي بنسبة تتراوح بين 81% و94%. وتُصمم هذه الكابلات عادة للاستخدام مرة واحدة.

لكن إعادة استخدام الأجهزة الطبية وتدويرها تصطدم أيضًا باللوائح المنظمة  للنفايات الطبية، لا سيما مع اختلاف الاشتراطات بين الدول، واستناد بعضها إلى أخطار محتملة أو متصوَّرة بدلًا من المخاطر الفعلية، بحسب فالودي. وأوضح أن نحو 85% من نفايات المستشفيات غير معدية، ومع ذلك تُجمع في الحاويات نفسها مع النفايات المعدية. ويرى أن تحسين فرز النفايات، إلى جانب وضع قواعد موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي للتعامل مع النفايات الاستشفائية غير المعدية، من شأنه أن يسهم في الحد من هذه المشكلة.

كيف يمكن تشجيع الناس على إعادة التدوير؟

ولا يقتصر الأمر على الأجهزة الإلكترونية الترفيهية أو منخفضة التكلفة، بل يمتد أيضًا إلى الأجهزة الصحية المنزلية، مثل أجهزة قياس ضغط الدم ومستوى السكر في الدم، التي ينتهي بها المطاف غالبًا منسية في الأدراج أو مُلقاة في حاويات نفايات غير مخصصة لها.

وتوضح ماغدالينا تشاريتانوفيتش، من منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية (WEEE Forum)، أن كثيرًا من الأشخاص لا يعرفون الطريقة الصحيحة للتخلص من هذه الأجهزة بعد انتهاء استخدامها.

وكشفت تجارب أُجريت في بلجيكا وإسبانيا وسلوفينيا، أتاحت للمستهلكين إعادة الأجهزة مجانًا عبر البريد أو تسليمها في نقاط جمع مخصصة بالأماكن العامة، أن أكثر من 60% من المشاركين كانوا مستعدين لإعادة أجهزتهم غير المرغوب فيها عندما تكون العملية سهلة ومريحة. وتؤكد تشاريتانوفيتش أن سهولة إعادة التدوير وإدماجها في الروتين اليومي تمثل العامل الأهم في تشجيع المستهلكين على المشاركة، مشيرة إلى أن الرسائل التحفيزية البسيطة التي تذكر الناس بأن إعادة تدوير جهاز طبي قد تساعد في تحسين حياة شخص آخر يمكن أن تدفعهم إلى اتخاذ القرار الصحيح بدلًا من التخلص منه بطرق.