أفاد الاتحاد المغربي للشغل، المركزية العمالية الكبرى في المغرب، بأن البرنامج الحكومي الجديد يتضمّن مجموعة من الالتزامات والبرامج التي من شأنها الإجابة عن أهم الإشكالات الاجتماعية والأولويات الوطنية، خاصة ما يتعلق بالحماية الاجتماعية ومحاربة الفساد وإصلاح التقاعد بحلول منصفة للأجراء وتشغيل الشباب وتحسين التعليم والصحة إلى جانب رهانات النمو الاقتصادي والسيادة المائية والطاقية والغذائية.
وأشارت النقابة ذاتها، عبر فريقها في مجلس المستشارين، اليوم الأربعاء، خلال جلسة عمومية خُصصت لمناقشة البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة يوم الاثنين خلال جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان، إلى “الأهمية القصوى لانتظارات الطبقة العاملة المغربية وعموم جماهير الشعب المغربي، المتمثلة أساسا في وضع حد للغلاء الفاحش للمعيشة الذي يضرب في الصميم قدرتها الشرائية، بوضع آليات تحُد من المضاربات”.
مسار جديد
ذكر نور الدين سليك، رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل، كذلك الانتظارات المرتبطة بـ”الزيادة العامة في الأجور وتحسين الدخل”، مسجلا بـ”ارتياح التزام الحكومة بالتخفيض الضريبي عن الدخل والأجور؛ إلا أن أجرأة هذا الالتزام تستوجب الإسراع بتنفيذه”.
وتابع سليك: “يتعين أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في احترام الحقوق القانونية لكافة الأجراء، وضمان ممارسة الحريات النقابية والمفاوضات الجماعية”.
ونادى رئيس الفريق التابع للمركزية العمالية بـ”وضع حد لكل أشكال التضييق على العمل النقابي، ومحاربة الطرد والتمييز بسبب الانتماء أو النشاط النقابي”، محيلا على “القانون التنظيمي للإضراب الذي مررته الحكومة السابقة في غياب حوار اجتماعي حقيقي مفضٍ إلى نتائج متفق عليها؛ بل مررته ضدا على مصالح الطبقة العاملة والحريات النقابية”.
وزاد المتحدث ذاته: “نطالب بتعليق العمل بهذا القانون وفتح مفاوضة حقيقية بهدف إصدار قانون تنظيمي متوازن متفق عليه”.
وأكد سليك على ضرورة “العمل على وضع سياسة فعالة في مجال التشغيل تضمن شروط العمل اللائق وتقطع مع الهشاشة في عالم الشغل، والاستغلال البشع للعاملات والعمال في قطاع المناولة الذي في عموميته لا يخضع حتى للحد الأدنى من الضوابط القانونية والحقوقية والأخلاقية، كما يقع في قطاعي الحراسة والنظافة”.
وإلى ذلك، نبه المستشار عينه إلى أهمية “وضع استراتيجية وطنية للحد من تفاقم وتفشي البطالة التي تنخر فئات واسعة من القوى النشيطة حيث تهدر طاقاتها وتضيع قيمتها المضافة وبلادنا في أمس الحاجة إليها، خاصة الفئات الشابة الحاملة للشواهد والخبرة المهنية. وفي هذا الباب، يمكن لقطاع التكوين المهني أن يلعب دورا طلائعيا”.
وشدد على أن “مفهوم الدولة الاجتماعية يكمن في قدرتها على الحفاظ على المرفق العمومي وصيانته وتقويته باعتباره الهوية الحقيقية والمضمون الاجتماعي الملموس للدولة والحكومة”، مسجلا أن “أهم مكونات هذا المرفق تتجسد في التعليم والصحة العموميين اللذين لا يمكن بأي حال من الأحوال تسليعهما ليصبحا بضاعة خاضعة لمنطق وجشع الربح والاغتناء”.
“وعي حكومي”
من جانبها، شددت نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابية لحزب الاستقلال المشارك في الحكومة، على “أهمية الأولويات التي حددها البرنامج الحكومي والتي تلامس مختلف القضايا والإشكالات التي ما فتئ المواطنون والمواطنات ينادون بضرورة مواجهتها”، مبرزة أنها “تعكس وعيا عميقا من لدن الحكومة بالحاجة الماسة إلى أن يشعر المواطنون والمواطنات بتحول ملموس في معيشهم اليومي”.
وقال عبد اللطيف مستقيم، رئيس الفريق البرلماني لـ “نقابة الاستقلاليين” بمجلس المستشارين، إن مضامين البرنامج الحكومي تجعله “قويا”، خاصا بالذكر “ما ورد في المحور الذي يهم محاربة الفساد والريع وتخليق الحياة العامة، ونعتبر أن تحقيق هذه الالتزامات سوف يساهم بشكل فعال في استعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة”.
واعتبر مستقيم أن “الالتزامات الواردة في المحور الخاص بضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية تعكس فعلا أننا إزاء حكومة سياسية قوية بحس اجتماعي وضعت حماية القدرة الشرائية في صلب الأولويات عبر استراتيجية طموحة”، متمنيا أن “يتم تفعيلها في أقرب الآجال وتحقيق تعبئة جماعية حولها”.
وأكد رئيس الفريق البرلماني سالف الذكر في الوقت ذاته ما أسماه “عمق التحليل” الذي ذهبت إليه الحكومة “من أن هشاشة أوضاع الأسر مرتبطة بأسباب اقتصادية في المقام الأول، تتعلق بالسكن والنقل وغلاء المعيشة”، موردا أن “الالتزام الصريح بالدفاع عن الهوية الوطنية والثوابت الدستورية ذات الصلة مبعث اطمئنان للجميع”، مشيدا بـ”أهمية التدابير الواردة في البرنامج الحكومي؛ بما فيها تشجيع الشباب المقبلين على الزواج بدعم مالي يصل إلى 5 آلاف درهم”.
واعتبر الفريق النقابي ذاته أن البرنامج الحكومي تضمّن تعهدات واضحة، ولا سيما مراجعة مقتضيات مدونة الشغل ومأسسة الحوار القطاعي في قطاع التعليم، وأن إصلاح التقاعد سوف يكون مؤطرا من خلال الحوار الاجتماعي، فضلا عن تعهدات الحكومة بوضع “ميثاق الشغل اللائق” ووضع سياسة عمومية دامجة وضامنة لآليات المشاركة المواطنة لمغاربة العالم لتوطيد ارتباطهم الوثيق بالهوية الوطنية.
ملفات حارقة
أما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فقد سجلت أن التعهدات الاجتماعية بقيت عامة “دون آجال تنفيذ واضحة، أو تم ترحيلها إلى نهاية الولاية الحكومية، مقابل دقة أهداف العجز والمديونية”، موردة أن “التعويل على الاستثمار والقطاع الخاص يحتاج إلى توضيح نصيب الأجراء والفئات الشعبية من ثمار النمو”، مع تسجيل “غياب الالتزام بالزيادة العامة في الأجور والمعاشات، رغم تآكل القدرة الشرائية الذي لم تعوضه التدابير السابقة”.
وبالنسبة إلى مجموعة الكونفدرالية بمجلس المستشارين، فإن “تحسين الدخل يقتضي إصلاحا ضريبيا شاملا ينصف الأجور الدنيا والمتوسطة، ويضمن مساهمة عادلة للأرباح الكبرى والثروات”، موردة أن “حماية القدرة الشرائية تستوجب مواجهة الاحتكار واختلالات الأسواق”، ومُعبرة عن استغرابها غياب جواب عن إعادة تشغيل شركة “سامير” رغم الحديث عن الأمن الطاقي وأهمية التكرير والتخزين الوطنيين.
وشدد لحسن نازهي، منسق المجموعة مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالغرفة الثانية من المؤسسة التشريعية، على أن “حماية دخل الأسر تكتمل بضمان حقوقها الاجتماعية وتخفيف أعباء العلاج والتعليم عنها”.
وزاد نازهي: “من هنا، تقاس مصداقية تعميم الحماية الاجتماعية بالاستفادة الفعلية والمستمرة من الحقوق، وفق المعايير الدولية، خاصة الاتفاقية رقم 102″، مضيفا أن “الأمر يقتضي تمويلا تضامنيا مستداما، وتقوية التعليم والصحة العموميين، ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، وإنصاف العاملين وتحسين أوضاعهم المادية والمهنية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية”.
وفي التقاعد، جدد المتدخل في الجلسة العمومية التأكيد على رفض نقابته “لأي إصلاح على حساب دخل الأجراء وأعمارهم ومعاشاتهم، أو يمس حقوقهم ومكتسباتهم”، مبرزا أن “مسؤولية الحكومة هي بناء إصلاح عادل، عبر تفاوض فعلي مع النقابات، يضمن استدامة الأنظمة وتحسين المعاشات وصون الحقوق”، وزاد: “وترتبط استدامة هذه الأنظمة أيضا بتوسيع قاعدة الشغل المستقر والمصرح به”.
ومن هذا المنطلق، ذكر النقابي ذاته أن “سياسة التشغيل تُقاس بإحداث مناصب قارة بأجور منصفة وتغطية اجتماعية فعلية، وربط الدعم والصفقات العمومية باحترام قانون الشغل والتصريح الاجتماعي”، مبرزا أن “بلورة هذه الاختيارات تقتضي حوارا اجتماعيا فعليا”، مشيرا إلى أن “التصريح الحكومي لم يذكر النقابات بالاسم رغم مكانتها الدستورية، واكتفى بالانفتاح والتشاور مع الشركاء الاجتماعيين؛ وهو ما يعيدنا سنوات إلى الوراء، ويقزم الحوار من تفاوض والتزام إلى مجرد إبداء الرأي، على الرغم من إضافته إلى اسم الوزارة المكلفة بالتشغيل”.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر