في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين (الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2026)، انتهت حياة مريم يارمحمدي. وهي شابة إيرانية عمرها 28 عامًا وأم لطفلين، تعرّضت للطعن بسكين على يد شقيقها وبالتواطؤ مع زوجها في جزيرة قشم جنوب إيران. لقد تم طعنها بوحشية في جميع أنحاء جسدها وتشويه ثدييها وأعضائها التناسلية. وبعد ذلك بوقت قصير، فارقت الحياة في المستشفى. فيما تمّ اعتقال زوجها وشقيقها.

وبحسب تقارير إعلامية فقد تجمع نحو 50 فردًا من أفراد عائلة مريم وأقاربها أمام المستشفى للاحتجاج على اعتقال شقيقها وزوجها والمطالبة بالإفراج عنهما. وأفادت التقارير بأنهم كانوا يعتبرون أن الموت هو "أقل عقاب" تستحقه مريم يارمحمدي.

لا يُعرف ما اقترفته هذه الشابة ولماذا اعتبرها أقاربها "مذنبة". ولكن الطريقة الوحشية التي قُتلت بها هذه المرأة ( 28 عامًا) وهي أم لطفلين، توحي بأن الأمر متعلق بما يقال عنه  "جرائم شرف"، والتي عادة تطلق على الجرائم التي يقوم بها الرجال بدعوى "غسل العار" المزعوم الذي جلبته أخته أو ابنته أو زوجته إلى العائلة. وإلا فقد يتم رفضه أو إذلاله ونبذه من قبل محيطه الاجتماعي.

أما النساء اللواتي يُتهمن بارتكاب ذلك، فهن لا يحصلن في أغلب الحالات على أية فرصة للدفاع عن أنفسهن ضد مثل هذه الاتهامات.

"أوقفوا جرائم الشرف!"

عادة ما تحدد العائلة والأعراف الاجتماعية والثقافية المحلية ما يعتبر من الحشمة والأدب. وفي بعض المناطق ذات الطابع التقليدي، ربما يعتبر حتى الضحك بصوت عالٍ أو الحديث الودي مع رجل غريب انتهاكًا لهذه الأعراف.

منذ عدة سنين، تحاول ناشطات في مجال حقوق المرأة في إيران بناء شبكات في جميع أنحاء البلاد لتقديم النصائح والاستشارات والحماية للنساء المتضررات. ومن بين هذه الشبكات "حملة أوقفوا جرائم الشرف!".

وفي حديثها مع DW أشارت المتحدثة باسم الحملة، الدكتورة والناشطة الإيرانية رضوان مقدم، إلى عدم وجود أية ناشطة أو مجموعة في المنطقة كانت تستطيع تقديم الدعم لمريم يارمحمدي.

وأكدت الدكتور رضوان في الوقت نفسه أن كلامها يجب ألا يُفهم على أنه اتهام للناشطات الحقوقيات في هذه المناطق، وقالت: "أنا نفسي أنحدر من محافظة خوزستان في جنوب إيران، وأعرف تمامًا القيود القائمة هناك".

ومن خلال التعاون مع شبكات المجتمع المدني، تمكنت الحملة في بعض الحالات من نقل نساء مهددات إلى أماكن آمنة وتوفير ملاذ آمن لهن.

فشل النظام القضائي

من المعروف أن القوانين الإيرانية مستمدة من الشريعة الإسلامية. ويسري في القانون الجنائي الإيراني مبدأ "القصاص" في جرائم معينة، بما فيها القتل. وفي جرائم القتل يستطيع أقارب الضحية الاختيار بين المطالبة بالقصاص، الذي يمكن أن يعني في قضايا القتل عقوبة الإعدام، أو العفو عن الجاني.

وتظهر مثل هذه الأحكام ثغرات في نظام الحماية، زهو ما يلعب دورًا مهمًّا فيما يتعلق بالعنف ضد النساء.

وبحسب دراسة أجرتها أكاديمية الشرطة الإيرانية في عام 2020، فقد شكّلت جرائم القتل المعروفة باسم "جرائم الشرف" - أي قتل امرأة على يد أحد أقاربها الذكور، مثل الأب أو الأخ أو العم، بسبب انتهاك مزعوم لمعايير الآداب الاجتماعية - نسبة تصل إلى 45 بالمائة من إجمالي جرائم القتل المرتكبة في بعض المحافظات ذات الطابع التقليدي المحافظ في غرب إيران وجنوبها.

وفي آذار/مارس 2025، أعلن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بقضايا حقوق الإنسان في إيران، أن ما لا يقل عن 179 امرأة قُتلن في إيران خلال عام 2024 على يد رجال من محيطهن العائلي. وتم تسجيل هذه الحالات على أنها جرائم قتل نساء.

عندما يكتسب العنف شرعية اجتماعية

وحشية الجريمة التي ذهبت ضحيتها مريم يارمحمدي، أثارت صدمة كبيرة داخل المجتمع الإيراني. وفي شبكات التواصل الاجتماعي أثارت هذه القضية موجة من الحزن والفزع. وقد علقت الكثير من النساء على هذه الجريمة، التي  قُتلت فيها امرأة بسبب الكراهية تحت مسمى "الشرف" و"العار".

وفي المقابل كانت هناك تعليقات كثيرة ركزت على لوم الضحية وتحميلها المسؤولية. وتحدثت تعليقات أخرى حول "معاقبة امرأة خائنة"، أرادت معرفة "معنى غضب الرجال".

وضمن هذا السياق تتحدث المحللة النفسية الإيرانية صبا آلاله حول وجود بنية اجتماعية، تنقل للرجال منذ سنين أنّ عليهم السيطرة على النساء ومراقبة سلوكهن وقراراتهن، بمعنى أن الهوية الذكورية يتم ربطها بـ"طاعة المرأة".

ويصبح العنف أمرًا طبيعيًا في أي مجتمع عندما تتضافر القناعات ويتم التطبيع مع هكذا تفكير داخل البنية الاجتماعية، كما أوضحت الدكتورة آلاله في حوارها مع DW.

وأضافت مؤكدة: "عندما ترتبط عوامل مثل العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية والتعليمية ارتباطًا وثيقًا ببعضها، تصبح لديها قوة هائلة. وتكون النساء في مثل هذه الظروف أيضًا غير مستقلات اقتصاديًا ويعتمدن على الرجال إلى حدٍّ كبير ولا يتوفر لهن الدعم الاجتماعي الكافي. وكذلك لا توجد آليات وقاية. وكل هذا يزيد من مخاطر تعرضهن للعنف".

نساء يناضلن من أجل تقرير المصير

وفي حوار مع DW قالت عاطفة رنگريز، وهي باحثة في علم الاجتماع وناشطة مدافعة عن حقوق المرأة: "الجرائم بحق النساء موجودة دائمًا، ويمكننا ملاحظة مظاهرها السياسية أيضًا عبر التاريخ: من إجبار النساء على خلع الحجاب وحتى وضعهم أمام خيار 'إما ارتداء الحجاب أو تلقي ضربات على الرأس‘ في الجمهورية الإسلامية".

وعاطفة رنگريز مقتنعة بأن النساء يعرفن طريق التحرر جيدًا، ورغم جميع الصعوبات قد حققن الكثير خلال العقود الماضية.

والنساء في إيران يقدن سيارات منذ عام 1940. ومنذ عام 1963 أصبح يحق لهن التصويت والترشح للمناصب السياسية. وتشكل النساء نصف الحاصلين على شهادات جامعية في إيران. وكذلك يتزايد باستمرار عدد النساء اللواتي يقدّمن طلبات طلاق أو ينهين بالتراضي علاقة الزواج.

وتغيرت أيضًا الصورة العامة للمرأة في إيران إثر ظهور حركة "امرأة، حياة، حرية"، والتي انبثقت عن الاحتجاجات التي خرجت في جميع أنحاء إيران عام 2022 بعد وفاة الشابة جينا مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة.

وتقول عالمة الاجتماع وناشطة حقوق المرأة، عاطفة رنگريز: إن النساء يعملن على التركيز على الحاضر، بدلًا من تأجيل العدالة إلى المستقبل. فقد أصبحن يطالبن بها الآن. ويقررن بأنفسهن في ملابسهن وأجسادهن، وأن يعشن كما يشأن، وأن يحررن أنفسهن من ظروف الهيمنة والقمع والاستغلال. وهذا يمثل ثورة جذرية".

والكثير من النساء في إيران لم يعدن يرتدين الآن الحجاب الإلزامي في الأماكن العامة، وأصبحن يتحدين بذلك قواعد اللباس الحكومية. ولكن نادرًا ما يسأل أحدهم عمّا كانت تتمناه الأم الشابة مريم يارمحمدي وكيف أرادت أن تعيش. لقد قُتلت بوحشية بالغة.

أعده للعربية: رائد الباش