لم يعد فحص الأجنة قبل نقلها إلى الرحم يقتصر على الكشف عن بعض الأمراض الوراثية المعروفة، إذ ظهرت تقنية جديدة تحاول تقدير احتمالات إصابة الطفل مستقبلًا بأمراض معقدة، مثل السكري وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، من خلال تحليل عدد كبير من المتغيرات الجينية. لكن هذه الإمكانية تفتح الباب أمام تساؤلات علمية وأخلاقية حول مدى دقة التنبؤ بصحة الطفل، والحد الفاصل بين الوقاية من الأمراض واختيار صفات الأجيال المقبلة.
وتُعرف التقنية باسم الفحص الجيني متعدد الجينات للأجنة (PGT-P)، وهي لا تزال محل نقاش علمي، ولا توصي الجمعية الأمريكية للطب التناسلي باستخدامها سريريًا بصورة روتينية في الوقت الحالي، بسبب محدودية الأدلة على دقتها وفائدتها الفعلية.
كيف تعمل فحوص الأجنة متعددة الجينات؟
تُجرى التقنية ضمن عمليات الإخصاب المساعد، مثل أطفال الأنابيب، حيث تُخصب البويضات بالحيوانات المنوية في المختبر، ثم تؤخذ عينة صغيرة من خلايا الجنين لتحليل مادته الوراثية.
وعلى عكس الفحوص التقليدية التي تبحث عن طفرة جينية محددة أو اضطراب في الكروموسومات، يحلل هذا الفحص عددًا كبيرًا من المتغيرات الجينية التي قد يسهم كل منها بدرجة صغيرة في زيادة أو خفض احتمالات الإصابة بمرض معين.
وتُجمع هذه التأثيرات في ما يُعرف باسم «درجة المخاطر متعددة الجينات» (PRS)، التي تساعد على مقارنة الاستعداد الوراثي بين الأجنة المتاحة، لكنها لا تحدد بصورة مؤكدة ما إذا كان الطفل سيصاب بالمرض مستقبلًا.
هل يمكن اختيار جنين أقل عرضة للأمراض؟
تتمثل الفكرة في استخدام النتائج لتقدير الاختلافات في الاستعداد الوراثي لبعض الأمراض المعقدة، التي تتداخل في نشأتها عوامل وراثية وبيئية، إلى جانب نمط الحياة.
لكن انخفاض درجة المخاطر لا يعني ضمان ولادة طفل خالٍ من الأمراض، فقد تتأثر النتائج بدقة النموذج المستخدم، والأصول الوراثية للسكان الذين جُمعت منهم البيانات، فضلًا عن عوامل مثل التغذية والبيئة والرعاية الصحية.
لماذا تثير التقنية الجدل؟
في بيان نُشر عام 2025، أوضحت الجمعية الأمريكية للطب التناسلي أن الأدلة المتاحة لا تكفي حتى الآن لدعم الاستخدام السريري الروتيني لهذه الفحوص، بسبب تساؤلات تتعلق بدقة التنبؤ ومدى تحقيقها فائدة صحية حقيقية.
كما تعتمد كثير من النماذج الوراثية على بيانات مأخوذة من أشخاص ذوي أصول أوروبية، ما قد يقلل دقتها لدى مجموعات سكانية أخرى.
وتتجاوز المخاوف حدود الدقة العلمية إلى أسئلة أخلاقية، خصوصًا إذا انتقل استخدام التقنية من تقدير المخاطر الصحية إلى اختيار صفات غير طبية، مثل الطول أو الذكاء أو لون العينين. وهنا يعود الجدل حول «تحسين النسل»، وما قد يترتب عليه من تمييز اجتماعي أو تفاوت في فرص الوصول إلى التقنيات الطبية المتقدمة.
هل تضمن التقنية طفلًا سليمًا؟
الإجابة لا؛ فالفحص لا يمنع الأمراض ولا يتنبأ بمستقبل الطفل الصحي بصورة مؤكدة، كما لا يضمن أن اختيار جنين ذي درجة مخاطر أقل سيؤدي إلى تحسن صحي ملموس.
فتمثل فحوص الأجنة متعددة الجينات تطورًا في تحليل المعلومات الوراثية قبل الحمل، لكنها ما زالت محدودة الفائدة السريرية، وتحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل اعتمادها في الممارسة الطبية الروتينية. ويظل التحدي الأساسي هو الاستفادة من المعلومات الجينية لتقليل المخاطر الصحية، دون المبالغة في قدرتها على تحديد مستقبل الإنسان أو تحويلها إلى وسيلة لاختيار الصفات البشرية.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر