كشفت دراسة ميدانية نشرتها منظمة الأمم المتحدة الأربعاء (21 تشرين الأول/ أكتوبر 2026)، عن استمرار نشاط  تهريب المهاجرين  عبر الطرق المؤدية إلى  أوروبا  خلال عام 2025. وتشير تقديرات التقرير إلى أن التكاليف الإجمالية المرتبطة بهذه العمليات بلغت نحو نصف مليار دولار، ما يسلّط الضوء على العائدات المالية الكبيرة التي تجنيها الشبكات الإجرامية من استغلال حاجة المهاجرين إلى العبور.

وتكشف نتائج الدراسة عن تفاوت كبير في تكاليف الرحلات بحسب المسار والظروف المحيطة بها. فقد أفاد قرابة نصف المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى  إيطاليا  أو مالطا، انطلاقا من شمال أفريقيا أو تركيا، بأنهم دفعوا أكثر من 7500 دولار للشخص الواحد مقابل خدمات المهربين. وتظهر هذه التكاليف المرتفعة بوجه خاص على  طريق وسط المتوسط  والمسارات البرية المؤدية إلى إيطاليا.

وتشير تقديرات التقرير إلى أن الاستعانة بالمهربين كانت واسعة الانتشار على مختلف الطرق البحرية، إذ تراوحت نسبتها بين 72 و86% على طريق وسط المتوسط، وبين 75 و90% على طريق شرق المتوسط، وبين 73 و83%على المسار الأطلسي لغرب أفريقيا، مقابل 57 إلى 90% على طريق غرب المتوسط. ومع ذلك، ينبه التقرير إلى أن الدخول غير النظامي إلى أوروبا لا يعني بالضرورة أن كل مهاجر استعان  بشبكات التهريب.

في المقابل، قد تنخفض المبالغ المدفوعة على الطريق الأطلسي لغرب أفريقيا إلى نحو 170 دولارا للشخص الواحد، فيما أفاد مهاجرون سلكوا هذا المسار بأن تكاليف رحلاتهم كانت، في كثير من الأحيان، أقل من ألف دولار.

الاقتراض ورفض التأشيرات يضيّقان البدائل

لا تقتصر أعباء الرحلات على تكاليف النقل والعبور، بل تمتد إلى الديون التي يتحملها المهاجرون لتأمين وصولهم. فقد ذكر 19% من المشاركين في المسح أنهم موّلوا جزءا من رحلتهم عن طريق الاقتراض، فيما أفاد 11% بأنهم لا يزالون مطالبين بسداد جزء من تكاليفها بعد الوصول.

كما أظهرت النتائج أن 54% من المهاجرين تلقوا مساعدة في تنظيم رحلاتهم، في حين قال آخرون إنهم دفعوا أموالا مقابل تسهيلها. وسُجّلت أعلى نسب الاستعانة بهذه الخدمات على المسارات البرية المؤدية إلى إيطاليا، بنسبة 58%، وعلى طريق شرق المتوسط، بنسبة 56%.

وفي مؤشر على محدودية البدائل المتاحة، أفاد أغلبية المهاجرين بأنهم لم يفكروا في أي خيار آخر غير وسيلة السفر التي استخدموها. وبين الذين بحثوا في إمكانية  الهجرة عبر المسارات النظامية، قال عدد كبير منهم بنسبة 42% إن طلبات التأشيرة التي تقدموا بها رُفضت. وتعكس هذه النتائج، وفقًا لما يشير إليه التقرير، صعوبة الوصول إلى قنوات الهجرة القانونية في عدد من السياقات، وإن كانت لا تكفي وحدها لتفسير جميع قرارات الهجرة أو دوافعها.

تغيّرات لافتة في مسارات العبور

لم تتوزع التغيرات في تدفقات الهجرة بالتساوي على الطرق المؤدية إلى أوروبا. فقد سجّل المسار الأطلسي لغرب أفريقيا أكبر تراجع، بنسبة 62 في المائة خلال عام 2025، في ظل تعزيز التنسيق بشأن مراقبة الحدود، وتشديد القيود على التنقل، وزيادة المسافات التي يتعين على المهاجرين قطعها للوصول إلى نقاط الانطلاق.

ارتفعت التدفقات على طريق غرب البحر الأبيض المتوسط بنسبة 11%. في المقابل، ظل طريق وسط البحر الأبيض المتوسط المسار البحري الأكثر نشاطا، مع تقديرات تشير إلى عبور ما بين 84 ألفا ونحو 100 ألف خلال عام 2025، في رحلات تربط أساسا سواحل شمال أفريقيا بإيطاليا ومالطا  رغم الزيادة الملحوظة في أعداد الوافدين من بنغلاديش وإريتريا  والسودان.

أما على طريق شرق المتوسط، فبرز مسار فرعي يربط ليبيا بالجزيرتين اليونانيتين كريت وغافدوس، واستحوذ على 40% من إجمالي الوافدين إلى  اليونان  خلال عام 2025، وفقًا للتقرير. ويعكس هذا التطور تغيرا في أنماط العبور، مع استمرار تكيّف طرق الهجرة مع الإجراءات الحدودية والظروف المتغيرة في بلدان الانطلاق والعبور.

شباب ورجال في الغالب.. ودوافع تتجاوز الاقتصاد

تُظهر الدراسة أن غالبية المهاجرين الذين شملتهم الدراسة من الشباب والرجال. فالشباب يشكّلون 87% من المستجوبين، فيما كانت أعمار أغلبيتهم أقل من 30 عاما.

وتصدّرت بنغلاديش ومصر قائمة الجنسيات الأكثر تمثيلا في العينة، بنسبة 14% لكل منهما، تلاهما السودان بنسبة 10%، ثم أفغانستان ومالي. كما أفاد نحو نصف المشاركين، بأنهم كانوا يعملون أو يمارسون أنشطة مهنية لحسابهم الخاص قبل المغادرة، خصوصًا في قطاعات الزراعة والبناء والصناعات التحويلية.

وتتداخل دوافع الهجرة بين العوامل الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، فقد ذكر 42%من المستجوبين الصعوبات الاقتصادية سببا رئيسيا للمغادرة، بينما أشار آخرون إلى الحروب والنزاعات والعنف الشخصي أو العنف الموجّه. وبالمقارنة مع عام 2024، تراجعت أهمية العوامل الاقتصادية، بينما ارتفعت الإشارة إلى الحروب والنزاعات، بما يتماشى مع التغيرات التي طرأت على تركيبة الجنسيات ضمن العينة.

وتظهر أيضًا فروق بين الجنسين، إذ ذكرت النساء العنف بوصفه دافعا للهجرة بنسبة 44%، مقابل 28% لدى الرجال. في المقابل، أشار الرجال إلى الأسباب الاقتصادية بنسبة 44%، مقابل 26% لدى النساء.

ولم تقتصر دوافع المغادرة على العوامل الاقتصادية والأمنية، إذ قال المستجوبون إن العوامل المناخية أثّرت في السبب الرئيسي لهجرتهم، بينما تكبّد البعض منهم خسائر مباشرة في الإنتاج خلال الأشهر الستة التي سبقت مغادرتهم.

انتهاكات واستغلال خلال الرحلة وآلاف القتلى والمفقودين

رغم تراجع أعداد الوافدين إلى أوروبا، لا تزال الرحلات البحرية تحصد أرواح المهاجرين. فقد لقي ما لا يقل عن 3404 أشخاص حتفهم أو فُقدوا خلال عام 2025، بانخفاض نسبته 11% مقارنة بعام 2024، الذي سُجّلت فيه 3812 حالة وفاة أو فقدان.

لكن هذا التراجع ظل أقل من الانخفاض المسجل في أعداد الوافدين، البالغ 24%، ما يشير إلى ارتفاع مخاطر الوفاة مقارنة بحجم التدفقات. وسُجّلت 1330 حالة وفاة أو فقدان على طريق وسط المتوسط، و1218 حالة على المسار الأطلسي لغرب أفريقيا، وفقًا للتقرير.

وأشارت المنظمة أنه من المرجح أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من الأرقام المعلنة، بسبب صعوبة التحقق من مصير المفقودين، ومحدودية الوصول إلى بيانات البحث والإنقاذ في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، فضلًا عن حوادث الغرق التي لا يُبلّغ عنها ولا تُسجّل، والمعروفة باسم "حوادث الغرق غير المرئية". ولا يزال الغرق السبب الرئيسي للوفاة.

وإلى جانب هذه الخسائر، اعترضت السلطات البحرية 104 آلاف و200 شخص وأعادتهم، ما يسلّط الضوء على حجم عمليات الاعتراض والإعادة التي تشكل جزءا من واقع الهجرة البحرية نحو أوروبا.

إلى جانب المخاطر المرتبطة بالعبور، سجّل التقرير تدهورا في أوضاع الحماية التي يواجهها المهاجرون. فقد أفادت النسبة الأكبر من المهاجرين ونسبتهم 67% بأنهم تعرضوا لمشكلة واحدة على الأقل تتعلق بالحماية خلال رحلتهم، وهو ما يمثل ارتفاعا مقارنة بعام 2024 (57%). كما اتفق أغلبيتهم على تعرضهم لمؤشر واحد على الأقل من مؤشرات العنف أو الاستغلال أو الإساءة.

وكان العنف الجسدي أكثر الانتهاكات التي أُبلغ عنها. وسجّل المهاجرون الذين سلكوا طريق وسط المتوسط أعلى نسبة من هذه الحوادث، مع تركز معظمها في  ليبيا.

كذلك، ارتفعت نسبة الذين أبلغوا عن العمل دون أجر فيما زادت نسبة من أفادوا بتعرضهم للعمل القسري من 2 إلى 9%. وقال 20% من المستجوبين إنهم احتُجزوا رغما عن إرادتهم، ولا سيما في ليبيا، حيث تستمر ممارسات الاحتجاز التعسفي والابتزاز المرتبطة بجماعات مسلحة وشبكات إجرامية.

وتصف الإفادات التي جمعها التقرير أنماطًا متكررة من الانتهاكات المرتبطة بشبكات التهريب على طريقي وسط المتوسط وشرقه،  تشمل الاحتجاز للمطالبة بفدى مالية، وإجبار المهاجرين على عبور البحر، والخداع المنظّم الذي تمارسه بعض وكالات التوظيف والاستقدام. وتبرز هذه المعطيات كيف يمكن أن تتحول رحلة البحث عن الأمان أو الفرص الاقتصادية إلى مسار يتعرض خلاله المهاجرون للاستغلال والعنف، فضلًا عن مخاطر الغرق والاختفاء.

الاستقرار والاندماج.. احتياجات ما بعد الوصول

لا تنتهي احتياجات المهاجرين عند بلوغ الأراضي الأوروبية، إذ تتغير من طلبات إنسانية عاجلة، مثل المأوى والغذاء والمواد الأساسية خلال الرحلة، إلى  احتياجات ترتبط بالاستقرار والاندماج الاجتماعي والاقتصادي  بعد الوصول. وتأتي المساعدة في الحصول على فرص العمل والوثائق، إلى جانب دورات تعلم اللغة، في مقدمة الاحتياجات التي عبّر عنها المستجوبون.

وقال عدد كبير من المهاجرين إنهم يخططون للبقاء في بلد الوصول الأول، وهي نسبة أعلى من المسجلة في السنوات السابقة، بالتزامن مع تشديد سياسات التنقل داخل الاتحاد الأوروبي وتغيّر السياسات الوطنية المتعلقة باللجوء.

وفي المقابل، وصل 82% من المستجوبين من دون أفراد من أسرهم في بلد الوجهة، بينما قال نصفهم إنهم لا يتوقعون العودة إلى بلدانهم الأصلية.

وتخلص المعطيات إلى أن تراجع تدفقات الهجرة لا يعني بالضرورة انحسار نشاط التهريب أو انخفاض المخاطر التي يواجهها المهاجرون. فبين تكاليف الرحلات والديون، ورفض بعض طلبات التأشيرات، والعنف والاستغلال خلال العبور،  ومخاطر الغرق والاختفاء، تظل الطرق المؤدية إلى أوروبا محفوفة بتحديات إنسانية كبيرة، فيما تبقى فرص الوصول الآمن والاستقرار مرهونة بعوامل تتجاوز قرار الفرد وحده.

 

مرفت الشقطمي

مهاجر نيوز 2026