بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية السادسة والثلاثين للوحدة الألمانية،  استذكر الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير  اللحظات المؤثرة التي رافقت  إعادة توحيد البلاد. وخلال المراسم الاحتفالية بهذه الذكرى، قال شتاينماير في مدينة بريمن شمالي  ألمانيا  اليوم السبت (الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 2026): "في مثل هذا اليوم قبل ستة وثلاثين عاماً، التأم جرح عميق، جرح ظل يؤرق ألمانيا، ويثقل كاهلها، ويُبقىها على مدى أكثر من أربعة عقود في حالة – أراها حالة غير طبيعية – من الانقسام الداخلي".

وأوضح شتاينماير أن وقتاً طويلاً قد مضى منذ ذلك الحين، مشيراً إلى أن الغاية من الاحتفال بيوم   الوحدة   تكمن في تذكر المشاعر والأشخاص الشجعان الذين عاشوا أحداثها؛ ورأى أنها كانت أول ثورة سلمية من أجل الحرية والديمقراطية في  ألمانيا. 

وشدد شتاينماير على ضرورة ألا تطغى تحديات الحاضر أبداً على لحظة السعادة هذه في التاريخ الألماني، قائلاً: "لا يجوز لنا أبداً أن ندع هذه اللحظة لتروح في طي النسيان"، معرباً عن اعتقاده بأن ذلك سيكون بمثابة خيانة. وقال: "إن ما أصبح ممكناً قبل 36 عاماً يبدو لنا وكأنه هدية من السماء. لكنه لم يكن كذلك. فالثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1990 لم يفعل سوى تثبيت ما كان قد تحقق قبل ذلك بعام. ويمكنني أن أذكر العديد من الأماكن في شرق ألمانيا حيث حرر الناس أنفسهم عام 1989 من الخوف الخانق الذي فرضته الديكتاتورية".

انعدام الثقة بالنظام السياسي الألماني

قال شتاينماير: "نحن لا نعيش اليوم في ذلك العالم المفعم بالثقة والأمل الذي جئنا منه طوال عقود. كثيرون منا، وليس فقط في شرق البلاد، يشعرون بخيبة أمل تجاه توقعاتهم. (...) وبعد نحو أربعة عقود على  الوحدة الألمانية، وبعد جهود هائلة ومتعددة أعتقد أنها غير مسبوقة تاريخياً في البناء والتجديد، يعلن جزء كبير من المواطنين عدم ثقته بالنظام السياسي  لجمهورية ألمانيا الاتحادية. لا أريد أن أقول إنهم جميعاً يديرون ظهورهم للديمقراطية نفسها، لكن، ولكي أكون صريحاً، لا أعرف ذلك أيضاً".

وأعرب الرئيس الألماني عن قلقه إزاء الأوضاع الراهنة في بلاده، محذراً من أن القوى المتطرفة باتت تهدد الحرية والديمقراطية والوحدة الوطنية. وأكد أن على المسؤولين السياسيين أن يسألوا أنفسهم بلا مواربة عن موضع التقصير الذي دفع قطاعاً واسعاً من المواطنين إلى الانصراف عن السياسة، وجعل المتطرفين يجدون صدى لديهم، وقال إن هناك الكثير مما يتعين القيام به، ودعا الجميع إلى التصدي للتلاعب والأكاذيب. واستطرد أمام نحو 1000 ضيف: "بلدنا ألمانيا بلد جيد. فلنعمل على أن تظل كذلك".

وأضاف: "إن الديماغوجية السياسية التي لا تُحتمل والتي تمارسها القوى المتطرفة، والتي تستمتع بالتخريب وتسخر من الآخرين وتهددهم، لا تعرّض الحرية والديمقراطية للخطر فحسب، بل تهدد أيضاً وحدتنا الداخلية". وأشار منتقداً أداء الحكومات: "ينبغي علينا أن نسأل أنفسنا، ومن دون مجاملة، عما أخفقت فيه الحكومات الاتحادية وحكومات الولايات خلال العقود الثلاثة والنصف الماضية، حتى ابتعد هذا العدد الكبير من الناس ووجد المتطرفون كل هذا الصدى".

تحولات اقتصادية عميقة في ألمانيا

وأشار شتاينماير إلى أن العقود الماضية شهدت أزمات وتحديات جمة، مؤكداً أن من الممكن من واقع خبرته أن يتم تفكيك حالات الجمود والتوفيق بين المتناقضات، ونوّه إلى أن من الممكن معالجة الأزمات الكبرى عبر خطوات صغيرة، ورأى أن السر يكمن في الإرادة السياسية للتخلي عن الأنماط التقليدية المعتادة. ودعا المسؤولين السياسيين إلى العمل بحزم حتى في ظل الرياح المعاكسة، قائلاً: "تحلوا بالشجاعة من أجل التجديد".

وقال: "إن التحولات الاقتصادية العميقة تخلّف دائماً خاسرين ورابحين. (...) ومع ذلك، ورغم كل ما لا يزال يتعين القيام به، فقد أنجزنا الكثير جداً في العديد من المجالات. وفي الحقيقة فعلنا أكثر مما فعلته دول التحول الأخرى في  أوروبا. لقد نجحت الدولة بأكملها في تعبئة موارد أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الألماني من أجل التقريب بين مستويات المعيشة".

"إن تشويه  سمعة الإجراءات الديمقراطية،  وتزايد التطرف في المجال العام كما نشهده اليوم، والتشهير بفكرة التسوية السياسية، كل ذلك يجب أن يكون بمثابة تحذير. قد تكون الظروف مختلفة دائماً، لكن ما إذا كانت  برلين ستصبح أكثر شبهاً بجمهورية  فايمار  أم لا، فهذا لم يُحسم بعد. لكن الأمر بأيدينا. ويقع علينا واجب الحفاظ على ما يبقى مهماً".

"الديمقراطية ليست للبيع"

وفي إشارة منه إلى الانشغال في القضايا الوطنية وحدها قال "إن ديمقراطيتنا ليست للبيع. ولن تسلّم نفسها لأعدائها. نحن أقوى من الدناءة. ونحن فخورون بدولة القانون لدينا. (...) سنحمي نظامنا الحر، ونجدّده، ونحسّنه. إن ألمانيا بلد جيد. فلنعمل على أن تبقى كذلك". ثم أضاف : "وأقول بصراحة إن اختزال  حالة الاستياء السياسي المرير  في الآونة الأخيرة إلى مشكلاتنا الداخلية الألمانية فقط هو نوع من الانشغال القصير النظر بالذات الوطنية، ولذلك فهو تفسير خاطئ. (...) فعندما ننظر بدقة أكبر، ونتجاوز الحدود الألمانية قليلاً، نجد أن هذا النوع من التطرف والناخبين الغاضبين موجود أيضاً في كثير من الدول الصناعية المتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية".

مستقبل الديمقراطية الليبرالية

 

وأضاف الرئيس الألماني: "إنها حلقة مفرغة: الأحزاب الشعبوية بمختلف أطيافها تزعزع استقرار الديمقراطية البرلمانية. ويصبح تشكيل حكومات مستقرة أكثر صعوبة من انتخابات إلى أخرى، كما تصبح عملية الحكم نفسها أكثر صعوبة. (...) وكسر هذه الحلقة المفرغة التي أتحدث عنها سيحدد ليس فقط مستقبلنا نحن، بل مستقبل الديمقراطية الليبرالية في الغرب بأسره. وأنا مقتنع تماماً بأننا سننجح في ذلك في ألمانيا". وأضاف : "ما نجحنا في تحقيقه سنحافظ عليه. وما لم يصبح جيداً بعد سنعمل على تحسينه. فهذا وطننا الذي نلتزم بخدمته بالشجاعة والأمل وكل ما نملك من قوة".

واختتم كلمته المؤثرة، التي قوبلت بالتصفيق طويلاً، بالقول: "بلدنا ألمانيا بلد جيد... فلنعمل معاً لنجعله أفضل".