منبر — ديمو المعمار
العالم العربي

كيف تؤثر المداخيل والأحياء السكنية على الحركية في الرباط والدار البيضاء؟

28 سبتمبر 2026 4 دقائق قراءة

كشفت دراسة حديثة اعتمدت بيانات أكثر من 36 ألف شخص في المجالين الحضريين للرباط والدار البيضاء عن تفاوتات واضحة في التنقل اليومي ترتبط بالدخل والجنس والعمر والوضع المهني ومكان السكن، فيما ظهرت النساء وكبار السن وذوو الدخل المنخفض وسكان الهوامش ضمن الفئات التي تواجه قيودا أكبر في الوصول إلى أجزاء المدينة ووسائل النقل.

ونشرت الدراسة إلكترونيا بمجلة “Journal of Urban Mobility”، أخيرا، واستند البحث إلى مسحين أسريين للتنقل، الأول أُنجز في المجال الحضري للدار البيضاء سنة 2018 وشمل 7000 أسرة و23 ألفا و537 شخصا، والثاني أُجري في المجال الحضري للرباط سنة 2022 وضم 5000 أسرة و12 ألفا و848 شخصا.

وسجل المسحان الرحلات التي قام بها أفراد الأسر في اليوم السابق للبحث، ووسائل النقل المستخدمة، وأغراض التنقل، وهو ما أتاح مقارنة أنماط الحركة داخل كل مجال حضري بحسب الخصائص الاجتماعية ومكان الإقامة.

ولا تتعامل الدراسة مع الرباط والدار البيضاء بوصفهما مدينتين في سباق للمقارنة، وإنما تبحث داخل كل مجال حضري في كيفية ارتباط الدخل والجنس والعمر والعمل ومكان السكن بعدد الرحلات واحتمال البقاء دون تنقل ونوع وسيلة النقل والمسافة التي يصل إليها السكان.

النساء وكبار السن أقل تنقلا

أظهرت النتائج أن الرجال يقومون برحلات يومية أكثر من النساء في مختلف مستويات الدخل والفئات العمرية، بفارق تراوح في بعض الحالات بين 0.4 ورحلة كاملة يوميا لدى الأشخاص ذوي الخصائص الاجتماعية المتقاربة.

وبعد أخذ عوامل الدخل والعمر والعمل ومكان السكن في الاعتبار، كانت فرص تسجيل يوم من دون أي رحلة لدى الرجال أقل بنحو 53.5 في المائة مقارنة بالنساء في الدار البيضاء، وأقل بنحو 56.4 في المائة في الرباط.

وبرز عدم النشاط الاقتصادي ضمن أقوى العوامل المرتبطة بقلة الحركة، إذ كانت فرص عدم القيام بأي تنقل لدى غير العاملين وغير المتمدرسين أعلى بأكثر من ستة أضعاف مقارنة بالعاملين في الدار البيضاء، وبأكثر من أربعة أضعاف في الرباط.

وسجلت النساء فوق 65 عاما بعض أعلى مستويات عدم التنقل، إذ وصلت النسبة إلى 66 في المائة في بعض الفئات بالدار البيضاء و67 في المائة بالرباط، ووجد التحليل أن اجتماع عاملي السن والجنس يزيد القيود التي تواجه النساء المسنات أكثر مما يفسره كل عامل منفردا.

ويقصد بعدم التنقل في الدراسة عدم تسجيل الشخص أي رحلة في اليوم الذي يغطيه المسح، سواء كان الغرض العمل أو الدراسة أو التسوق أو العلاج أو الزيارة أو غير ذلك.

المشي يهيمن في الهوامش

أظهرت الدراسة أن الدخل يرتبط بقوة بوسيلة التنقل المستخدمة، إذ يزداد الاعتماد على المشي كلما انخفض دخل الأسرة، بينما يتركز استخدام السيارة الخاصة بدرجة أكبر لدى أصحاب الدخول المرتفعة.

وتظهر هذه الفوارق أن القدرة على الحركة داخل المدينة لا ترتبط بعدد الرحلات وحده، إذ تختلف الوسائل المتاحة للأفراد بحسب دخلهم ومكان إقامتهم، وهو ما يؤثر في المسافة التي يمكنهم الوصول إليها.

وتزداد أهمية هذه المسألة في المناطق الهامشية، حيث قد تصبح الرحلات اليومية أطول أو أكثر ارتباطا بتوفر النقل العمومي وإمكان تحمل تكلفته.

السكن في الهوامش يفاقم القيود

أظهر التحليل أن أثر السكن في الهوامش لا يتطابق تماما بين المجالين الحضريين، ففي الرباط كانت فرص عدم التنقل لدى سكان الهوامش أكثر من ضعفي المستوى المسجل لدى سكان المركز، بينما ظهرت في الدار البيضاء علاقة أكثر تعقيدا تتداخل فيها عوامل الدخل ومكان الإقامة.

وفي الدار البيضاء، سجل السكان منخفضو الدخل المقيمون في الهوامش مستوى أعلى من عدم التنقل مقارنة بما يمكن تفسيره بالدخل ومكان السكن كل على حدة، فيما أظهرت النتائج في المجالين أن الإقامة خارج المركز تقلل فرص القيام برحلات تتجاوز المنطقة القريبة من السكن.

وكانت فرص انتقال ذوي الدخل المنخفض إلى مناطق خارج نطاق إقامتهم أقل بنحو 30 في المائة من أصحاب الدخل المرتفع في الدار البيضاء، وأقل بنحو 53 في المائة في الرباط، بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار.

وتشير الدراسة إلى أن موقع السكن يؤثر في عدد الرحلات والوسيلة التي يستطيع الفرد استخدامها والمسافة التي يمكن أن يقطعها داخل المجال الحضري، ويظهر ذلك بصورة أوضح لدى النساء ذوات الدخل المنخفض المقيمات في الهوامش، حيث يرتفع الاعتماد على المشي وتتراجع خيارات النقل الأخرى.

وتدعو النتائج إلى التعامل مع النقل والسكن والعمل باعتبارها ملفات مترابطة، خصوصا في المناطق الهامشية التي تستقبل فئات محدودة الدخل بعيدا عن مراكز التشغيل والخدمات، مع إيلاء اهتمام لأمان النساء في النقل والفضاء العام، واحتياجات كبار السن، وتغطية النقل العمومي للمناطق البعيدة.

اقرأ النسخة الكاملة