لعنة الإفلاس السياسي ومطلب التغيير يلاحقان التحضير لمؤتمر "البوليساريو"
أعلنت جبهة البوليساريو الانفصالية عن تشكيل لجنة تحضيرية لعقد مؤتمرها السابع عشر، الذي يراهن عليه زعيم الانفصاليين، ابراهيم غالي، لتجديد ولايته وسط أجواء غير مسبوقة من تصاعد النقاش، سواء داخل مخيمات تندوف أو خارجها، حول عهدته التي تميزت بسلسلة من الانتكاسات الميدانية والدبلوماسية، من تبعات خرق وقف إطلاق النار من طرف الجبهة بعد “أزمة الكركرات” إلى تزايد الاعترافات بمغربية الصحراء ومعها عدد القنصليات الأجنبية بمدينتي العيون والداخلية، وصولا إلى قرار مجلس الأخير الذي ثبت حل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
وتم تعيين بشرايا حمودي بيون، الذي يشغل منصب ما يعرف بـ”الوزير الأول الصحراوي”، رئيسا لهذه اللجنة، في وقت تصاعدت ملامح مواجهة حقيقية بين خط قيادي يصر على التمسك بالسلطة وإعادة إنتاج نهجه التقليدي رغم كل الهزائم والتراجعات التي عرفها الطرح الانفصالي في السنوات الأخيرة، وبين الأصوات المعارضة لتيار غالي والداعية إلى مراجعة شاملة للخيارات السياسية والميدانية أمام تفاقم الاحتقان وانسداد الأفق السياسي لدى ساكنة المخيمات.
مؤتمر مسرحية واندثار الحلم
في هذا الصدد، وتحت عنوان “المؤتمر 17 لا نريد تبديل الحمار بالبغل”، أصدر تيار “خط الشهيد” المعارض للبوليساريو بيانا اعتبر من خلاله أن “هذا المؤتمر المسرحية لهذه السنة مؤلم بالنسبة لهذه القيادة، لأنها تعرف أنه سيكون بداية النهاية بالنسبة لها وربما حتى للبوليساريو كهيئة تحرير، وذلك ما تأكد من خلال الصراع حول اللجنة التحضيرية الذي دام عدة شهور لأنه ليس هناك أحد مستعد لتحمل مسؤولية النهاية والاندثار لهذا الحلم الصحراوي بعد أكثر من قرن من المعاناة والتضحيات والدماء والدموع والآلام”.
وأشار التيار الذي يتزعمه المحجوب السالك إلى أن “القيادة اتفقت في الأخير على تشكيل اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر المسرحية”، مردفا: “يؤلم أنهم اختاروا لجنة تحضيرية لهذا المؤتمر المسرحية تجاوزت 150 فردا، وكأننا سنحضر لمؤتمر في الصين الشعبية، بينما هو مؤتمر لا يشارك فيه من المنتخبين أكثر من 700 فردا”، ولافتا إلى خلو اللجنة من الشباب الراغب في التغيير، بل “هي الوجوه نفسها التي أوصلتنا لهذا الإفلاس”.
وتابع المصدر ذاته بأن “الغضب في المخيمات بلغ قمته تنديدا باللجنة التحضيرية وحتى بالمؤتمر”، وزاد: “شعارهم في المخيمات لا ‘نريد تبديل الحمار بالبغل’، بل نريد القضاء على الحظيرة بأكملها التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم من ويلات ومعاناة وإهدار للمؤسسات والمكاسب؛ فلا وجود لمناطق محررة، والمؤسسات اندثرت وأصبحت ملكية قبلية، والشباب هاجر بالمئات عبر البحر من وهران إلى إسبانيا. والنزيف البشري لآلاف الصحراويين من المخيمات نحو الجزائر وموريتانيا والمغرب وأوروبا، وبلاد الباسك وبوردو بفرنسا أكبر دليل على ذلك”.
وأكد تيار “خط الشهيد” المعارض أن “العالم، وبما في ذلك مجلس الأمن، وافق على الحكم الذاتي كحل لهذا النزاع، فيما تواصل القيادة الكذب على الناس بالتحرير وتقرير المصير والاستقلال، وغيرها من مصطلحات السبعينيات”، متسائلا: “لماذا لا تتحمل هذه القيادة من أهل الحظيرة المسؤولية وهم في آخر أعمارهم ويتركوا المجال للشباب ليتولى المسؤولية من أجل البحث عبر المفاوضات عن حل ينهي معاناة هؤلاء الأبرياء، بعد ما قدموا من الدموع والآلام والتضحيات؟ وإلا فإن التاريخ سيحكم عليهم بأنهم مجرمو حرب وسيلعنهم التاريخ والأجيال القادمة”.
حسابات قبلية وغياب الفاعلية
في سياق متصل أكدت “حركة صحراويون من أجل السلام” المنشقة عن البوليساريو أن “النقاش حول خلافة عزيز غالي مازال عالقا في الأسماء نفسها وفي التوازنات ذاتها القائمة على الحسابات القبلية”، وتساءلت: “أين هم الصحراويون الذين نشؤوا في المخيمات من دون أن يعرفوا حرب سبعينيات القرن الماضي؟ أين هم شباب الشتات، والمهنيون، والأطر الذين عاشوا في مجتمعات أخرى وتعرفوا على أشكال مختلفة من المشاركة السياسية؟ أين هو الجيل الذي يفترض أن يكون أُعد لتحمل مسؤولية قيادة الحركة نحو واقع مختلف عن ذلك الذي نشأت فيه؟”.
وذكرت الحركة على لسان سكرتيرها الأول، أحمد باريكلي، عبر منشور له في حسابها على “فيسبوك”، أنه “لا ينبغي اختزال مشكلة المؤتمر السابع عشر في سؤال من سيحل محل إبراهيم غالي؛ فالسؤال الأهم هو ما إذا كان المؤتمر قادراً على فتح مجال سياسي أمام جيل ظل، حتى الآن، بعيداً عن فرصة المشاركة الحقيقية في تحديد مسار المنظمة”، مشيرة إلى أن “مسار السلام مازال متعثراً، فيما أدخل قرار مجلس الأمن رقم 2797 إطاراً سياسياً جديداً للمفاوضات؛ كما أن موعد التجديد المقبل لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء يقترب، وحصيلة ما يقارب ست سنوات منذ انهيار وقف إطلاق النار تفرض، على الأقل، طرح سؤال حول ما الذي حققته الإستراتيجية المتبعة خلال هذه الفترة”.
وشددت الجهة ذاتها على أن “التهديد الحقيقي لا يكمن في أن يخلف غاليَ أحدُ قادة جيله أو غيره من الجيل نفسه، التهديد يتمثل في أن تواصل البوليساريو إغلاق الطريق أمام جيل لم تتح له الفرصة لبناء فضائه السياسي الخاص”، مبرزة أن “البوليساريو ولدت وهي تعلن نفسها أداة لتحرير جيل من الأجيال، لكنها اليوم تواجه خطر التحول إلى أداة لإنتاج عدم الفاعلية السياسية والتهميش لجيل آخر… هنا تبرز مسألة لم يعد بالإمكان تجاهلها: وجود خيارات سياسية صحراوية أخرى”.
وخلصت الحركة إلى أن “البوليساريو لا تحتاج فقط إلى خليفة، بل تحتاج إلى انتقال جيلي، ولا تحتاج إلى جيل جديد يرث الماضي، ويكرر شعاراته، ويصفق لقياداته، بل تحتاج إلى جيل قادر على طرح الأسئلة، والتصحيح، والتغيير؛ وإذا لم يتمكن هذا الجيل من فتح الطريق أمامه من الداخل فإن الزمن سينتهي به إلى فرض نفسه من الخارج”.