لم تستغرق محاكمة رئيسة تحرير موقع "مدى مصر" الإخباري المستقل، لينا عطا الله، وقتاً طويلاً. ففي أولى جلسات القضية، الثلاثاء، أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة حكماً أولي بإغلاق الموقع ومصادرة معداته وأجهزته وتغريم عطا الله ثلاثة ملايين جنيه (نحو 55 ألف دولار أمريكي)، بعد إدانتها بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص.

عقب دفع الغرامة التي استغرق جمعها بضع ساعات احتجزت خلالها عطا الله، بحسب فريق الدفاع عنها، أخلي سبيل الصحفية المصرية فيما يستعد محاموها للطعن على الحكم.

وخلال استكمال إجراءات إطلاق سراح عطا الله تبيّن صدور حكم غيابي سابق بحقها عام 2024 بالحبس لمدة عام في قضية أخرى تتعلق بنشر أخبار كاذبة وإدارة موقع دون ترخيص، فتقرر الطعن ضد هذه الحكم من فريق دفاعها وحددت المحكمة 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل لنظر المعارضة المقدمة عليه.

وأثارت إجراءات الجلسة اعتراضات فريق الدفاع عن عطا الله، الذي وصف سير القضية بأنه "غير معتاد".

وقال المحامي نبيه الجنادي، أحد أعضاء فريق الدفاع، إن المحكمة رفضت تأجيل القضية لتمكين المحامين من الاطلاع على أوراقها والاستعداد للمرافعة، كما رفضت جميع طلباتهم خلال الجلسة.

وأضاف أن المحكمة انتدبت محامياً للدفاع عن عطا الله رغم وجود فريق دفاعها الأصلي ورفضها تمثيله لها، وقال إن رفضها لم يثبت في محضر الجلسة.

كما قال إن المحكمة رفضت إثبات طلب الرد، بينما أُثبتت طلبات للمحامي المنتدب في المحضر رغم أنه "لم ينطق بكلمة" خلال الجلسة، بحسب روايته، ووصف ما جرى بأنه غير مسبوق بالنسبة له كمحام.

ولم يصدر تعليق رسمي حتى الآن بشأن مجريات جلسة الحكم في قضية مدى مصر.

  • صورة مركبة من رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يسار) والجنرال المتقاعد غادي آيزنكوت
    الانتخابات الإسرائيلية: ماذا لو لم يفز أي معسكر بأغلبية المقاعد؟
  • استطلاعات الرأي لا تحسم فائزاً واضحاً في الانتخابات العامة في إسرائيل والأحزاب العربية قد ترجّح الكفة
  • محمد القسوس، ضحية هجوم على كنيسة الكرك في الأردن يحمل اسم نبي المسلمين
  • ارتفاع عدد ضحايا حادث التصادم بين قطارين في إسبانيا إلى 64 قتيلاً

الأكثر قراءة نهاية

ويقول المحامي بالنقض أيمن محفوظ إن المبدأ العام لا يجيز انتداب محامٍ للمتهم في حال وجود فريق دفاع أصيل، إلا في الحالات التي يمتنع فيها الدفاع عن أداء واجبه أو يتسبب في تعطيل سير الدعوى، مشيرًا إلى أن تقدير تحقق هذه الحالات يظل خاضعًا للسلطة التقديرية للمحكمة.

ودخلت نقابة الصحفيين على خط القضية سريعاً، إذ أعلن نقيبها خالد البلشى أن النقابة ستطعن ضد الحكم، معتبراً أن سرعة سير الدعوى يثير تساؤلات حول ضمانات الدفاع. وقال إن الفترة بين استدعاء عطا الله للتحقيق وصدور الحكم تطرح، إلى جانب ملاحظات فريق الدفاع، علامات استفهام حول مدى إتاحة الوقت الكافي لتقديم الدفوع والمستندات.

وصدر الحكم بعد ثمانية أيام من استدعاء عطا الله للتحقيق. وكانت النيابة قد أخلت سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه (نحو 1850 دولاراً أمريكياً)، قبل إحالتها إلى المحاكمة في اليوم التالي، ليصدر الحكم في أول جلسة بعد ستة أيام فقط من التحقيق معها.

موقع بلا ترخيص

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

تقول السلطات إن "مدى مصر" الذي تأسس عام 2013 يعمل دون ترخيص قانوني. وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد أصدر في أكتوبر/تشرين الأول 2023 قراراً بتغريم الموقع وحجبه لمدة ستة أشهر وإحالته إلى النيابة العامة، قبل إحالة رئيسة تحريره إلى محكمة الجنح.

ويُعد الحكم الصادر الثلاثاء الأحدث في سلسلة من المواجهات القانونية التي خاضها الموقع خلال السنوات الماضية. فهذه هي القضية السادسة التي يواجهها "مدى مصر" أو صحفيون يعملون فيه أو رئيسة تحريره خلال ست سنوات، على خلفية اتهامات تتعلق بنشر أخبار كاذبة أو إدارة موقع دون ترخيص.

في المقابل، تؤكد عطا الله وفريق دفاعها أن الموقع تقدم أكثر من مرة بطلبات للحصول على ترخيص رسمي منذ عام 2018، وكان آخرها في يونيو/حزيران 2023، من دون تلقي رد نهائي حتى الآن.

وينظم قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 عمل المواقع الإلكترونية في مصر، ويمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إصدار التراخيص الخاصة بها، على أن يُبت في طلبات الترخيص خلال 90 يوماً من عرضها على المجلس.

وتقول إيمان أبو عوف، رئيسة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إن مواقع أخرى بخلاف "مدى مصر" لا تزال تنتظر البت في طلبات الترخيص التي تقدمت بها منذ سنوات.

منظومة التراخيص

ويرى د. محرز غالي، أستاذ الصحافة وإدارة المؤسسات الإعلامية بجامعة القاهرة، أن القضية تكشف ثغرات في منظومة الترخيص تسمح ببقاء بعض الطلبات معلقة لفترات طويلة، ويقول إن القانون الحالي لا يلزم بصورة واضحة بإخطار مقدم الطلب حال الرفض.

ويخالفه الرأي محمد الدياسطي، رئيس تحرير موقع إلكتروني ناشئ، الذي يرى أن المشكلة لا تكمن في نظام الترخيص نفسه، بل في استيفاء الشروط القانونية المطلوبة. ويقول إن موقعه يسير في إجراءات الترخيص بصورة طبيعية، رغم وجود بعض البيروقراطية، معتبراً أن "تقنين أوضاع المواقع الإلكترونية ليس تضييقاً، بل إجراءً تنظيمياً معمولاً به في دول عديدة.

وكرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مناسبات سابقة أنه يتبع سياسة تهدف إلى تسهيل إجراءات الترخيص وتوفيق أوضاع المؤسسات الإعلامية، مؤكداً أن الطلبات المستوفاة للشروط القانونية حصلت بالفعل على التراخيص اللازمة.

ويعتبر غالي أن اشتراط الترخيص المسبق للمواقع الإلكترونية يجعل القانون المصري أكثر تشدداً مقارنة ببعض التجارب الأخرى، مشيراً إلى أن عدم إخطار أصحاب الطلبات بقرارات نهائية قد يضعهم في وضع قانوني معلق ويصعّب اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن.

ويرى أستاذ الصحافة وإدارة المؤسسات الإعلامية أن منح التراخيص يرتبط أحياناً باعتبارات سياسية وأمنية، مستشهداً بحصول مواقع على تراخيص خلال فترات وجيزة، بينما انتظرت أخرى سنوات من دون حسم طلباتها، وهو ما تنفيه السلطات المصرية.

أما نقيب الصحفيين البلشي فيرى أن عدم الرد على طلبات الترخيص أو إخطار أصحابها بقرارات نهائية يمثل خللاً إجرائياً، معتبراً أن أي نزاع من هذا النوع يفترض أن يُحسم عبر المسار الإداري والقضاء الإداري لا من خلال الملاحقة الجنائية.

ويشير تقرير سابق لـالشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية (GIJN) إلى أن "مدى مصر" اعتمد لسنوات على منح من مؤسسات دولية غير ربحية إلى جانب مصادر دخل أخرى، فيما يقول الموقع إنه اتجه لاحقاً إلى تنويع إيراداته عبر الخدمات الإعلامية والتدريب ومساهمات القراء دعماً لاستقلاله التحريري.

قضية تتجاوز "مدى مصر"

وأثارت القضية ردود فعل واسعة، وتضامن مؤسسات دولية إذا أصدرت منظمتا العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، بيانين قبيل انعقاد الجلسة، قالتا فيه إن محاكمة عطا الله تأتي في إطار استهداف المؤسسات الإعلامية المستقلة بسبب تغطياتها الصحفية، ودعتا إلى إسقاط الاتهامات الموجهة إليها ومنح الموقع الترخيص الذي يقول إنه يسعى للحصول عليه منذ عام 2018.

واعتبرت لبنى درويش، مديرة المناصرة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الحكم بحق عطالله وموقع "مدى مصر" يأتي في سياق أوسع من التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية المستقلة.

وقبل شهر، ألقت السلطات القبض على ستة صحفيين من منصة "متصدقش" المتخصصة في التحقق من الأخبار، وقررت النيابة حبسهم على ذمة اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها ونشر أخبار كاذبة، ما أثار ردود فعل واسعة داخل الأوساط الصحفية.

وتضع منظمة "مراسلون بلا حدود" مصر في المرتبة 169 من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام المستقلة في البلاد تواجه قيوداً قانونية وأمنية.

في المقابل، تقول الحكومة المصرية إن الدستور يكفل حرية الصحافة والإعلام، وإن الدولة تعمل على تطوير المجال الإعلامي وتعزيز التعددية، بينما ترفض الانتقادات الدولية التي تصف مصر بأنها تقيد حرية الصحافة.

ويأتي الحكم في وقت تستعد فيه مصر لعقد المؤتمر السنوي الأول للإعلام المصري في 3 ديسمبر/كانون الأول المقبل، وسط مساعٍ رسمية لفتح نقاش أوسع حول مستقبل الإعلام وتحدياته المهنية والتشريعية.

وخلال الفترة الماضية، أجرى ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، سلسلة مشاورات واجتماعات مع إعلاميين وصحفيين وأكاديميين للإعداد للمؤتمر، داعياً العاملين في المجال إلى طرح "المشكلات الحقيقية" التي تواجه المهنة والتعبير عنها بصراحة، ضمن ما وصفه بـ"الفضفضة"، بهدف الوصول إلى توصيات قابلة للتنفيذ.