مذياع الصباح
يبدأ الصباح عند الأمم الحيّة بسؤال كبير: ماذا سنفعلُ اليومَ بالعقل، بالعمل، بالمدينة، بالمدرسة، بالمستقبل؟ ويبدأ الصباح عند إذاعاتنا بسؤال أكثر خطورة: كمْ ملعقة زيت نضع في الطّاجين؟ ثم ينتقل المذيع، في رشاقة نادرة، من البصل المحمّر إلى القُولون العصبيّ، ومن القرفة إلى آلام المفاصل، ومن وصفة الكيك إلى عاهة نادرة تحتاج شرحًا أطول من ميزانية الدّولة.
تفتحُ الرّاديو فتجدُ المطبخ قد احتلّ الهواء. لا يكتفي البرنامج بوصفة واحدة، لأن الوصفة الواحدة لا تكفي لتخدير أمّة كاملة. المذيعة تشرح طريقة تقطيع الجزر كأنها تفكك أزمة حضارية، والضيْفةُ تتحدث عن أسرار العجين كأنها تكشف وثائق دبلوماسية. ثم يدخل المستمعون، واحدًا بعد آخر، ليسألوا عن سبب فشل “البَغْرير”، كأن البلادَ تجاوزت كل أزماتها ولم يبق لها إلا الثقوب الناقصة في وجه الفطيرة. ثم تأتي فقرة الأمراض.
هكذا، يرتدي الصّباح معطف الطّبيب الشعبي؛ تتدفق الأعراض من كل جهة: ألم في الظهر، وخز في الركبة، صداع عند الاستيقاظ، تنميل في اليد، خفقانٌ بعد القهوة، خوفٌ من التّحاليل، وصفات للأعشاب، نصائح من الجارة، تجارب من الخالة. يتحوَّل الأثير إلى غرفة انتظار مفتوحة، ويتحوَّل المواطن إلى ملف طبي يمشي على قدمين؛ كأن الإذاعة تقول له منذ الثامنة صباحًا: لا تبدأ يومك بالأمل، ابدأه بقياس الضَّغط.
لا تأتي هذه البرامج صدفة عابرة، إنها تعود كلَّ صباح بانتظام عسكري. المطبخ يحضر في موعده، والمرض يحضر في موعده، والشكاوى تحضر في موعدها. كأن هناك ميثاقًا سريًا بين المقلاة والسَّماعة: نحن نحكُم الصباح، ونحن نقِّرر مزاج الناس قبل أن يخرجوا إلى أعمالهم. لا اقتصاد، لا معرفة، لا أدب، لا علوم، لا نقاش جادّ حول المدرسة، أو البطالة، أو الثقافة، أو معنى الحياة الحديثة؛ هناك فقط قِدْرٌ يغلي وجِسمٌ يشْتكي.
قِدْرٌ يغْلي… ومَريضٌ يَتأوّهُ
تملكُ هذه الإذاعات قُدرة عجيبة على تصْغير الإنسان؛ فهي لا تراه مواطنًا يفكِّر، ولا عاملًا ينتج، ولا طالبًا يحلم، ولا امرأة تبحث عن أفق أوسع من المطبخ، ولا شابًا يريد لغة جديدة لفهم العالم. إنها تراه مَعدة تحتاج وصْفة، وجسدًا يحتاج تشخيصًا، وأذنًا تقبل التِّكرار. هكذا يتحوَّل المستمع من كائن عاقل إلى زبون دائم في سُوق الملح، والسُّكر، والضَّغط، والسُّكري.
ولا يعني هذا أن الطّبخ عيْب، أو أن الحديث عن الصِّحة خطأ. الطبخ ثقافة حين يرتبط بالذاكرة، والهوية، والاقتصاد المنزلي، والجمال؛ والصّحة وعيٌ حين ترتبط بالوقاية والعلم والكرامة. المشكلة تبدأ عندما تصنع الإذاعة من الطبخ قَدَرًا يوميًا مقدسًا، ومن المرض نشيدًا صباحيًا طويلًا. المشكلةُ أن الميكروفون يختارُ أسهل أبواب الحياة، ثم يترك الأبواب الصعبة مغلقة: باب الفكر، باب النّقد، باب التربية، باب الفن، باب السّؤال.
هكذا، تخاف بعض الإذاعات من العقل لأنها تعرف أن العقل مُستمعٌ غير مُطيع. العقل يسأل: لماذا يتكرر هذا المحتوى؟ لماذا يطردُ البرنامج الخَفيف كلَّ نقاش عميق؟ لماذا نربّي الناس على الاستهلاك لا على الفهم؟ لذلك تفضّل هذه الإذاعات وصفة الكسكس على سُؤال الحرية، وتفضّل الْتهاب الحلق على التهاب السّياسة، وتفضّل آلام المعدة على آلام الوَعي.
بهذا المعنى، يغدو الصباحُ مرآة لِكَسَلٍ ثقافي واسع. لا أحد يريد أن يتعب في إعداد برنامج يفتح نافذة، ولا أحد يريد أن يستدعي باحثًا يشرح كتابًا، أو أستاذًا يناقش فكرة، أو فنانًا يقرأ المدينة، أو شابًا يحكي مشروعًا، أو امرأة تطرح تجربة خارج القوالب المعلَّبة. الأسهل أن تدخل الطنجرة إلى الاستوديو، وأن يدخل بعدها طبيب، ثم يخرج المستمع من الصباح مشبعًا بالخوف والجوع.
لا تحتاج إذاعاتنا فقط إلى تغيير الشبكة البرامجية، لعلها تحتاج إلى احترام المُسْتمع؛ تحتاج إلى أن تكفَّ عن معاملته بوصفه جَسدا يطبخُ ويتألمُ؛ تحتاج إلى أن تَعترف بأن الَّصباح مساحة تأسيس، لا مساحة تَخدير.
الميكروفُون في خِدْمة القِدْر والقُولُون
أمَّا أنا، فأنتظرُ صباحًا مختلفًا: صباحًا يوقظ الفكر قبل الشَّهيّة، ويمنح الناس معنى قبل أن يمنحهم طريقة تحْمير البَصل، ويفتح لهم أفقًا قبل أن يعدِّد لهم أعْراض المرض. ثم إن المسألة لا تقف عند نوع البرامج، ذلك أنها تمتد إلى فلسفة الصباح نفسها. فالصباح في الإعلام الجادّ ممرٌ صوتيٌ بين النوم والعمل، ولحظة تشكيل نفسي ومعرفي.
في هذه اللحظة يخرج الإنسان من هشاشة النعاس إلى مواجهة العالم، فيحتاج كلمة ترفعُ وعْيَه، لا وصفة تسجنه في تفاصيل القِدْر، ولا حكاية مرضية تجعله يفتِّشُ في جسده عن عطب جديد. وربما تكمن المفارقة في أن هذه الإذاعات تعرف جيدًا أن الناس مرهقون، لكنها لا تمنحهم ما يحررهم من الإرهاق، تضيف إلى تعبهم تعبًا آخر.
المواطن يستيقظ مثقلًا بالفواتير، والازدحام، وغلاء المعيشة، وضغط العمل، ثم يجد في الراديو من يحدثه عن انتفاخ البطن، وتساقط الشعر، وأسرار المرق، وطرق حفظ الثوم، كأن الخيال الإذاعي عندنا قرَّر أن المجتمع لا يحتاج مشروعًا، وإنما يحتاج علبة توابل.
قد يقول قائل إن هذه البرامج تتحدث باسم “الناس”؛ يقولون: الجمهور يريد هذا. وهذه حجة قديمة، لكنها مُريحة جدًا. الجمهور، في نظرهم، لا يريد إلا السّهل والمألوف واليومي. لكن من قال إن الجمهور كائن من غير طموح؟ من قال إن المستمع لا يستطيع أن يصغي إلى فكرة عميقة إذا قُدّمت بذكاء؟ من قال إن الناس يهربون من المعرفة؟ الحقيقة أن الناس لا يكرهون العمق، يكرهون الغباء حين يرتدي لباس العُمق.
ولا يرفضون الثقافة، يرفضون من يُقدمها مثل عُقوبة مدرسية. ثم إن اختزال الصباح في هذه الموضوعات لا يعكس ضيقًا في أفق الخطاب الإعلامي وحده، ذلك أنه يكشف أيضًا عن صورة هزيلة للمرأة. فكم مرة تُستحضر المرأة في البرامج الصباحية وكأنَّ عالمها لا يتجاوز الموقد، أو خزانة الأدوية، أو وصفات التَّجميل والتّغذية؟ أ
ين المرأة التي تقرأ وتبحث وتفكر؟ أين المرأة التي تناقش قضايا المدينة والعمل والقانون والفن، والاقتصاد، والسياسة الثقافية، والتكنولوجيا؟ ولماذا يصرّ الميكروفون على مُحاصرتها داخل المطبخ كلما حاولت أن تفتح بابًا نحو العالم؟ هذه البرمجة تقتل الخيال العامّ؛ ذلك أنّ الخيال ليس ترفًا، إنّه قُوّة اجتماعية.
حين يسمع الناس صباحًا قصصَ ابتكار، وتجارب نجاح، ونقاشات عن الكتب، ومبادرات مدنية، وأفكارًا عن المدرسة واللغة والفنّ، يتسع تصوُّرهم للحياة. وحين يسمعون كل يوم الكلامَ نفسه عن الوَصفات والأوْجاع، يضيقُ العالم في أذهانهم حتى يصير بحجم مطبخ وغرفة انتظار. ومن ضاق خياله ضاقت مَطالبه.
بَرامج الصَّباح بينَ الخِفّة والرَّداءَة
لاَ أطلبُ من الإذاعة أن تتحول إلى جامعة مَفتوحة طوال الوقت، ولا إلى ندوة ثقيلة تُكرِّهُ الناسَ في الاستيقاظ. المطلوبُ أبسط وأصعب في آن واحد: ذكاءٌ في الاختيار، وكرامةٌ في الخطاب، وشجاعةٌ في التجديد.
يمكن لبرنامج صباحي أن يكون خفيفًا وعميقًا، ممتعًا ومفيدًا، قريبًا من الناس من غير أن ينزل إلى أدنى درجات السُّهولة؛ يمكنه أن يتحدث عن الصحة بعِلْم، وعن الطعام بثقافة، وعن الحياة اليومية بفِكْر، وعن الأخبار بوُضوح.
لكن المشكلة أن بعض الإذاعات لا تريد مخاطبة المستمع، تريد احتجازه. تريد أن يبقى قريبًا بما يكفي ليسمع الإعلانات، لا واعيًا بما يكفي ليسأل عن قيمة ما يسمع. ولذلك لا ألوم المستمع وحده؛ المستمع ضحية وفاعل في الوقت نفسه.
يشتكي من التفاهة، ثم يترك الراديو مفتوحًا؛ يسخر من البرنامج، ثم يشارك في مُسابقته. يرفض الرداءة، ثم يصالحها كل صباح. ولا ينهض الذوق العام إلا حين يقرر الجمهور أن أذنه ليست سلَّة مهملات، وأن وقته ليس رخيصًا، وأن الصباح ليس حقل تجارب لمن لا فكرة له.
خاتمةُ حديثي قاسية، لكنها عادلة: ليست أزمة إذاعاتنا في كثرة برامج الطبخ والصحة، إنها في غياب الطّموح الثقافي.
الأزمة أن الميكروفون يمتلك فرصة يومية لتوسيع الوعي، فيختار غالبًا أن يمدِّد الرَّداءة؛ يمتلكُ قُدرة على صناعة صباح حيّ، فيَصنعُ صباحًا دائريًا يدور حول نفسه؛ يمتلك صوتًا يصل إلى البيوت والسّيارات والمقاهي، لكنه كثيرًا ما ينسى أن الصوت من غير فكرة مُدهشة يصبحُ مجردَ صَخبٍ أنيقٍ.