المزايا النسبية تتحول إلى سلسلة قيمة مشتركة
أكد وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني، المهندس يعرب القضاة، خلال جلسة حوارية بعنوان «فرص تعزيز التكامل الصناعي وبناء سلاسل قيمة إقليمية مترابطة» أدارتها لبنى بوظة، رئيسة قسم الاقتصاد في «سكاي نيوز عربية»، على هامش منتدى ومعرض «صنع في الخليج 2026»، أن الظروف الأخيرة أثبتت أهمية التعاون الإقليمي، بعدما ظل الحديث عن التكامل الصناعي لعقود دون بلوغ المستوى المأمول.
ويقوم التصور المطروح على تكامل العملية الصناعية من المواد الخام مروراً بالتصنيع وسلاسل الإمداد وصولاً إلى الأسواق المستهدفة، بدلاً من محاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل داخل كل دولة. فالإمكانات المتاحة في دولة يمكن أن تكمل احتياجات دولة أخرى، بما يحول مفهوم الاكتفاء من مستوى الدولة إلى مستوى الإقليم.
ويبرز القطاع الغذائي مثالاً على ذلك، إذ يمكن للقدرات الزراعية في الأردن أن تسهم في تغذية صناعات غذائية إقليمية، مع توجيه الاستثمارات إلى الزراعة وربطها بسلاسل تصنيع وتوزيع تخدم سوقاً إقليمية واحدة وأسواقاً خارجية.
ويضيف القضاة أن اتفاقيات التجارة الحرة التي يرتبط بها الأردن مع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا، إلى جانب منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، تمنح هذه المنظومة ميزة تنافسية يمكن توظيفها لخدمة المنطقة والوصول إلى الأسواق الخارجية.
ولا يقتصر الأمر على الصناعات التقليدية، بل يمتد إلى صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة. فوفق التصور الذي طرحه القضاة، يمكن تنقية السيليكا في الأردن إلى مستوى «الخمس تسعات»، ثم إنتاج رقائق السيليكون في الأردن، والاستفادة من صناعات أشباه الموصلات في الإمارات والبحرين، وصناعة الألواح الشمسية في السعودية، والألياف الضوئية في الكويت والبحرين، قبل الانتقال إلى صناعات الحواسيب والبيانات.
وبذلك، يمكن أن تنتقل المنطقة من التنافس الداخلي ومحاولات توطين الصناعات بصورة منفردة إلى المنافسة على مستوى الأسواق العالمية، بالاعتماد على المواد الخام والقدرات المتوافرة والتمويل.
البنية التحتية.. الحلقة التي تصل الإنتاج بالأسواق
وتظهر أهمية التكامل بوضوح في قطاع النقل واللوجستيات. فميناء العقبة، وفق القضاة، يعمل بأكثر من 100 بالمئة من طاقته، فيما يخدم نحو 70 بالمئة من نشاطه المنطقة وليس السوق الأردنية فقط.
وتعبر عبر العقبة بضائع متجهة إلى دول الخليج، فيما يتيح تطوير شبكة السكك الحديدية ربط الميناء بمناطق إنتاج الفوسفات ومناجم البوتاس في البحر الميت، ثم ميناء الماضونة الجاف في معان، ضمن تصور لشبكة وطنية تمتد من الجنوب والعقبة إلى الشمال والحدود السورية.
ويفتح ربط هذه الشبكة بشبكة السكك الحديدية الخليجية مجالاً لتكامل أوسع يضم دول الخليج والأردن وسوريا ولبنان، مع منافذ إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط والخليج، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد.
الأزمات تختبر سلاسل الإمداد وتدفع نحو التصنيع المحلي
من جانبه، يرى وزير النفط والبيئة والمبعوث الخاص لشؤون المناخ لمملكة البحرين، محمد بن مبارك بن دينة، أن الأزمات يمكن النظر إليها بصورة إيجابية، بعدما أظهرت قدرة دول مجلس التعاون على تغطية احتياجات بعضها بعضاً، خصوصاً في المنتجات النفطية.
وأدت التحديات التي واجهت حركة الإمداد إلى تعزيز التعاون بين الشركات وزيادة الاهتمام بالمحتوى المحلي. ومع تعرض شركات النفط لهجمات، برزت الحاجة إلى ورش محلية للإصلاح والتصنيع، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويساعد على إعادة الإنتاج بسرعة، إلى جانب تبادل الخبرات في حماية المنشآت والمنشآت الحيوية.
ويشير بن دينة إلى أن شركة البتروكيماويات في البحرين تقوم على شراكة بين «سابك» وشركة صناعة الكيماويات البترولية الكويتية و«بابكو إنرجيز»، مع بحث إنشاء مصنع للعطريات يعتمد على منتجات المصفاة، في توجه نحو التوسع في الصناعات اللاحقة.
كما يبرز أمن الطاقة بوصفه جزءاً من التفكير الاستراتيجي. فقد استثمرت البحرين قبل نحو عشرة أعوام في محطة للغاز الطبيعي المسال، وظلت غير مستخدمة لنحو ثمانية أعوام، قبل بدء استخدامها قبل عامين. وخلال الحرب الحالية، استُخدمت المحطة لاستيراد شحنة غاز من قطر، بما أتاح منفذاً إضافياً للإمدادات.
وفي مجال الطاقة الشمسية، أشار بن دينة إلى مشروع يتجاوز واحداً غيغاواط في السعودية، حيث تتوافر الأرض المناسبة، ويرتبط بالبحرين لتوفير الكهرباء لها ولجزء من صناعاتها. ويعكس ذلك، بحسب رؤيته، أهمية إدراج أمن الطاقة والاستقرار ضمن الحسابات الاستراتيجية للمشروعات الصناعية.
الاستثمار الاستراتيجي يتجاوز حساب الربحية الآنية
ويؤكد الرئيس التنفيذي لقطاع المدن الاقتصادية والمناطق الحرة في مجموعة موانئ أبوظبي، عبد الله الهاملي، أن الأزمات يمكن أن تجعل المنطقة أكثر قوة، مشيراً إلى التحول الذي شهدته الساحل الشرقي لدولة الإمارات في أهميته، حتى أصبح شرياناً رئيسياً لتغذية الإمارات والمنطقة.
وتقوم تجربة مجموعة موانئ أبوظبي على بناء منظومة متكاملة توفر للمستثمر ما يحتاج إليه من خدمات، بدءاً من السفن والشحن والنقل الداخلي والسكك الحديدية، وصولاً إلى المناطق الصناعية، ومنها مدينة خليفة الاقتصادية «كيزاد»، ضمن مظلة واحدة.
ويتيح هذا التكامل جذب رأس المال من خلال توفير حلول مترابطة، كما يسمح بربط شبكات النقل الخليجية والعربية بمشروعات مثل شبكة السكك الحديدية الأردنية، بما يفتح المجال أمام الوصول إلى دول عربية وخليجية وأوروبية وغيرها.
ويشير الهاملي إلى أن رأس المال يتحرك خلف المنتج، وأن الاستثمارات الدولية تقودها حركة السفن والسلع. فقد تأتي المواد الخام من دولة عربية أو خليجية، وتُنقل إلى دولة أخرى للتصنيع، ثم تُستكمل عملياتها وتُصدّر من الفجيرة، بما يوفر مرونة في اختيار موقع الإنتاج وفق الكلفة.
وفي هذا السياق، يمكن للمصانع داخل «كيزاد» اختيار مواقع الإنتاج والخدمات وفق الجدوى والكلفة، وقد تمكنت مصانع في المنطقة من الفوز بعطاءات بمليارات خلال منافسة مع المنتجات الصينية.
كما تمتد أعمال مجموعة موانئ أبوظبي إلى إفريقيا والعراق والهند وإسبانيا وأكثر من 52 دولة، في إطار متابعة حركة المنتجات. ويشير الهاملي إلى أن المجموعة لم تكن لديها سفن قبل ثلاثة أعوام، بينما تجاوز عددها 100 سفينة حالياً.
وأثبت امتلاك السفن أهميته خلال جائحة كورونا، إذ ساعد في إبقاء الإمدادات الخليجية متاحة، كما يوفر في أوقات المخاطر قدرة أكبر على التحكم في حركة النقل عندما تنسحب سفن أخرى من بعض المسارات. ومن هنا يصبح التحكم في الخدمات اللوجستية جزءاً من القدرة على خدمة الصناعة وتأمين سلاسل إمدادها.
الصلب الأخضر.. تكامل المواد والطاقة والاستدامة
ويقدم رئيس مجلس إدارة شركة «فولاذ القابضة» في البحرين، مشاري الجديمي، نموذجاً آخر للتكامل، انطلاقاً من نشاط شركة «حديد البحرين»، التي تمثل أكبر مصنع مستقل لتكوير خام الحديد.
ويتمثل التركيز الاستراتيجي للشركة في توفير خامات الحديد المكورة بصورة موثوقة وقريبة لمصنعي الصلب في الخليج والمنطقة، مع دراسة استيراد المواد الخام وتخزينها في مواقع استراتيجية إقليمية، ومراقبة المناجم السعودية باعتبارها فرصة محتملة للتكامل الطبيعي عبر سلسلة الإمداد.
ولا يتوقف هذا التوجه عند تأمين المواد الخام، بل يمتد إلى الاستدامة. فقد أنشأت الشركة أكبر هيكل مظلل لحماية المواد الخام من انتشار الغبار، وبدأ المشروع في مطلع عام 2024 واكتمل لاحقاً، بطول يبلغ 1.5 كيلومتر، وعرض 170 متراً، وارتفاع 42 متراً.
وكان الهدف الأساسي للمشروع بيئياً، إلا أن الشركة اكتشفت في الوقت نفسه وفورات في المواد الخام. وأظهرت دراسة أن استرداد قيمة الاستثمار يحتاج إلى ثمانية أعوام.
كما أصبح المشروع أساساً لدراسة مشروع للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 110 ميغاواط، بالتعاون مع الجهة المعنية بالكهرباء في البحرين وبنظام صافي القياس، مع الاتفاق مع مطور إقليمي للطاقة الشمسية.
وهكذا تحولت مبادرة بيئية إلى عنصر يمكن أن يعزز الجدوى الاقتصادية والقدرة التنافسية، من خلال الجمع بين حماية البيئة وترشيد استخدام المواد والطاقة.
التكامل كمنظومة واحدة لا كمشاريع منفصلة
وتتقاطع هذه الرؤى عند أهمية بناء منظومة صناعية ولوجستية مترابطة، بحيث لا تُنظر إلى المواد الخام والتصنيع والنقل والطاقة والأسواق باعتبارها حلقات منفصلة.
وفي هذا الإطار، يبرز أيضاً دور مؤسسة الخليج للاستثمار، التي تأسست عام 1983 للاستثمار المباشر في المشروعات داخل دول مجلس التعاون والمنطقة، وشاركت في مشروعات صناعية وبنية تحتية، من بينها تطوير أول محطة منتج مستقل للطاقة في البحرين.
وتملك الدول الخليجية الست المؤسسة بحصص متساوية، فيما تعد أكبر مستثمر تجاري في البحرين باستثناء الجهات الحكومية.
وتشير مجمل التصريحات إلى أن تعزيز التكامل الصناعي يرتبط بقدرة دول المنطقة على توظيف مواردها وقدراتها وبنيتها التحتية بصورة مترابطة، بحيث تكمل كل دولة ما لدى الأخرى، وتتحول سلاسل القيمة من نطاقات وطنية منفصلة إلى شبكة إقليمية أكثر اتصالاً وقدرة على خدمة الأسواق الخليجية والعربية والعالمية.
المزايا النسبية تتحول إلى سلسلة قيمة مشتركة
أكد وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني، المهندس يعرب القضاة، خلال جلسة حوارية بعنوان «فرص تعزيز التكامل الصناعي وبناء سلاسل قيمة إقليمية مترابطة» أدارتها لبنى بوظة، رئيسة قسم الاقتصاد في «سكاي نيوز عربية»، على هامش منتدى ومعرض «صنع في الخليج 2026»، أن الظروف الأخيرة أثبتت أهمية التعاون الإقليمي، بعدما ظل الحديث عن التكامل الصناعي لعقود دون بلوغ المستوى المأمول.
ويقوم التصور المطروح على تكامل العملية الصناعية من المواد الخام مروراً بالتصنيع وسلاسل الإمداد وصولاً إلى الأسواق المستهدفة، بدلاً من محاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل داخل كل دولة. فالإمكانات المتاحة في دولة يمكن أن تكمل احتياجات دولة أخرى، بما يحول مفهوم الاكتفاء من مستوى الدولة إلى مستوى الإقليم.
ويبرز القطاع الغذائي مثالاً على ذلك، إذ يمكن للقدرات الزراعية في الأردن أن تسهم في تغذية صناعات غذائية إقليمية، مع توجيه الاستثمارات إلى الزراعة وربطها بسلاسل تصنيع وتوزيع تخدم سوقاً إقليمية واحدة وأسواقاً خارجية.
ويضيف القضاة أن اتفاقيات التجارة الحرة التي يرتبط بها الأردن مع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا، إلى جانب منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، تمنح هذه المنظومة ميزة تنافسية يمكن توظيفها لخدمة المنطقة والوصول إلى الأسواق الخارجية.
ولا يقتصر الأمر على الصناعات التقليدية، بل يمتد إلى صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة. فوفق التصور الذي طرحه القضاة، يمكن تنقية السيليكا في الأردن إلى مستوى «الخمس تسعات»، ثم إنتاج رقائق السيليكون في الأردن، والاستفادة من صناعات أشباه الموصلات في الإمارات والبحرين، وصناعة الألواح الشمسية في السعودية، والألياف الضوئية في الكويت والبحرين، قبل الانتقال إلى صناعات الحواسيب والبيانات.
وبذلك، يمكن أن تنتقل المنطقة من التنافس الداخلي ومحاولات توطين الصناعات بصورة منفردة إلى المنافسة على مستوى الأسواق العالمية، بالاعتماد على المواد الخام والقدرات المتوافرة والتمويل.
البنية التحتية.. الحلقة التي تصل الإنتاج بالأسواق
وتظهر أهمية التكامل بوضوح في قطاع النقل واللوجستيات. فميناء العقبة، وفق القضاة، يعمل بأكثر من 100 بالمئة من طاقته، فيما يخدم نحو 70 بالمئة من نشاطه المنطقة وليس السوق الأردنية فقط.
وتعبر عبر العقبة بضائع متجهة إلى دول الخليج، فيما يتيح تطوير شبكة السكك الحديدية ربط الميناء بمناطق إنتاج الفوسفات ومناجم البوتاس في البحر الميت، ثم ميناء الماضونة الجاف في معان، ضمن تصور لشبكة وطنية تمتد من الجنوب والعقبة إلى الشمال والحدود السورية.
ويفتح ربط هذه الشبكة بشبكة السكك الحديدية الخليجية مجالاً لتكامل أوسع يضم دول الخليج والأردن وسوريا ولبنان، مع منافذ إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط والخليج، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد.
الأزمات تختبر سلاسل الإمداد وتدفع نحو التصنيع المحلي
من جانبه، يرى وزير النفط والبيئة والمبعوث الخاص لشؤون المناخ لمملكة البحرين، محمد بن مبارك بن دينة، أن الأزمات يمكن النظر إليها بصورة إيجابية، بعدما أظهرت قدرة دول مجلس التعاون على تغطية احتياجات بعضها بعضاً، خصوصاً في المنتجات النفطية.
وأدت التحديات التي واجهت حركة الإمداد إلى تعزيز التعاون بين الشركات وزيادة الاهتمام بالمحتوى المحلي. ومع تعرض شركات النفط لهجمات، برزت الحاجة إلى ورش محلية للإصلاح والتصنيع، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويساعد على إعادة الإنتاج بسرعة، إلى جانب تبادل الخبرات في حماية المنشآت والمنشآت الحيوية.
ويشير بن دينة إلى أن شركة البتروكيماويات في البحرين تقوم على شراكة بين «سابك» وشركة صناعة الكيماويات البترولية الكويتية و«بابكو إنرجيز»، مع بحث إنشاء مصنع للعطريات يعتمد على منتجات المصفاة، في توجه نحو التوسع في الصناعات اللاحقة.
كما يبرز أمن الطاقة بوصفه جزءاً من التفكير الاستراتيجي. فقد استثمرت البحرين قبل نحو عشرة أعوام في محطة للغاز الطبيعي المسال، وظلت غير مستخدمة لنحو ثمانية أعوام، قبل بدء استخدامها قبل عامين. وخلال الحرب الحالية، استُخدمت المحطة لاستيراد شحنة غاز من قطر، بما أتاح منفذاً إضافياً للإمدادات.
وفي مجال الطاقة الشمسية، أشار بن دينة إلى مشروع يتجاوز واحداً غيغاواط في السعودية، حيث تتوافر الأرض المناسبة، ويرتبط بالبحرين لتوفير الكهرباء لها ولجزء من صناعاتها. ويعكس ذلك، بحسب رؤيته، أهمية إدراج أمن الطاقة والاستقرار ضمن الحسابات الاستراتيجية للمشروعات الصناعية.
الاستثمار الاستراتيجي يتجاوز حساب الربحية الآنية
ويؤكد الرئيس التنفيذي لقطاع المدن الاقتصادية والمناطق الحرة في مجموعة موانئ أبوظبي، عبد الله الهاملي، أن الأزمات يمكن أن تجعل المنطقة أكثر قوة، مشيراً إلى التحول الذي شهدته الساحل الشرقي لدولة الإمارات في أهميته، حتى أصبح شرياناً رئيسياً لتغذية الإمارات والمنطقة.
وتقوم تجربة مجموعة موانئ أبوظبي على بناء منظومة متكاملة توفر للمستثمر ما يحتاج إليه من خدمات، بدءاً من السفن والشحن والنقل الداخلي والسكك الحديدية، وصولاً إلى المناطق الصناعية، ومنها مدينة خليفة الاقتصادية «كيزاد»، ضمن مظلة واحدة.
ويتيح هذا التكامل جذب رأس المال من خلال توفير حلول مترابطة، كما يسمح بربط شبكات النقل الخليجية والعربية بمشروعات مثل شبكة السكك الحديدية الأردنية، بما يفتح المجال أمام الوصول إلى دول عربية وخليجية وأوروبية وغيرها.
ويشير الهاملي إلى أن رأس المال يتحرك خلف المنتج، وأن الاستثمارات الدولية تقودها حركة السفن والسلع. فقد تأتي المواد الخام من دولة عربية أو خليجية، وتُنقل إلى دولة أخرى للتصنيع، ثم تُستكمل عملياتها وتُصدّر من الفجيرة، بما يوفر مرونة في اختيار موقع الإنتاج وفق الكلفة.
وفي هذا السياق، يمكن للمصانع داخل «كيزاد» اختيار مواقع الإنتاج والخدمات وفق الجدوى والكلفة، وقد تمكنت مصانع في المنطقة من الفوز بعطاءات بمليارات خلال منافسة مع المنتجات الصينية.
كما تمتد أعمال مجموعة موانئ أبوظبي إلى إفريقيا والعراق والهند وإسبانيا وأكثر من 52 دولة، في إطار متابعة حركة المنتجات. ويشير الهاملي إلى أن المجموعة لم تكن لديها سفن قبل ثلاثة أعوام، بينما تجاوز عددها 100 سفينة حالياً.
وأثبت امتلاك السفن أهميته خلال جائحة كورونا، إذ ساعد في إبقاء الإمدادات الخليجية متاحة، كما يوفر في أوقات المخاطر قدرة أكبر على التحكم في حركة النقل عندما تنسحب سفن أخرى من بعض المسارات. ومن هنا يصبح التحكم في الخدمات اللوجستية جزءاً من القدرة على خدمة الصناعة وتأمين سلاسل إمدادها.
الصلب الأخضر.. تكامل المواد والطاقة والاستدامة
ويقدم رئيس مجلس إدارة شركة «فولاذ القابضة» في البحرين، مشاري الجديمي، نموذجاً آخر للتكامل، انطلاقاً من نشاط شركة «حديد البحرين»، التي تمثل أكبر مصنع مستقل لتكوير خام الحديد.
ويتمثل التركيز الاستراتيجي للشركة في توفير خامات الحديد المكورة بصورة موثوقة وقريبة لمصنعي الصلب في الخليج والمنطقة، مع دراسة استيراد المواد الخام وتخزينها في مواقع استراتيجية إقليمية، ومراقبة المناجم السعودية باعتبارها فرصة محتملة للتكامل الطبيعي عبر سلسلة الإمداد.
ولا يتوقف هذا التوجه عند تأمين المواد الخام، بل يمتد إلى الاستدامة. فقد أنشأت الشركة أكبر هيكل مظلل لحماية المواد الخام من انتشار الغبار، وبدأ المشروع في مطلع عام 2024 واكتمل لاحقاً، بطول يبلغ 1.5 كيلومتر، وعرض 170 متراً، وارتفاع 42 متراً.
وكان الهدف الأساسي للمشروع بيئياً، إلا أن الشركة اكتشفت في الوقت نفسه وفورات في المواد الخام. وأظهرت دراسة أن استرداد قيمة الاستثمار يحتاج إلى ثمانية أعوام.
كما أصبح المشروع أساساً لدراسة مشروع للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 110 ميغاواط، بالتعاون مع الجهة المعنية بالكهرباء في البحرين وبنظام صافي القياس، مع الاتفاق مع مطور إقليمي للطاقة الشمسية.
وهكذا تحولت مبادرة بيئية إلى عنصر يمكن أن يعزز الجدوى الاقتصادية والقدرة التنافسية، من خلال الجمع بين حماية البيئة وترشيد استخدام المواد والطاقة.
التكامل كمنظومة واحدة لا كمشاريع منفصلة
وتتقاطع هذه الرؤى عند أهمية بناء منظومة صناعية ولوجستية مترابطة، بحيث لا تُنظر إلى المواد الخام والتصنيع والنقل والطاقة والأسواق باعتبارها حلقات منفصلة.
وفي هذا الإطار، يبرز أيضاً دور مؤسسة الخليج للاستثمار، التي تأسست عام 1983 للاستثمار المباشر في المشروعات داخل دول مجلس التعاون والمنطقة، وشاركت في مشروعات صناعية وبنية تحتية، من بينها تطوير أول محطة منتج مستقل للطاقة في البحرين.
وتملك الدول الخليجية الست المؤسسة بحصص متساوية، فيما تعد أكبر مستثمر تجاري في البحرين باستثناء الجهات الحكومية.
وتشير مجمل التصريحات إلى أن تعزيز التكامل الصناعي يرتبط بقدرة دول المنطقة على توظيف مواردها وقدراتها وبنيتها التحتية بصورة مترابطة، بحيث تكمل كل دولة ما لدى الأخرى، وتتحول سلاسل القيمة من نطاقات وطنية منفصلة إلى شبكة إقليمية أكثر اتصالاً وقدرة على خدمة الأسواق الخليجية والعربية والعالمية.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر