من بوخوم .. أبحاث لتطوير جودة الوقود وتقليل استهلاكه
تسير حوالي 49 مليون سيارة خاصة على الطرق بين فلنسبورغ وميونيخ. ورغم إضافة 368,000 سيارة خاصة كهربائية بالكامل في النصف الأول من عام 2026 فإن عدد السيارات الكهربائية لا يزال يبلغ ما يقارب 2.4 مليون سيارة. أما السيارات التي يعمل محركها بالوقود التقليدي فتبلغ 47 مليون سيارة. ومن المتوقع أن تستمر هذه السيارات في استهلاك الوقود. وبحسب تقديرات معهد فراونهوفر لتقنيات البيئة والأمن والطاقة فإن الوقود الأحفوري سيظل يلعب دورا كبيرا في السنوات القادمة. ليس فقط في مجال النقل الثقيل والزراعة واللوجستيات، بل أيضا في قطاع السيارات الخاصة. أما شركة "أرال" الرائدة في السوق الألمانية والتابعة لمجموعة "بي بي" (BP) البريطانية فتفترض أن السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي ستظل تسير على طرقات ألمانيا لسنوات عديدة قادمة ولذلك تجري أبحاثا مكثفة في مجال الوقود في مقر الشركة بمدينة بوخوم. صحيح أنه لا يمكن إعادة اختراع البنزين أو الديزل لكن شعار الشركة ودافعها هو تحسينهما.
يوجد في ألمانيا حوالي 14,000 محطة وقود من مختلف العلامات التجارية تتدفق من صنابيرها سنويا حوالي 42 مليار لتر. وبوجود 2,400 محطة تظل أرال أكبر مزود لمحطات الوقود في ألمانيا. تسجل شركة النفط ذات اللونين الأزرق والأبيض ما يزيد عن مليوني تفاعل مع العملاء يوميا. ونظرا لأن الشركة في سياق التحول في مجال التنقل لا تنطلق على حد تعبير المتحدث باسم أرال، كاي كريشناك "من منطلق إما هذا أو ذاك، بل من منطلق كليهما معا" فإنها تركز في مجال محركات الاحتراق "على حلول للمركبات الحالية" ولذلك استثمرت في وقت مبكر في توسيع محفظة أنواع الوقود. بمعنى آخر: في أبحاث الوقود. توجد هذه المؤسسة البحثية منذ 100 عام في المقر الرئيسي للشركة في بوخوم.
مصفاة صغيرة للوقود الجديد
يعمل اليوم حوالي 80 موظفا في المختبرات الواقعة على مساحة تبلغ 27,000 متر مربع. ويضم الفريق كيميائيين ومهندسين وعلماء طبيعة وفنيين. ويتولى الدكتور فينزل سترويك، مدير مشروع تكنولوجيا الوقود في شركة أرال الإشراف على عملية تطوير أنواع الوقود الجديدة. ويقول سترويك إنه "يستغرق تطوير وقود جديد حوالي خمس سنوات قبل أن يصبح متاحا في محطات الوقود. الخطوة الأولى هي ببساطة فكرة منتج جديد. وتليها في الخطوة الثانية الكثير من النظرية". ولا يتم اتخاذ قرار بإجراء اختبار في المختبر إلا عندما تسفر عمليات المحاكاة والنمذجة عن نتائج موثوقة. وبعد ذلك يتعلق الأمر بمسألة الجدوى.
ففي النهاية يحتوي الوقود على مئات المكونات المختلفة. ويؤثر التوازن في تركيبتها على الأداء وعلى الانبعاثات الناتجة عن عملية التصنيع وكذلك على نظافة المحركات. ولا تبدأ عملية إنتاج "الوقود الجديد" إلا عندما يكون "المزيج" صحيحا. ولهذا الغرض توجد منشأة تجريبية خاصة في الموقع. ويمكن إنتاج حوالي خمسة لترات يوميا في هذا النوع من المصافي المصغرة. وبعد ذلك يبدأ "الجزء الأكثر إثارة في عملية التطوير" بالنسبة لـ فينزل سترويك. ويحدث ذلك عندما يتم اختبار الوقود الجديد في محركات حقيقية. "عندها نرى ما إذا كان يعمل بالطريقة التي وعدت بها البيانات والتجارب مسبقا". عندها فقط يصبح الطريق مفتوحا نحو محطات التزود بالوقود. كما يتم الاختبار في غرف مناخية مخصصة لمعرفة نطاقات درجات الحرارة التي يظل فيها الوقود بعبارة بسيطة مرنا بدءًا من أكثر من 40 درجة وصولا إلى درجات حرارة تحت الصفر الشديدة.
الهدف: أداء أعلى، انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أقل
لا تكشف شركة "أرال" عن حجم الأموال التي تخصصها من خزينة المجموعة للبحث العلمي. لكنها لا تتردد في الإعلان عن أخبار نجاحاتها. ومن بين هذه الإنجازات وقود Aral Ultimate Diesel عالي الأداء الذي تم طرحه في السوق عام 2024 والذي يحتوي على ما لا يقل عن 15 في المائة من مكونات وقود متجددة ومهدرجة ويحقق انخفاضا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 12 في المائة مقارنة بالديزل الأحفوري الخالص. ولا ننسى أيضا زيادة المدى بمعدل 60 كيلومترا في المتوسط وأكثر لكل تعبئة خزان. أصبحت المكونات المتجددة تلعب دورا حاسما في تطوير أنواع الوقود الجديدة. وتتراوح مجموعة المواد التي تخضع للاختبار في بوخوم من زيوت القلي المستمدة من النفايات وصولا إلى نفايات معالجة الورق أو الخشب. وأخيرا يؤكد فينزل سترويك أن الوقود الذي يحتوي على مكونات متجددة يمكن أن يسهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ذلك لأن في قطاع السيارات الخاصة "ستظل ملايين المركبات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي تسير على الطرق لعقود قادمة". ويضيف سترويك أن "عملية التحول إلى الطاقة الكهربائية في قطاع النقل الثقيل ستكون أبطأ".
كل لتر أقل مهم
لذلك لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث حول البنزين والديزل. وحسب تقديرات أندرياس مينه، رئيس قسم "استخدام الكربون والوقود الاصطناعي" في معهد فراونهوفر فإن الوقود الحيوي يمكنه بالفعل "تقديم مساهمة مهمة، لكنه ليس الحل الوحيد لأن الكميات المتوفرة محدودة مقارنةً بإجمالي الاحتياجات من الوقود". ولذلك كما يقول مينه "من المتوقع أن نظل بحاجة إلى الوقود الأحفوري لفترة طويلة جدا". ففي ألمانيا يُستهلك سنويا حوالي 50 مليون طن من الديزل والبنزين والكيروسين المستخرج من المصادر الأحفورية. وإذا تم استبدال هذه الكميات بالكامل بوقود اصطناعي مستدام، كما يحسب مينه "فسيتطلب ذلك حوالي 180 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون و25 مليون طن من الهيدروجين و1500 تيراواط/ساعة من الكهرباء المتجددة لإنتاجه". وهو حساب لن يتحقق بهذه السرعة. ومن منظور التنقل والبيئة فإن كل لتر من البنزين أو الديزل في خزان سيارةتعمل بمحرك احتراق داخلي والذي يمكن توفيره بفضل أبحاث الوقود له أهميته الكبيرة بالفعل اليوم. ولهذا السبب تواصل شركة أرال في بوخوم العمل على ضبط التفاصيل الدقيقة.
أعده للعربية: م.أ.م
تحرير: يوسف بوفيجلين