منبر — ديمو المعمار
الصحة

من "جنون الشك" إلى مسماه الحالى.. كيف اكتشف العلماء الوسواس القهري؟

25 سبتمبر 2026 3 دقائق قراءة

لم يظهر الوسواس القهري كتشخيص طبي واضح منذ البداية، بل احتاج العلماء قرونًا طويلة لفهم طبيعة الأفكار الملحّة والسلوكيات المتكررة التي يعاني منها المصابون. وبينما تعود أقدم الأوصاف التي تشبه أعراض الوسواس القهري إلى القرون الوسطى، فإن الأطباء في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون الاضطراب باسمه الحالي، وكانت بعض الحالات توصف في سياقات دينية أو ضمن أمراض نفسية عامة.


وفقًا لتقرير نشره موقع OCD UK، توجد أوصاف تاريخية واضحة نسبيًا لأعراض تشبه الوسواس القهري تعود إلى القرن الرابع عشر، بينما لم يظهر اسم Obsessive-Compulsive Disorder أو اضطراب الوسواس القهري بصورته الحالية إلا خلال القرن العشرين. وتكشف هذه الرحلة كيف انتقل فهم المرض من «الشك المفرط» والطقوس الدينية إلى مفهوم طبي أكثر تحديدًا.

 

من القرن الرابع عشر.. «الوسواس الديني»

كانت معظم الأوصاف المبكرة مرتبطة بالدين، حيث عانى بعض الأشخاص خوفًا مستمرًا من ارتكاب الذنوب أو الشك في صحة صلواتهم واعترافاتهم، مع تكرار بعض الممارسات بهدف التخلص من القلق.


واستخدم مصطلح Scrupulosity لوصف هذا النوع من الانشغال المفرط بالذنوب، وأصبح مرتبطًا تاريخيًا بالشكوك والأفكار القهرية الدينية.

 

1838.. أول حالة طبية واضحة تشبه الوسواس القهري

تمثل سنة 1838 محطة مهمة في تاريخ المرض، عندما وصف الطبيب النفسي الفرنسي جان إتيان دومينيك إسكيرول حالة سريرية اعتبرها باحثون لاحقًا من أقدم وأوضح الحالات الطبية التي تشبه الوسواس القهري.


وكانت المريضة تُعرف باسم «مادموازيل F»، وعانت أفكارًا متكررة مرتبطة بالخوف من سرقة الأشياء التي تلمسها، رغم عدم رغبتها في ذلك. كما لجأت إلى سلوكيات متكررة للتعامل مع هذه المخاوف.
وتكمن أهمية الحالة في أنها جمعت بين فكرة ملحّة يصعب التخلص منها وسلوك متكرر بهدف التعامل معها، وهو ما يقترب من المفهوم الحديث للوسواس والأفعال القهرية.
لكن من المهم التأكيد أن إسكيرول لم يشخّصها باسم «الوسواس القهري»، لأن هذا المصطلح ومعايير التشخيص الحديثة لم تكن موجودة في ذلك الوقت.

«جنون الشك».. فهم جديد للأفكار القهرية

خلال القرن التاسع عشر، بدأ الأطباء يدرسون الوساوس بصورة أكثر استقلالًا، وحاولوا التمييز بينها وبين الأوهام والاندفاعات القهرية.
وفي عام 1850 استخدم الطبيب الفرنسي جان بيير فالريه مصطلحًا يُترجم إلى «جنون الشك»، في إشارة إلى الحالات التي يسيطر فيها الشك والتردد على تفكير الشخص.
ثم وصف الطبيب الألماني كارل فريدريش أوتو فيستفاله عام 1877 مفهوم «الفكرة القهرية»، وهو تطور مهم في الطريق إلى المصطلحات الحديثة للاضطراب.

فرويد وتطور مفهوم «العصاب الوسواسي»

مع بداية القرن العشرين، قدم سيجموند فرويد تفسيرًا للوسواس القهري باعتباره مرتبطًا بصراعات نفسية داخلية، واستخدم مصطلح Zwangsneurose أو «العصاب الوسواسي».
وساهم هذا المصطلح في تطور الاسم الذي أصبح لاحقًا Obsessive-Compulsive Disorder، أي اضطراب الوسواس القهري.

من النظريات النفسية إلى العلاج الحديث

خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بدأت النظريات السلوكية والمعرفية تحل تدريجيًا محل بعض التفسيرات القديمة، وازداد التركيز على العلاقة بين الأفكار المزعجة والقلق والسلوكيات القهرية.
وساهم هذا التطور في ظهور أساليب علاجية حديثة، من بينها العلاج السلوكي المعرفي والعلاج بالتعرض ومنع الاستجابة، وأصبح الوسواس القهري اضطرابًا يمكن تشخيصه والتعامل معه بطرق علاجية مبنية على الأدلة.
وهكذا لم يكن هناك «أول شخص» معروف أصيب بالوسواس القهري، لكن توجد حالات تاريخية مبكرة وصفت أعراضًا تشبهه، وتظل حالة «مادموازيل F» التي وصفها إسكيرول عام 1838 واحدة من أبرز المحطات الطبية في تاريخ فهم هذا الاضطراب.
 



اقرأ النسخة الكاملة