عمّقت موجة جني الأرباح خسائر بورصة الدار البيضاء، بعدما أنهى مؤشرها الرئيسي “مازي” جلسة الثلاثاء 6 أكتوبر عند 16.892,55 نقطة، متراجعا بنسبة 1,56 في المائة؛ لترتفع خسائره منذ بداية السنة إلى 10,37 في المائة، ويعود بذلك إلى مستويات مارس الماضي. وامتدت الضغوط إلى “مازي 20″، الذي يضم أكثر الأسهم سيولة، إذ فقد 1,60 في المائة خلال الجلسة، لتصل خسارته منذ يناير إلى 17,74 في المائة.

وكشفت تداولات الجلسة عن اتساع واضح لنطاق التصحيح، بعدما أغلقت 54 قيمة على انخفاض، مقابل ارتفاع 10 قيم فقط واستقرار أربع؛ فيما بلغت قيمة المبادلات في السوق المركزية 349 مليون درهم. وأظهر توزع التداولات أن عمليات البيع لم تعد محصورة في قيم محددة؛ بل امتدت إلى أسهم قيادية ذات وزن مهم في المؤشرات، وسط توجه مستثمرين إلى تأمين مكاسب راكموها خلال موجة الصعود القوية في السنوات الماضية.

وتسارعت الخسائر منذ نهاية غشت؛ ففي 27 غشت الماضي، كان “مازي” عند 19.046,92 نقطة، مسجلا مكسبا سنويا بنسبة 1,06 في المائة، قبل أن يفقد أكثر من 11 في المائة في أسابيع قليلة. وانعكس هذا التحول على رسملة السوق، التي تراجعت من نحو 1.126,8 مليارات درهم في التاريخ ذاته إلى حوالي 1.019 مليار درهم في 2 أكتوبر، أي بانخفاض يتجاوز 100 مليار درهم في نحو خمسة أسابيع، دون احتساب الخسائر اللاحقة.

ويأتي هذا التصحيح بعد ثلاث سنوات من المكاسب المتتالية، ارتفع خلالها “مازي” بـ12,80 في المائة سنة 2023، ثم 22,16 في المائة في 2024 و27,57 في المائة خلال 2025، بما يمثل مكاسب تراكمية مركبة تناهز 76 في المائة. وتدعم هذه المستويات فرضية دخول السوق مرحلة لإعادة التسعير وجني الأرباح، خصوصا أن التراجع الحالي يتزامن مع استمرار تحسن النتائج المالية لعدد من الشركات المدرجة.

جني الأرباح يضغط على الأسهم القيادية

أظهرت تركيبة الخسائر المسجلة خلال الجلسات الأخيرة انتقال ضغط البيع إلى الأسهم الكبرى والأكثر سيولة، بعدما كان التصحيح في بدايته أكثر انتقائية. ويبرز ذلك بصورة خاصة في الفارق بين أداء “مازي” و”مازي 20″، إذ بلغت خسائر الأخير منذ بداية السنة 17,74 في المائة، مقابل 10,37 في المائة للمؤشر العام؛ ما يعكس تعرض القيم القيادية لضغوط أقوى في مرحلة تتجه فيها محافظ استثمارية إلى تقليص مراكزها وتأمين مكاسب سابقة.

وبرز هذا الاتجاه خلال جلسة الثلاثاء من خلال تمركز جانب مهم من السيولة في أسهم كبرى رغم منحى السوق المتراجع؛ إذ تصدر “التجاري وفا بنك” المبادلات بقيمة 44 مليون درهم، وأنهى الجلسة منخفضا بنسبة 0,59 في المائة إلى 670 درهما؛ فيما استقطبت “TGCC” تداولات بقيمة 33,6 ملايين درهم مع استقرار سعرها عند 640 درهما. وبلغ حجم المبادلات على “مرسى المغرب” 31 مليون درهم مع تراجع السهم بنسبة 1,18 في المائة إلى 755 درهما، بينما خسر سهم “أكديطال” 4,72 في المائة ليستقر عند 1.010 دراهم.

وفي قراءة لهذه التحولات، قال زكرياء لحلو، محلل مالي ومستشار المحافظ الاستثمارية ببورصة الدار البيضاء، إن “حدة التصحيح المسجل خلال الأسابيع الأخيرة ينبغي وضعها في سياق المسار التصاعدي القوي الذي راكمته السوق منذ 2023”.

واعتبر لحلو، في تصريحات لهسبريس، أن ارتفاع الأسعار خلال ثلاث سنوات متتالية وفر هوامش مهمة لجني الأرباح، ودفع مستثمرين إلى تخفيف مراكزهم وتأمين جزء من المكاسب المحققة.

وأوضح المحلل المالي ومستشار المحافظ الاستثمارية ببورصة الدار البيضاء أن السوق انتقلت تدريجيا من عمليات بيع تستهدف قيما بعينها إلى حركة أوسع شملت أغلب الأسهم؛ وهو ما أظهرته جلسة الثلاثاء بإغلاق 54 قيمة في المنطقة الحمراء.

وأضاف المصرح عينه أن “اتساع دائرة التراجع يعكس ارتفاع عروض البيع في مقابل ضعف نسبي للطلب؛ ما يجعل الأسعار أكثر حساسية لعمليات تخفيف المراكز، خصوصا عندما تصدر عن مستثمرين مؤسساتيين وصناديق تدير محافظ كبيرة”.

وسجل لحلو أن الأداء الأضعف لـ”مازي 20″ يقدم مؤشرا مهما على طبيعة الضغوط الحالية، باعتبار أن الأسهم الأكثر سيولة تشكل عادة المدخل الأسرع أمام مديري المحافظ الراغبين في تقليص تعرضهم للسوق أو إعادة توزيع استثماراتهم. وبالتالي، فإن تعرض هذه القيم لضغط أكبر لا يعني بالضرورة تدهور أساسياتها، بقدر ما يرتبط بسهولة تسييلها مقارنة بأسهم أقل تداولا.

واعتبر مستشار المحافظ الاستثمارية أن سرعة التراجع منذ نهاية غشت تعكس كذلك تغيرا في سلوك المستثمرين، بعدما انتقل جزء منهم من البحث عن فرص جديدة للشراء إلى حماية الأرباح وانتظار مستويات أكثر جاذبية للدخول، مؤكدا أن هذا التحول يفسر جانبا من صعوبة ظهور طلب قادر على امتصاص عروض البيع خلال الجلسات الأخيرة.

وشدد المتحدث عينه على أن عودة التوازن إلى السوق ستظل مرتبطة بقدرة الأسعار الجديدة على استقطاب السيولة مجددا، إذ إن انخفاض الأسهم لا يعني تلقائيا انتهاء التصحيح.

واعتبر لحلو أن المستثمرين سيبحثون عن مستويات تقييم توفر هامش أمان أكبر وتعيد التوازن بين السعر والعائد المتوقع، قبل العودة إلى بناء مراكز جديدة بصورة أكثر قوة.

نتائج الشركات تختبر قدرة السوق على التعافي

في مقابل الخسائر المتسارعة للأسهم، لم تقدم النتائج المالية للشركات المدرجة، حتى الآن، صورة موازية للتراجع المسجل في الأسعار.

فقد حافظت قطاعات وازنة على نمو أرباحها خلال النصف الأول من السنة، بما يطرح مفارقة بين أداء الشركات في أنشطتها وبين تقييمها داخل البورصة، ويحول الأنظار من سؤال النتائج المحققة إلى مستوى الأسعار الذي بات المستثمرون مستعدين لأدائه مقابل هذه الأرباح.

وعززت الأرقام هذه المفارقة؛ إذ ارتفعت النتيجة الصافية حصة المجموعة للبنوك المدرجة بنسبة 6,7 في المائة خلال النصف الأول من 2026، لتبلغ حوالي 13,35 مليار درهم، فيما نمت أرباح مجموع الشركات المدرجة بنحو 12,9 في المائة، مدفوعة خصوصا بالأداء القوي للشركات المنجمية. ويشير استمرار نمو الأرباح بالتزامن مع انخفاض الأسعار إلى أن السوق تمر بمرحلة مراجعة للتقييمات التي بلغتها بعد ثلاث سنوات متتالية من المكاسب.

وفي هذا السياق، قال عبد اللطيف ويجمان، خبير في الأسواق المالية، إن “المفارقة الرئيسية في التصحيح الحالي تكمن في تراجع أسعار الأسهم، على الرغم من استمرار تحسن مؤشرات الأداء المالي لعدد من الشركات المدرجة”.

وأوضح ويجمان، في تصريح لجريدة هسبريس، أن هذه الوضعية تؤكد إعادة السوق تقييم الأسعار التي بلغتها بعد ثلاث سنوات من الارتفاع، وليس فقط النتائج المحققة خلال الفصل أو النصف الأخير.

وسجل الخبير في الأسواق المالية أن النتائج الإيجابية تظل عاملا داعما، لكنها لا تكفي بمفردها لإعادة المشترين؛ لأن المستثمر لا يقيس جاذبية السهم بحجم الأرباح فقط، وإنما بالسعر الذي يدفعه مقابل هذه الأرباح وبآفاق استمرار نموها.

وأضاف المتحدث عينه أن الأسعار يمكن أن تتراجع رغم نمو النتائج عندما تكون السوق قد استبقت هذا التحسن خلال مراحل الصعود السابقة وضمنته بالفعل في تقييمات الأسهم.

وكانت مؤشرات هذا التحول قد ظهرت خلال الفصل الثالث، الذي فقد فيه “مازي” 2,66 في المائة؛ فيما تراجع “مازي 20” بـ4 في المائة ومؤشر المقاولات الصغرى والمتوسطة بـ5,75 في المائة. كما أنهت 19 قطاعا الفصل في المنطقة الحمراء، مقابل خمسة قطاعات فقط سجلت مكاسب، بما كشف عن اتساع تدريجي لحركة التصحيح قبل تسارعها مع بداية أكتوبر.

ففي فاتح أكتوبر تراجع “مازي” بنسبة 0,87 في المائة إلى 17.579,17 نقطة، ثم فقد 1,57 في المائة في جلسة 2 أكتوبر ليستقر عند 17.303,69 نقطة، قبل أن تتواصل الخسائر خلال جلستي 5 و6 أكتوبر. وأدى ذلك إلى انتقال المؤشر في فترة قصيرة من تسجيل مكاسب سنوية إيجابية في نهاية غشت إلى خسارة تتجاوز 10 في المائة.

وأشار ويجمان إلى أن السياق الخارجي يزيد من حذر المستثمرين، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية والضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة وتشدد شروط التمويل.

وأوضح الخبير في الأسواق المالية أن ارتفاع درجة عدم اليقين يدفع مديري المحافظ إلى التشدد في تحديد مستويات الدخول، خصوصا بعد المكاسب الكبيرة التي راكمتها الأسهم خلال السنوات الماضية.

وأكد أن اختبار المرحلة المقبلة سيكون في قدرة النتائج المالية للشركات على إعادة بناء الثقة في مستويات الأسعار الجديدة، خصوصا مع توجه المستثمرين إلى التدقيق بصورة أكبر في جودة الأرباح والهوامش والمديونية والتدفقات النقدية وآفاق النمو، عوض الاكتفاء بملاحقة ارتفاعات الأسعار.

ودخلت بورصة الدار البيضاء، بذلك، مرحلة اختبار بعد دورة صعود قوية استمرت ثلاث سنوات؛ إذ تواجه نتائج الشركات، التي لا تزال في المجمل إيجابية، موجة جني أرباح أعادت “مازي” إلى مستويات مارس الماضي. ويبقى استقرار عروض البيع وعودة السيولة الشرائية عاملين حاسمين في تحديد ما إذا كان التصحيح سيبدأ في استنفاد زخمه، أم سيمتد خلال الجلسات المقبلة إلى مستويات أدنى.