لم يعد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل شركات التكنولوجيا الكبرى مجرد مسألة تتعلق بالكفاءة والإنتاجية، بعدما بدأت تكلفة تشغيل هذه الأدوات في الظهور كعامل مؤثر في قرارات الشركات. ووفقًا لتقرير نشرته The Information، تتجه شركتا ميتا ومايكروسوفت إلى تقليل اعتماد موظفيهما داخليًا على نموذج الذكاء الاصطناعي Claude التابع لشركة Anthropic، مع الدفع نحو استخدام أنظمتهما وأدواتهما الخاصة، ورغم تقليل الاستخدام الداخلي، لا يعني ذلك أن الشركتين أنهتا علاقاتهما التجارية مع Anthropic، إذ لا يزال Claude متاحًا لعملائهما ضمن خدمات الذكاء الاصطناعي المختلفة، ما يعكس محاولة لتحقيق توازن بين الاستفادة من نماذج خارجية والحفاظ على استخدام المنتجات التي تطورها كل شركة داخليًا.

 

مايكروسوفت تخفض إنفاقها على Claude
 

تتبنى مايكروسوفت نهجًا أكثر حذرًا تجاه استخدام Claude بسبب التكلفة المرتفعة، بعدما كانت تتوقع أن يصل إنفاقها الداخلي على تقنيات Anthropic إلى مليار دولار على الأقل خلال العام الجاري، وبحسب التقرير، خفضت الشركة تقديرات هذا الإنفاق بأكثر من الثلث، وبدأت في تشجيع الموظفين على الاعتماد على منتجات مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي كلما كان ذلك ممكنًا، خاصة مع امتلاك الشركة مجموعة كبيرة من الأدوات المنافسة.

وكانت مايكروسوفت قد أتاحت لآلاف المطورين استخدام Claude Code منذ ديسمبر الماضي، وسرعان ما اكتسبت أداة Anthropic شعبية بين فرق الهندسة والتطوير داخل الشركة.

 

GitHub Copilot بدلًا من Claude Code
 

دفعت مايكروسوفت مطوريها لاحقًا باتجاه استخدام GitHub Copilot CLI بدلًا من الاعتماد الواسع على Claude Code، في خطوة لا ترتبط بالتكلفة فقط، وإنما برغبة الشركة في زيادة اعتماد مهندسيها على أدواتها الخاصة.

وكان قسم Experiences + Devices، الذي يضم فرقًا تعمل على منتجات مثل Windows وMicrosoft 365 وSurface، يستعد لإنهاء معظم تراخيص Claude Code بنهاية يونيو، وتسعى مايكروسوفت من خلال ذلك إلى منح مطوريها فرصة أكبر لاستخدام منتجاتها الداخلية، والحصول على ملاحظاتهم وتجاربهم بما يساعد في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التابعة للشركة، ورغم تقليل الاستخدام الداخلي، لا يزال Claude جزءًا من منظومة مايكروسوفت الأوسع، إذ يتوفر النموذج من خلال Microsoft Foundry، كما يُستخدم في بعض المهام المرتبطة بخدمات Microsoft 365 وCopilot.

 

ميتا تقلل استخدام Claude وتدفع بأدواتها الخاصة
 

تسير ميتا في اتجاه مشابه، بعدما انخفض عدد موظفيها الذين يستخدمون Claude Code إلى نحو 30 ألف موظف، مقارنة بنحو 60 ألفًا في وقت سابق من العام، ويرتبط جزء من هذا التراجع بتقليص عدد العاملين في الشركة، لكن ميتا تعمل في الوقت نفسه على زيادة الاعتماد على أدوات برمجية مبنية على نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وتجاوز عدد مستخدمي أداة MetaCode الداخلية 30 ألف موظف، بينما جذبت Muse Code، التي تختبرها ميتا كمنافس لـClaude Code، أكثر من 6 آلاف مستخدم داخلي.

 

فاتورة الذكاء الاصطناعي تتحول إلى تحدٍ جديد

تكشف هذه التحركات عن مشكلة بدأت الشركات الكبرى في مواجهتها مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، وهي أن زيادة عدد المستخدمين والاعتماد المكثف على النماذج المتقدمة يمكن أن يحولا أدوات الذكاء الاصطناعي من وسيلة لخفض التكاليف إلى بند إنفاق ضخم، وتحدث تقرير لـAxios في مايو الماضي عن حالة وصلت فيها فاتورة استخدام Claude لدى إحدى الشركات إلى نحو 500 مليون دولار خلال شهر واحد، بعد عدم فرض حدود مناسبة على استخدام الموظفين للتراخيص، وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي لم تعد تدور فقط حول من يمتلك النموذج الأكثر تطورًا، وإنما أيضًا حول من يستطيع تشغيل الذكاء الاصطناعي بكفاءة وتكلفة يمكن السيطرة عليها.

 

الذكاء الاصطناعي الداخلي في مواجهة النماذج الخارجية

ومع توسع الشركات في تطوير نماذجها وأدواتها الخاصة، يبدو أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي الخارجي سيصبح أكثر انتقائية، خصوصًا في المهام التي يمكن تنفيذها بواسطة حلول داخلية أقل تكلفة أو أكثر ارتباطًا ببيئة العمل.

وتكشف تحركات ميتا ومايكروسوفت أن مستقبل الذكاء الاصطناعي داخل الشركات قد لا يعتمد على اختيار نموذج واحد، بل على توزيع المهام بين النماذج المختلفة وفقًا للتكلفة والأداء واحتياجات كل فريق، مع إعطاء أولوية متزايدة للأدوات التي تمتلكها الشركات نفسها.