منبر — ديمو المعمار
مصر

53 عاما على نصر أكتوبر.. حين توحدت مصر خلف هدف واحد لتصنع معجزة خلدها التاريخ

1 أكتوبر 2026 6 دقائق قراءة

لم تكن حرب أكتوبر يومًا حكاية دبابات وطائرات وعبور لقناة السويس فقط، ولم يكن النصر الذى تحقق فى السادس من أكتوبر 1973 وليد ساعات القتال التى بدأت فى ذلك اليوم، ولكن الحكاية أكبر من معركة عسكرية، لأنها بدأت قبلها بسنوات، حين قررت مصر أن تستعيد قدرتها، وأعادت القوات المسلحة بناء نفسها، ووقف الشعب إلى جانبها وهو يعرف أن الطريق إلى استعادة الأرض لن يكون سهلًا.

كان الجندي يستعد للمعركة على الجبهة، بينما كان المواطن فى الداخل يخوض معركته بطريقته، فهذه أسرة تدعم ابنها المقاتل، وتلك أم تنتظر عودته، وهؤلاء سيدات يتنازلن عن الذهب الذي يملكنه دعمًا للدولة، ومؤسسات دولة تعمل كل في موقعها، وشعب كامل يجتمع حول هدف واحد يتمثل في "عودة الأرض".

 

خبراء استراتيجيون: أكتوبر نموذج لما تصنعه الإرادة

وفي هذا السياق، أبرز خبراء استراتيجيون في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن السادس من أكتوبر لم يكن مجرد لحظة انتصار عسكري، وإنما كان نموذجًا نادرًا لما يمكن أن تصنعه دولة عندما تتوافر لديها الإرادة، ويجتمع شعبها حول هدف واضح، وتتحول حالة التماسك الوطني إلى قوة حقيقية على الأرض.

وقالوا إنه بعد 53 عامًا، لا تبدو قيمة أكتوبر في ذكريات المعركة وحدها، وإنما في الدروس التي تركتها للأجيال الجديدة وكيف يُبنى النصر؟ وكيف تتحول الإرادة إلى عمل؟ ولماذا كان التماسك الشعبي والتخطيط والإعداد والوعي الوطني عوامل لا تقل أهمية عن السلاح في صناعة تلك اللحظة الفارقة في تاريخ مصر؟

ومن هنا، تعود حكاية أكتوبر اليوم ليس فقط لنتذكر كيف عبر الجيش أعظم مانع مائي في التاريخ الحديث، ولكن لنسأل: ماذا يمكن أن نتعلم من شعب بأكمله قرر في لحظة تاريخية أن يكون جزءًا من معركة وطنه؟

يقول اللواء حمدي بخيت، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن حرب أكتوبر لم تكن مجرد حرب بالمعنى التقليدي، وإنما كانت ملحمة وطنية متكاملة، شارك فيها الشعب المصري بمختلف فئاته إلى جانب قواته المسلحة ومختلف مؤسسات الدولة لهدف سام ونبيل وهو تحرير الأرض.

وأضاف اللواء حمدي بخيت أن هذه الملحمة مرت بمراحل متتالية، بدأت بإعادة بناء القوات المسلحة والإعداد للمعركة، ثم خوض حرب الاستنزاف التي كانت بمثابة مرحلة مهمة لاختبار القدرات ورفع كفاءة القوات، وصولًا إلى حرب أكتوبر وما شهدته من معارك وبطولات، ثم استكمال مسار استعادة الأرض من خلال عمليات التفاوض السياسي التي أسهمت في استرداد كامل التراب الوطني.

وأوضح أن من أهم الدروس التي تقدمها حرب أكتوبر أن مصر استطاعت خلال تلك المرحلة تحقيق أعلى درجات الوفاق واللحمة الوطنية، حيث وقف الشعب بكل فئاته خلف قواته المسلحة، وتكاتفت مؤسسات الدولة والمجتمع المدني من أجل تحقيق هدف واحد، هو تحرير الأرض واستعادة الكرامة الوطنية.

وأشار إلى أن الإرادة الشعبية كانت أحد العوامل الأساسية في نجاح هذا العمل الملحمي، مستشهدًا بما قدمه المصريون من تضحيات ودعم للقوات المسلحة، ومن ذلك ما قامت به سيدات مصريات من بيع مصوغاتهن الذهبية للمساهمة في دعم المجهود الحربي، بما يعكس حجم الإيمان الشعبي بالمعركة وضرورة تحقيق النصر.

وأكد أن نصر أكتوبر لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة عامل واحد، وإنما جاء نتيجة توافر مجموعة متكاملة من العوامل، في مقدمتها الإرادة الوطنية، والتكاتف الشعبي، وحسن الإعداد، والتخطيط الدقيق، وتحديد الأهداف بوضوح، إلى جانب قدرة القوات المسلحة على تنفيذ ما تم التخطيط له بكفاءة.

ولفت إلى أن النصر شاركت فيه مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، موضحًا أن كل فئات الشعب أدت دورها في هذه المرحلة، وهو ما يؤكد أن قوة الدولة الحقيقية تظهر عندما تتوحد مؤسساتها وشعبها حول هدف وطني واضح.

 

رسالة أكتوبر.. الحفاظ على التماسك الوطني

وقال اللواء حمدي بخيت إن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الأجيال الحالية هي ضرورة الحفاظ على التماسك الوطني، لأن ما تحقق في أكتوبر يثبت أن وحدة الصف تمثل أحد أهم عناصر قوة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات.

وأضاف أن مصر تحتاج اليوم إلى ترسيخ الوعي الوطني، ووحدة الهدف، والعمل وفق خطط واضحة، مع تحديد الأهداف بدقة، مشددًا على أن صلابة الشعب وتماسكه في مواجهة التحديات يمثلان خط الدفاع الأول عن الدولة.

وشدد على أن تجربة أكتوبر تؤكد أن تحقيق الإنجازات الكبرى يحتاج إلى إرادة حقيقية وتخطيط طويل المدى وعمل متواصل، مؤكدًا أن النصر الذي تحقق في أكتوبر 1973 لم يكن وليد الصدفة، وإنما كان نتيجة إعداد وتخطيط وتكاتف وإرادة شعبية ومؤسسية امتدت لسنوات.

من جانبه، قال اللواء طيار دكتور هشام الحلبي، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن حرب أكتوبر 1973 تمثل نقطة تحول مهمة في التاريخ العسكري، ليس فقط بالنسبة لمصر والمنطقة، وإنما في تطور الفكر العسكري نفسه، موضحًا أن الحرب أسقطت نظريات عسكرية كانت تبدو راسخة، وأثبتت أن التخطيط الجيد، وحسن استخدام الإمكانات المتاحة، والعقيدة القتالية للمقاتل يمكن أن تغير موازين القوى.

وأضاف الحلبي أن أحد أهم دروس حرب أكتوبر أن التفوق التكنولوجي وحده لا يحسم المعركة، مشيرًا إلى أن إسرائيل كانت تمتلك في ذلك الوقت تفوقًا واضحًا في عدد من منظومات التسليح والتكنولوجيا العسكرية، خاصة في مجال الطيران، إلا أن المقاتل المصري استطاع التعامل مع هذا التفوق من خلال التدريب الجيد، والتخطيط الدقيق، والاعتماد على أسلوب قتال يتناسب مع الإمكانات المتاحة.

 

المقاتل المصري أحد أهم عناصر النجاح

وأوضح أن المقاتل المصري كان يمثل أحد أهم عناصر النجاح في حرب أكتوبر، لأنه دخل المعركة بعقيدة راسخة تقوم على استعادة الأرض مهما كانت الصعوبات، وهو ما انعكس في قدرته على تنفيذ المهام المكلف بها تحت ظروف بالغة التعقيد. وأكد أن اجتماع العلم العسكري مع العقيدة القتالية صنع قدرة استثنائية لدى الفرد المقاتل، وهو ما سبق أن أكدته دراسات وشهادات تناولت تميز المقاتل المصري في الحرب.

وأشار الحلبي إلى أن ما جرى في أكتوبر لا يزال محل دراسة في المؤسسات العسكرية، لما تضمنته الحرب من تخطيط وخداع استراتيجي وإدارة للعمليات واستخدام متكامل للأسلحة، مؤكدًا أن قيمة الحرب لا ترتبط فقط بنتائجها السياسية والعسكرية، وإنما بما قدمته من دروس في كيفية مواجهة التفوق النوعي للخصم وتحويل نقاط القوة والضعف إلى عناصر مؤثرة في المعركة.

وأشار إلى أن عمليات الاقتحام المصرية للخطوط الدفاعية الإسرائيلية أصبحت من الحالات التي يتم تناولها بالدراسة في الأكاديميات والمؤسسات العسكرية، باعتبارها نموذجًا لقوة مسلحة استطاعت، رغم الفارق في الإمكانات والتكنولوجيا، أن تحقق أهدافًا عسكرية كبيرة من خلال التخطيط وإدارة المعركة بصورة متكاملة.

وأضاف أن حرب أكتوبر قدمت نموذجًا مهمًا في كيفية دمج مختلف أفرع القوات المسلحة والأسلحة في منظومة واحدة تعمل وفق هدف محدد وتوقيتات دقيقة.

وأكد أن مرور 53 عامًا على النصر يمثل فرصة لاستعادة الدرس الأهم من جيل أكتوبر، وهو أن الأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، وإنما بالعلم والانضباط والوعي والإرادة.

ووجه رسالة إلى الشباب قائلًا إن جيل أكتوبر لم يستعد الأرض بالكلمات، وإنما بالعمل والتدريب والتضحية وتحمل المسؤولية، داعيًا الأجيال الجديدة إلى أن تعرف قيمة ما قدمه آباؤهم وأجدادهم، وأن تحافظ على الوطن بالعلم والعمل والوعي، لأن بناء الدولة وحمايتها مسؤولية مستمرة، لكل جيل دوره فيها.

وأكد الحلبي أن ذكرى أكتوبر ليست مجرد احتفال بانتصار مضى، وإنما مناسبة لتجديد الثقة في قدرة المصري على تجاوز الصعاب، عندما تتوافر له العقيدة السليمة، والتدريب، والتخطيط، والإرادة.

وأضاف أن أحد أهم الدروس التي يجب أن تصل إلى الشباب اليوم هو أن جيل أكتوبر لم يكن جيلًا مختلفًا في قدراته الإنسانية عن الأجيال الحالية، لكنه امتلك هدفًا واضحًا، وإرادة قوية، واستعداده لتحمل المسؤولية والتضحية من أجل الوطن.. ومن هنا، فإن رسالة أكتوبر للشباب لا تتمثل فقط في تذكر من خاضوا الحرب، وإنما في فهم ما فعلوه وتحويل هذه الروح إلى عمل وعلم وإتقان في كل مجال.

وشدد الحلبي على أن الحفاظ على الوطن لا يكون فقط في ميادين القتال، وإنما أيضًا في ميادين العلم والعمل والإنتاج والوعي، مؤكدًا أن كل جيل أمامه معركته الخاصة، وجيل أكتوبر خاض معركته واستعاد الأرض، بينما تقع على عاتق الأجيال الجديدة مسؤولية الحفاظ على ما تحقق وبناء مستقبل أقوى لمصر.



اقرأ النسخة الكاملة