حذر الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير من تنامي نفوذ ما وصفها بـ"القوى السياسية الهامشية" التي تسعى إلى التشكيك في الديمقراطية ودولة القانون في ألمانيا، مؤكداً أن "المحكمة الدستورية الاتحادية" تؤدي دوراً محورياً في حماية النظام الديمقراطي والدفاع عن الحقوق الأساسية.

وجاءت تصريحات شتاينماير خلال احتفال في مدينة كارلسروه اليوم الاثنين (28/9/2026) بمناسبة مرور 75 عاماً على تأسيس المحكمة الدستورية الاتحادية، أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد.

مخاوف من التشكيك في الديمقراطية

وقال شتاينماير إن كثيراً من المواطنين يشعرون بالقلق إزاء أوضاع الديمقراطية وسيادة القانون في ألمانيا، مع تصاعد نفوذ قوى سياسية في الهامش تشكك بشكل متزايد في الديمقراطية ودولة القانون وتنعتهما بـ"النظام" في محاولة للنيل منهما. 

وأضاف الرئيس الألماني، من دون أن يشير مباشرة إلى النجاحات الانتخابية الأخيرة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD)، أن هذه المخاوف "مفهومة"، لكنه شدد على ثبات الأساس الدستوري للدولة قائلاً: "القانون الأساسي سارٍ على الجميع وفي جميع الولايات الألمانية".

وأكد أن المحكمة الدستورية الاتحادية تضطلع بدور أساسي في حماية القانون الأساسي (الدستور الألماني) والدفاع عن حقوق المواطنين، فضلاً عن ضمان التوازن بين مؤسسات الدولة الاتحادية وبين الحكومة المركزية والولايات.

"جزء من صمود ديمقراطيتنا"

وشدد شتاينماير على أهمية المحكمة الدستورية في مواجهة التحديات السياسية الراهنة، قائلاً: "إن وجود محكمة دستورية اتحادية قوية جزء من صمود ديمقراطيتنا".

وأضاف: "أنا مقتنع بأن المحكمة الدستورية الاتحادية هي الضامن لاستمرار قصة نجاح ديمقراطيتنا الحرة، على الرغم من كل التحديات".

من رحم التجربة النازية.. ولادة حارس الدستور

وافتُتحت المحكمة الدستورية الاتحادية رسميا في مدينة كارلسروه في 28 سبتمبر/أيلول 1951 بحضور الرئيس الألماني تيودور هويس والمستشار كونراد أديناور، في إطار بناء نظام ديمقراطي جديد بعد الحرب العالمية الثانية ومنع تكرار الانهيار الذي أفسح المجال لصعود النازية.

وتُعد المحكمة أعلى سلطة دستورية في البلاد، إذ تضم 16 قاضيًا وقاضية موزعين على مجلسين، فيما تتمتع أحكامها بقوة إلزامية نهائية وغير قابلة للطعن.

وفي كلمته، أشاد الرئيس الألماني بالدور التاريخي الذي لعبته المحكمة منذ تأسيسها، معتبراً أنها ساهمت في إعادة توجيه ألمانيابعد تجربة الديكتاتورية النازية والحرب العالمية الثانية.

وقال إن قضاة كارلسروه ساعدوا على نقل البلاد "بعيداً عن الدولة الاستبدادية التقليدية ونحو مجتمع مدني حديث"، مؤكداً أن المحكمة حافظت على موقف واضح في مواجهة إرث الحكم النازي.

وأضاف أن فقه المحكمة الدستوري أكد باستمرار أن القانون الأساسي الألماني (الدستور الألماني) كان وما يزال "مشروعاً مضاداً واعياً" للنظام النازي القائم على الظلم والاستبداد.

ثقل موازن في عصر الاستقطاب

ورأى شتاينماير أن المحكمة تؤدي اليوم دوراً يتجاوز الرقابة الدستورية التقليدية، إذ تمثل ثقلاً موازناً في مواجهة الخطابات الشعبوية والاستقطاب المتزايد في الفضاء العام.

وقال إن النقاشات العامة باتت تتسم في كثير من الأحيان بقدر متزايد من "الاستثارة والغضب"، خصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي، معتبراً أن المحكمة تشكل أحد الضمانات الأساسية للحفاظ على التوازن الدستوري في مثل هذه الظروف.

الذكاء الاصطناعي والتحديات المقبلة

وتطرق الرئيس الألماني إلى التحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة، محذراً من المخاطر الناجمة عن التطور السريع للذكاء الاصطناعي.

وقال إن الأنظمة التقنية يجب ألا تكتسب القدرة على التحكم في البنى الاقتصادية أو التواصل العام أو عمليات اتخاذ القرار السياسي، محذراً من أن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا والنظام الاجتماعي قد تصبح مهددة إذا غابت الضوابط المناسبة.

وأكد شتاينماير أن تعزيز الابتكار يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع ضمان الأمن وحماية الحقوق الأساسية، مشدداً على ضرورة صون كرامة الإنسان "غير القابلة للمساس" حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.