منبر — ديمو المعمار
العالم العربي

احتجاجات التلاميذ تتمدد في الشوارع .. وحكومة ماكرون تبحث عن مخرج

7 أكتوبر 2026 5 دقائق قراءة

خرج مئات الآلاف من تلاميذ المدارس الثانوية والطلبة، الثلاثاء، في تظاهرات بمختلف أنحاء فرنسا، في ثالث محطة كبرى من حركة احتجاجية تتسع رقعتها، وسط إصرار منظميها على مواصلة التعبئة، فيما تحاول الحكومة نقل الغضب من الشارع إلى حوار داخل المؤسسات التعليمية.

وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة 266 ألف شخص في التظاهرات، بينهم 56 ألفا في باريس، في حين قدرت المنظمات التلمذية والطلابية عدد المشاركين بنحو 450 ألفا في عموم البلاد، بينهم 100 ألف في العاصمة.

وشملت التعبئة، إلى جانب تلاميذ الثانويات، طلبة وأساتذة وأولياء أمور ونقابيين، فيما شهد نحو 40 في المائة من مؤسسات التعليم العالي العمومية اضطرابات تراوحت بين الإغلاق والاعتصامات وتعليق الدراسة.

وبدأت الحركة في منتصف شتنبر بمدينة كريتاي قبل أن تنتقل إلى مناطق أخرى، حاملة مطالب ترتبط باكتظاظ الأقسام، وحالة بعض المباني المدرسية، وضغط جداول الدراسة، وعدم تعويض الأساتذة المتغيبين، فضلا عن الانتقادات الموجهة إلى نظام التوجيه الجامعي “باركورسب”.

من داخل الثانويات.. “نريد فقط ظروفا أفضل للدراسة”

تكشف شهادات تلاميذ وعاملين في قطاع التعليم أن الاحتجاجات لا ترتبط بمطلب واحد، وإنما بتراكم مشكلات يومية داخل المؤسسات التعليمية.

وقال توماس، وهو تلميذ يبلغ 17 عاما في ثانوية بمنطقة فال دو مارن قرب باريس، إن استمرار الحركة جاء بعدما شعر تلاميذ كثيرون بأن الصعوبات التي يعيشونها داخل المدارس لم تعد قابلة للتجاهل.

وأوضح أن بعض الأقسام لا تتوافر فيها أحيانا طاولات وكراس كافية، فيما يعاني تلاميذ من ظروف سيئة في بعض المطاعم والمرافق الصحية، مضيفا: “نريد فقط أن ندرس في ظروف أفضل”.

واستحضر التلميذ تجربة امتحان اللغة الفرنسية خلال موجة الحر، قائلا إنه وجد نفسه منشغلا بمحاولة تخفيف الحرارة أكثر من التركيز في الإجابة عن الاختبار.

ويرى باسكال كاباريه، أستاذ التاريخ في ثانوية بمدينة تولوز، أن مطالب التلاميذ تتقاطع مع مطالب المدرسين، مختصرا ذلك في “أستاذ أمام التلاميذ، ومبان في حالة جيدة، وظروف عمل أفضل”.

وأشار إلى أن موجات الحر الأخيرة زادت من استياء التلاميذ، بسبب عدم تهيئة عدد من المؤسسات لمواجهة درجات الحرارة المرتفعة.

لكن الأستاذ نفسه يبدي قلقا من تطور الحركة خارج إطار منظم، قائلا إن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت أحد محركات التعبئة السريعة، ما يجعل الاحتجاجات في بعض الأحيان صعبة التحكم.

وفي إحدى محطات الاحتجاج السابقة، يقول كاباريه إنه فوجئ بتلاميذ يرددون في وجه أشخاص كانوا يخربون ممتلكات: “أيها المخربون ارحلوا”، في محاولة للفصل بين مطالبهم وأعمال العنف.

وتدافع بعض الأسر بدورها عن حق التلاميذ في الاحتجاج. وتقول إيمانويل أرتيغبيي، وهي أم لتلميذ شاركت في التعبئة بمدينة ستراسبورغ، إن الشباب “محقون في المطالبة بأقسام أقل اكتظاظا وظروف تعليم لائقة”.

وترى أن وجود الآباء إلى جانب أبنائهم قد يساعد على تخفيف التوتر، خصوصا في ظل المخاوف من تحول بعض التجمعات إلى مواجهات.

كما تحدث عاملون في قطاع التعليم عن تدخلهم لحماية التلاميذ خلال بعض عمليات تفريق التجمعات، بينما شدد مدير ثانوية في نانت على ضرورة التمييز بين تلاميذ “لديهم ما يقولونه” وأشخاص يلتحقون بالتظاهرات بهدف التخريب.

488 موقوفا والحكومة تعرض الحوار

رغم مرور الجزء الأكبر من المسيرات في أجواء هادئة، شهدت باريس ومدن أخرى مواجهات محدودة، بعدما رشق بعض المحتجين قوات الأمن بمقذوفات، وردت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع.

وأعلنت وزارة الداخلية توقيف 488 شخصا خلال تحركات الثلاثاء، لترتفع حصيلة التوقيفات منذ 28 شتنبر إلى 6547 شخصا، كما أصيب 43 من عناصر الشرطة والدرك.

وفي منطقة باريس الكبرى، سجلت السلطات عشرات التوقيفات خلال فترتي الصباح وبعد الظهر، فيما اعتبر قائد شرطة العاصمة باتريس فور أن انخفاض العدد مقارنة بأيام سابقة يؤكد أن تحديد مسارات واضحة للمظاهرات يساعد على مرورها بهدوء.

وسجلت العاصمة إصابة شرطي ورجل إطفاء و12 متظاهرا، بينهم شخص سقط من ارتفاع يقارب خمسة أمتار بعدما صعد إلى نصب في ساحة الجمهورية، وأصيب بجروح وُصفت بالخطيرة.

كما شهدت مدن أخرى توترات متفرقة رافقها استعمال الغاز المسيل للدموع بعد رشق قوات الأمن بالمقذوفات وإشعال حاويات للنفايات.

وتأثرت الدراسة في 891 مدرسة ثانوية من أصل نحو 3700 مؤسسة في البلاد، بعدما عُلقت الدروس كليا أو جزئيا، فيما شهد نحو 40 في المائة من مؤسسات التعليم العالي العمومية اضطرابات.

وأمام استمرار التعبئة، دعا رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو التلاميذ إلى العودة إلى مؤسساتهم، واقترح تخصيص وقت لما وصفه بـ”الديمقراطية الداخلية” لبحث مطالبهم.

وأوضحت الحكومة لاحقا أن المؤسسات ستخصص نصف يوم، بين الأربعاء والجمعة، لتعليق الحصص وتنظيم نقاشات تجمع الإدارات والتلاميذ والعاملين في قطاع التعليم.

كما وعد لوكورنو بالنظر في بعض جوانب نظام “باركورسب”، مع إدخال مزيد من “الشفافية” و”البساطة” على آليات التوجيه نحو التعليم العالي.

غير أن المنظمات التلمذية والطلابية تتمسك باستمرار التحركات، ودعت إلى مسيرات جديدة الخميس، معتبرة أن الحوار داخل المدارس لا يعالج وحده المطالب المتعلقة بالميزانيات والاكتظاظ وظروف الدراسة.

إصابات تزيد التوتر والتحقيقات تتواصل

زاد ملف الإصابات خلال الاحتجاجات من حدة النقاش في فرنسا، بعد تسجيل حالات خطيرة بين تلاميذ شاركوا في عمليات الإغلاق والتظاهر.

وفي مدينة لنس، فقد تلميذ يبلغ 15 عاما يده اليسرى إثر إصابته بقنبلة خلال تفريق تجمع، فيما خضع لجراحة في اليد اليمنى ويعاني جروحا في الوجه والصدر.

ولا تزال ظروف الحادث قيد التحقيق لتحديد ما إذا كان الفتى قد التقط القنبلة بعد سقوطها، أم أنها وصلت إليه مباشرة، وكذلك التحقق من ظروف استخدامها.

وأثارت الواقعة صدمة بين تلاميذ المنطقة. وقالت تلميذة تبلغ 16 عاما إنها تريد الاستمرار في الاحتجاج، لكنها ستفعل ذلك “بحذر أكبر”، مضيفة: “لا نريد العنف، كل ما نريده هو البكالوريا والنجاح”.

كما فتحت السلطات تحقيقا في إصابة فتى آخر يبلغ 14 عاما بجروح خطيرة في الوجه خلال احتجاجات سابقة في سانت أوين لومون.

وأبدت اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان “قلقا بالغا” بشأن استخدام القوة خلال بعض التدخلات، محذرة من الخلط بين مجموع الحركة التلمذية وأعمال العنف التي قد تقع على هامش المظاهرات.

في المقابل، دافع وزير الداخلية لوران نونيز عن تدخلات قوات الأمن، مؤكدا أنها تتم وفق مبدأ “التناسب”، بينما رفض رئيس الوزراء الحديث عن وجود تعليمات سياسية لقمع الحركة.

وبين مطالب تحسين الدراسة، والخشية من العنف، ومحاولة الحكومة فتح قنوات للحوار، تدخل الحركة التلمذية مرحلة جديدة، فيما تؤكد الدعوات إلى تحركات إضافية أن الشارع الفرنسي لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

اقرأ النسخة الكاملة