في خطوة طبية تفتح بابًا جديدًا أمام الأطفال والشباب الذين يواجهون خطر فقدان الخصوبة بسبب علاج السرطان، نجح أطباء في بريطانيا في إجراء أول عملية لزراعة أنسجة خصية محفوظة بالتجميد داخل جسم شاب خضع لعلاج كيماوي مكثف، في محاولة لاستعادة قدرة جسمه على إنتاج الحيوانات المنوية مستقبلًا.

وأُجريت العملية في إدنبرة لشاب يبلغ من العمر 19 عامًا، في أغسطس 2026، بعد أن كان الأطباء قد استأصلوا جزءًا من أنسجة خصيته وحفظوها بالتجميد قبل خضوعه لعلاج مكثف، وفقًا لجامعة إدنبرة وصحيفة The Guardian.

لماذا احتاج الشاب إلى حفظ أنسجة الخصية؟

كان الشاب قد خضع لعلاج كيماوي بجرعات مرتفعة وزراعة نخاع العظم لعلاج اضطراب دموي خطير، وهي علاجات يمكن أن تؤثر بشدة على الخلايا المسئولة عن إنتاج الحيوانات المنوية.

وبعد انتهاء العلاج، أظهرت الفحوصات عدم وجود حيوانات منوية في السائل المنوي، وهو ما جعل الأطباء يبحثون عن إمكانية الاستفادة من أنسجة الخصية التي تم حفظها قبل العلاج.

وفي أغسطس الماضي، أعاد الفريق الطبي زراعة جزء من هذه الأنسجة داخل جسم الشاب، على أمل أن تستعيد الخلايا الموجودة فيها نشاطها وتبدأ في إنتاج الحيوانات المنوية مرة أخرى.

وأكدت جامعة إدنبرة أن الشاب تعافى بصورة جيدة بعد العملية، لكن الأطباء لم يثبتوا حتى الآن عودة الخصوبة.

العملية ليست دليلًا على عودة الخصوبة حتى الآن

وتعد هذه النقطة الأهم في القصة؛ فالعملية نفسها نجحت من الناحية الجراحية، لكن نجاحها في استعادة إنتاج الحيوانات المنوية لا يزال قيد التقييم.

وينتظر الأطباء خلال الأشهر المقبلة معرفة ما إذا كانت الأنسجة المزروعة ستبدأ في إنتاج الحيوانات المنوية، ومن المقرر إزالة جزء من النسيج بعد نحو 8 أشهر لفحصه تحت المجهر وتقييم نشاط الخلايا الموجودة بداخله.

وبالتالي، فإن الحديث عن أن الشاب استعاد خصوبته بالفعل سيكون سابقًا لأوانه، فالهدف الحالي من العملية هو اختبار ما إذا كان النسيج المزروع قادرًا على استعادة وظيفة الخصية بعد الضرر الناتج عن العلاج.

لماذا لا يستطيع الأطفال تجميد الحيوانات المنوية؟
 

تكمن أهمية هذه التقنية في أنها تستهدف مشكلة تواجه الأطفال المصابين بالسرطان تحديدًا.

فالذكور بعد البلوغ يستطيعون عادةً حفظ الحيوانات المنوية قبل بدء العلاج الكيماوي أو الإشعاعي، لكن الأطفال الذين لم يصلوا إلى مرحلة البلوغ لا ينتجون حيوانات منوية ناضجة يمكن جمعها وتجميدها. لذلك، بدأ الأطباء في السنوات الأخيرة في دراسة طريقة مختلفة، وهي حفظ أنسجة الخصية قبل العلاج.

وتحتوي هذه الأنسجة على خلايا جذعية منوية، تعرف باسم Spermatogonial stem cells، وهي الخلايا التي يمكنها بعد البلوغ الدخول في سلسلة من الانقسامات والتطور لإنتاج الحيوانات المنوية.

والفكرة هي الاحتفاظ بهذه الخلايا قبل تعرضها للعلاج المدمر للخصوبة، ثم إعادة زراعة الأنسجة بعد انتهاء علاج السرطان، أملاً في أن تستعيد الخلايا قدرتها على إنتاج الحيوانات المنوية.

تجربة بلجيكية سبقت الخطوة البريطانية
 

ولا تعد العملية البريطانية أول محاولة من هذا النوع عالميًا، إذ سبقتها تجربة في بلجيكا أظهرت أن إعادة زراعة أنسجة الخصية التي جرى تجميدها خلال الطفولة يمكن أن تؤدي إلى إنتاج حيوانات منوية.

وبحسب تقرير نشرته The Guardian في مايو 2026، تمكن رجل يبلغ من العمر 27 عامًا من إنتاج حيوانات منوية بعد إعادة زراعة أنسجة خصيته التي كانت قد جُمدت عندما كان في العاشرة من عمره، قبل خضوعه لعلاج كيماوي مكثف.

وأظهرت الأنسجة المزروعة قدرة على إنتاج حيوانات منوية ناضجة، جرى جمعها وتجميدها، لكن الباحثين لا يزالون بحاجة إلى تقييم قدرتها على تخصيب البويضة وإنتاج حمل ناجح.

أكثر من 1200 مريض لديهم أنسجة خصية محفوظة في بريطانيا
 

وتوضح جامعة إدنبرة أن أكثر من 1200 مريض في بريطانيا لديهم أنسجة خصية محفوظة بالتجميد، بينما يصل العدد عالميًا إلى أكثر من 3100 شخص، في إطار برامج تهدف إلى الحفاظ على فرص الإنجاب للأطفال والشباب الذين يخضعون لعلاجات قد تؤدي إلى فقدان الخصوبة.

وبدأت برامج حفظ أنسجة الخصية في إدنبرة منذ عام 2014، وأصبحت التقنية جزءًا من الأبحاث المتعلقة بالحفاظ على الخصوبة لدى الأطفال الذين لم يصلوا إلى سن البلوغ.

كيف يمكن أن تساعد التقنية في الإنجاب مستقبلًا؟
 

إذا نجحت الأنسجة المزروعة في إنتاج حيوانات منوية، فمن الممكن جمعها واستخدامها في تقنيات الإخصاب المساعد، مثل الحقن المجهري وأطفال الأنابيب، بدلًا من الاعتماد على حدوث الحمل بصورة طبيعية. لكن التقنية لا تزال تجريبية، ولا يمكن حتى الآن اعتبارها علاجًا مثبتًا للعقم الناتج عن علاج السرطان.

ويأمل الباحثون أن توفر هذه الطريقة مستقبلًا خيارًا للأطفال المصابين بالسرطان، خصوصًا الذين يكونون أصغر من أن يستطيعوا حفظ الحيوانات المنوية قبل بدء العلاج.

لماذا يعد حفظ الخصوبة جزءًا مهمًا من علاج السرطان؟
 

مع ارتفاع معدلات النجاة من سرطان الأطفال، أصبح الأطباء يهتمون بصورة أكبر بما يحدث للمرضى بعد انتهاء العلاج، وليس فقط بالقضاء على السرطان.

فبعض أنواع العلاج الكيماوي، خاصة الجرعات المرتفعة المستخدمة مع بعض أمراض الدم وزراعة نخاع العظم، يمكن أن تسبب ضررًا طويل الأمد للخلايا المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية. ومن هنا تأتي أهمية حفظ أنسجة الخصية قبل بدء العلاج، باعتباره محاولة للاحتفاظ بخيار للإنجاب في المستقبل.

وتقدم العملية البريطانية خطوة جديدة في هذا المجال، لكن الاختبار الحقيقي لم يأتِ بعد؛ إذ ينتظر الفريق الطبي معرفة ما إذا كانت الأنسجة المزروعة ستستعيد إنتاج الحيوانات المنوية بالفعل.