منبر — ديمو المعمار
العالم العربي

اعطيني صاكي...

5 أكتوبر 2026 5 دقائق قراءة

في كثير من الأحيان نجد أنفسنا تائهين أمام أحداث لقيطة لا أصل ولا فصل لها…فندفع دفعا إلى روافدنا الثقافية الشعبية لنبحث عن خيط ناظم يربط الجد بالعبث، والسخرية والهزل بالتقدير وصدق المشاعر، أملا في تقاسم ذلك الإحساس العميق بالإحباط، مع كل من له غيرة على هذا الوطن. سبب نزول هذا الكلام، ما وقع يوم 23 شتنبر بمدينة طنجة، بمناسبة انتخاب أعضاء مجلس النواب، مفاده: ضبط “صاك” يحتوي على أوراق تصويت خاصة بالاقتراع المذكور…

لا تهمني تفاصيل الحدث، ولا مضامين البلاغات الرسمية، ولا التصريحات التي استغلت الواقعة للتشويش على الاستحقاق الانتخابي برمته، ولا الفئة الصامتة التي تخاف إن نطقت أن تنطق كفرا، ولا تلك الجهة التي لا تملك إلا سلطة التجميد…

ما يهمني هو أن “الصاك” أو “الموزيط” أو “القراب”، كان دائم الحضور في ثقافتنا الشعبية، إما كضرورة لحمل الأمتعة، أو كزينة للنساء، يعكس في كثير من الأحيان المكانة الاجتماعية للمرأة، أو لإخفاء ذاك المستور من قبل “الحلايقي” لكي يشد إليه فضول رواد الحلقة، أو ك”الصاك” الذي جاء في أغنية الفنانة الشعبية زينة الداودية، والتي مطلعها: “اعطيني صاكي باغا نماكي باغا نبان ليوما زوينة…. حالفة تا نوض روينة”.

فهذا “الصاك” يحمل أكثر من دلالة…فهو “صاك” يعبر عن الفرح الفرجوي…عن الرغبة في صنع الجمال الأنثوي…عن الهوس بتشكيل صورة حالمة تثير انتباه الجميع، وخلق جو من السعادة يتداخل فيه شغف التميز عن البقية، بالفوضى المنظمة، أو الفوضى البريئة (الروينة).

من خلال التأمل في سياق “صاك” طنجة و”صاك” الأغنية الشعبية، يلاحظ نوع من المشترك بينهما…فصاحب “صاك” طنجة اعتقد أن محتواه وسيلة لتحقيق نوع من الجمال أيضا، وخلق صورة حالمة لا تقل قيمة عن الصورة التي يخلقها “صاك” الأغنية: مقعد وثير تحت قبة مجلس النواب، سيظهر صاحبه “زوين”…كاميرات، أضواء كاشفة وغير كاشفة، ينادى بالنائب المحترم…ولا أحد يسائله عما قدم أو أخر خدمة للمصلحة العامة طيلة خمس سنوات، ولا عن مقترحاته، ولا عن مداخلاته في مختلف الأنشطة التي تندرج ضمن اختصاص المجلس الموقر، ولا عن عدد وقيمة أسئلته الكتابية أو الشفوية، ولا عن متابعته لتعهدات أعضاء الحكومة، ولا عن تعقيباته على أجوبة الوزراء، ولا عن مشاركة في أشغال اللجان بمختلف أنواعها…ولا عن ممتلكاته ما قل منها أو كثر بعد انتهاء المدة الانتدابية…ولا عن تطور علاقاته الشخصية بفضل مكانته المعتبرة كممثل للأمة…ولا عن…

كما يتجلى المشترك بين “الصاكين”، في كون “صاك” طنجة “نوض روينة” هو كذلك، لا تقل أهمية عن روينة “صاك” الأغنية الشعبية. فإذا كانت صاحبة الأغنية تبحث عن الفرح الجماعي-لتحيي سعادة وأدها سخب الضغط اليومي في سبيل الحصول على لقمة العيش، فتنفجر دفعة واحدة، في لحظة انفلات أو سهو من حصار جحيم الحياة-فإن روينة “صاك” طنجة خدشت حلم أمة، حلم الافتخار أمام شعوب الأرض بأن ديموقراطيتنا تضاهي الديمقراطيات الحديثة. كيف لا ولنا دستور حظي بتقدير العارفين بأنواع الدساتير، وأحزاب سياسية بتلوينات مختلفة، مؤطرة بقانون تنظيمي خاص بها. وقوانين تنظيمية خاصة بكل استحقاق انتخابي، ومؤسسات دستورية تشرف على العمليات الانتخابية بحرفية كبيرة، ملتزمة بحياد إيجابي يتوخى تحقيق النزاهة في أعلى مستوياتها…

وماذا لنا بعد؟… مصوتون لا أحد من عقلاء القوم يشك في أن لهم حرية الاختيار…كيف لا وهم من سيختارون من يشرع للأمة طيلة خمس سنوات…وأغلبتهم ستساند السلطة التنفيذية في القيام بالمتعين خدمة للبلاد والعباد…

ضبط “الصاك” بطنجة وبه أوراق تصويت…توالت البلاغات…القانون أخذ مجراه…لم يعد لقائل ما يقول…الكلام المتدلى في الشوارع لا يفقد للاستحقاق نزاهته…

وما ذا بعد؟…

الأكيد أن القضاء سيقول كلمته طبقا للقوانين ذات الصلة…إلا أن العقاب لم يكن يوما بمفرده مانعا لتكرار حدوث الجرائم. فمدارس علم الاجتماع وعلم النفس تكاد تجمع على أن ثقافة العقاب ليست دائما ذات فائدة في تغيير وتعديل السلوك البشري. ف”صاك” طنجة، انعكاس لسلوك عاش معنا، ويعيش الآن معنا، وسيعيش مع الأجيال المقبلة. فهو “صاك” لا يختلف كثيرا عن “صيكان” الحملات الانتخابية التي حملت من الوعود ما حملت. كما أنه لا يختلف عن عدد من “الصيكان” التي تقضى بها الحاجات وترفع بها “العكوسات”، وتفتح بها أبواب الأولياء الصالحين المغلقة…وتدمر بها عقول أجيال المستقبل…

وماذا بعد؟…

إننا لا نحتاج فقط لقوانين صارمة، وعقوبات قاسية لبناء مسار بلادنا الديمقراطي، بل نحتاج إلى وعي جماعي بالانتماء إلى هذا الوطن، وإلى غيرة كافية على سمعته…نحتاج إلى الكرامة التي تجعل من ذلك المستخدم البسيط، صوتا رافضا لأوامر مشغله/السيد، الذي أمره -في يوم ما، وفي مكان ما- بأن يضع علامة تصويت لفائدة حزب، في غرفة بعيدة عن مكتب التصويت…نحتاج إلى جيل يؤمن بأن الوطن هو كل شيء رائع يصنعه الفقير والغني معا بعيدا عن الأنانية…نحتاج إلى بناء مواطن يستحضر المسؤولية اتجاه الوطن، واتجاه الأجيال القادمة لحظة التعبير عن اختياره.

نحتاج إلى تعليم بصيغة المساواة بين أبناء الوطن…لا تعليما يمشي بثلاثة أرجل…عمومي، وريادته للمضطر…وخصوصي للمرغم وليس للبطل…

نحتاج إلى مؤتمن على أموال الوطن…لا على مؤشر على صكوك لهدر الملايير باسم البرامج الاستعجالية والمتوسطة والبعيدة الأمد…وباسم خرفان عيد، “بأي حال عدت يا عيد”…وباسم مغرب أخضر وأزرق وسيل من الألوان…

نحتاج إلى من يقول كفى لذئاب تضارب المصالح، ولأباطرة الاحتكار الذين يتحكمون في رقاب المستضعفين على مرأى ومسمع من العالمين…

نحتاج إلى ملايين من المواطنين فوق خط الاستواء…فوق عتبة الفقر المتعدد الأبعاد والهشاشة البنيوية…نحتاج إلى ملايين الأطفال الذين يغادرون مكرهين قاعات الدراسة، ليكملوا تعليمهم…نحتاج إلى ملايين من المواطنين خارج مدارات الأمية…وإلى ملايين لا يلهثون وراء قارب متهالك ينقلهم إلى بلاد يعتقدون أنها المنجى من الوطن…

نحتاج إلى ممثلين للأمة لا تلهيهم مشاغل الدنيا عن خدمة الوطن…أناس صادقون مع أنفسهم ومع أمتهم ومع خالقهم…لا أناس المناسبات الانتخابية، وبعدها يدخلون جحورهم “الراقية” ضنا منهم أنها واقيتهم من السخط الصامت لبؤساء هذا الوطن…

نحتاج إلى هذا، وغير هذا، لنحارب “صاك” طنجة…وكل “الصيكان” التي لا تحمل خيرا لهذه الأمة العريقة…ولا تراعي حرمة لما اجتمعت عليه من ثوابت ومرجعيات كبرى…عشت يا وطني سالما من كل “الصيكان” الفاسدة.

اقرأ النسخة الكاملة