للحراسَةِ نبلٌ لا تمنحُه الألْقاب، وشرفٌ تستمدّه من الأمانة واليقظة وصون المسؤولية. شاهدتُ، مثل غيري، شريط حارس الأمن ومستشار الوزير أمام البوابة الحديدية؛ مشهدٌ صغير يختزل فلسفةً كاملة في معنى الواجب وحدود السّلطة؛ فالحارس الذي يقف عند الباب لا يقف على هامش المؤسسة، وإنما في صميم نظامها، يؤدي مهمّة لا تصغر أمام فخامة المناصب ولا تتبدّل بتبَدُّل الألقاب. فالرتب تُحدّد مواقع الناس في الإدارة، أما النبل فيكشف مواقعهم في ميزان القيم.

واجبٌ يقفُ أمام اللَّقب

في الحراسة نبلٌ خفيّ لا تدركه العيون التي اعتادت قياس الناس بمواقعهم في سُلّم الوظائف. إنها مهنة اليقظة حين يطمئنّ الآخرون، ومهنة الأمانة حين ينصرف الجميع إلى شؤونهم، ومهنة المسؤولية التي لا تستمد قيمتها من فخامة المكاتب، ولا من قرب أصحابها من دوائر القرار.

وللحارس من شرَف المهمَّة ما يجعل وقوفه عند البوابة وقوفًا في موضع الثقة، حيث تُصان حرمة المؤسسة، وتُحترم قواعدها، ويصبح الانضباط صورة من صور الوفاء للواجب.

وأمام بوابة حديدية لإحدى الوزارات، قد يحدث أن يلتقي رجلان، أحدهما مستشار للوزير، والآخر حارس للأمن. يحمل الأول صفة وظيفية تفتح له أبواب الاجتماعات والملفات، ويحمل الثاني مسؤولية لا تسمح له بفتح الأبواب إلا وفق ما تقتضيه التَّعليمات.

في حضرة الواجب… تتواضع المناصب

جملة قد تبدو عادية في قاموس الحراسة، ثقيلة في أذن من اعتاد أن يسبق لقبه خطواته، وأن تتعرّف إليه الأبواب قبل أن يتعرَّف إلى ضوابط عُبورها. وحين يُطلب من الحارس تفسير موقفه، يأتي الجواب في بساطته المهيبة: “مهمتي حراسة البوّابة”.

وما أبلغ هذه العبارة حين تصدر عن رجل يعرف حدود مسؤوليته، ويدرك أن الأمانة لا تُجزَّأ بحسب ألقاب العابرين، وأن احترام المنصب لا يقتضي تعطيل الواجب، وأن التعليمات تفقد معناها يوم تصبح خاضعة لمزاج أصحاب النفوذ.

والمفارقة أن مستشار الوزير، بحكم موقعه، يُفترض أن يكون من أكثر الناس إدراكًا لمنطق المؤسسات، وللفارق بين الامتياز الوظيفي والاستثناء من القواعد. فالمؤسسة التي يُطالب حارسها بالانضباط لا تستقيم حين يصبح الانضباط نفسه مصدر ضيق لمن يفترض أنهم الأقرب إلى روحها.

ليس في وقوف الحارس أمام البوابة ما يجعله أقل شأنًا من الداخل إليها، ولا في دخول المستشار إلى الوزارة ما يجعل احترامه للقواعد انتقاصًا من مكانته. لكلٍّ موقعه، ولكلٍّ رسالته، وتكتمل كرامة المؤسسة حين يعرف الجميع أن الاحترام لا يسير في اتجاه واحد.

بوابةٌ من حَديد… ودرْس من ذهَب

ولعل أجمل ما في عبارة “مهمتي حراسة البوابة” أنها تختصر فلسفة كاملة في أداء الواجب؛ فالرجل لم يدّعِ سلطة خارج اختصاصه، ولم يستعر لقبًا ليس له، ولم يطلب من أحد أن يمنحه مكانة فوق مكانته.

اكتفى بأن يُذكّر بما أُسند إليه من مسؤولية. وما أندر هذا الاكتفاء النبيل في زمنٍ أصبح فيه بعض الناس يجدون في ألقابهم من الاتساع ما لا يجدونه في تواضعهم! تبقى البوابة الحديدية في مكانها، ويظل الحارس أمينًا على عُبورها، ويمضي أصحاب المناصب إلى مكاتبهم، غير أن المشهد يترك سؤالًا أكبر من تفاصيل الدخول والخروج:

إذا كان الحارس يعرف جيدًا لماذا يقف عند البوابة، فهل يعرف كل من يعبرها أين ينبغي أن تقف حدود سلطته؟ ولأنَّ الأخلاقُ المؤسَّسية لا تسكنُ النّصوص وحدها، فإنها تكشف عن جوهرها في اللحظات العابرة التي لا يستعدّ لها أحد.

وهناك، عند عتبةٍ من حديد، يتجلّى الفارق بين ثقافةٍ تجعل النظام عهدًا مشتركًا بين الجميع، وأخرى تترك للألقاب أن تستأثر بحق الاستثناء. فالحارس لا يصون بمفاتيحه منافذ المكان فحسب، ذلك أنه يحفظ، بيقظته وأمانته، خيطًا دقيقًا يصل هيبة المؤسسة بصدقية مبادئها.

لا يبلغ صاحب المنصب ذروة مكانته حين تفسح له الأبواب الطريق، يبلغهُ حين يرى في استقامة القائمين عليها امتدادًا لشرف المسؤولية التي يحملها. ولعلَّ في المشهد حكمةً تستحقُّ أن تتأمَّلها كل إدارة: فالوزارة لا تبدأ من مكتب الوزير، ولا تنتهي عند بوابتها؛ إنها تحضر بكامل هيبتها في أصغر تصرّفٍ يُنصف الواجب، ويحفظ الكرامة، ويجعل احترام الإنسان أسبق من الاعتداد بالمكانة.

في نهاية المطاف، قد تكون أرفع صُور المسؤولية أن يؤدي الإنسان واجبه كاملًا، وأرفَعُ صور المكانة أن يحترم واجب الآخرين؛ وما أكرمَ الحارس حين يصُون البوّابة بأمانته، وما أكرَم المسؤول حين يصونُ مكانته بتواضُعه.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.