لا يستقيم الحديث عن طالعة دون توأمتها، فإحداهما ملازمة للأخرى مثل مجريين للحركة لا يبغي أحدهما عن الآخر. فالطالعة الصغرى هي الوجه الآخر للكبرى مع خصوصيات عمرانية وتاريخية. فحتى وإن كانت أقل من أختها اتساعا وأقصر امتدادا، فإن تاريخها لا يقل أهمية عن الكبرى. فهي الأخرى تستهل وجودها بمعلمة تاريخية وثقافية تحولت من فندق للجمال إلى قاعة سينما ومسرح أسسها الفرنسي بير كانياردو (Pierre Gagnardo) في بداية القرن العشرين وأطلق عليها لاحقا اسم “مسرح سينما بوجلود”.
لقد مثل هذا الفضاء متنفسا ثقافيا وفرجويا لساكنة فاس المدينة القديمة على مدى أكثر من قرن من الزمن. وذلك راجع إلى أنها القاعة السينمائية الوحيدة من بين القاعات الثلاث الأخرى في المدينة القديمة: سينما “الهلال” بعدوة القرويين، وسينما “الملكية” وسينما “الأندلس” بعدوة الأندلس، التي بنيت بركح للعروض المسرحية والغنائية والتظاهرات الثقافة.
لقد استقبلت قاعة سينما بوجلود عروض فرق مسرحية قادمة من تونس مثل فرقة يوسف عز الدين سنة 1920 وفرقة الشادلي بوفريحة 1923، ومن لبنان فرقة رائد المسرح اللبناني جورج أبيض 1926، ومن مصر فرقة عزيز عيد وزوجته فاطمة رشدي سنة 1932، التي قدمت عروضها لمدة أسبوع كامل، وفرقة نجيب الريحاني سنة 1933، وفرقة الممثلة والراقصة اللبنانية بديعة مصابني المسرحية والاستعراضية 1935، وفرقة رمسيس ليوسف وهبي 1950، والمغنية التونسية صليحة بنت إبراهيم 1950.
كما كانت هذه القاعة فضاء لعروض فرق محلية هاوية مثل أول فرقة مسرحية في المغرب “جوقة المسرح الفاسي” أو “جوق التمثيل الفاسي” التي أسست سنة 1925. أما على المستوى الأدبي فقد أقيمت في رحابها وبدعوة من أدباء الحركة الوطنية ورجال الفكر والزعماء السياسيين في المغرب، مثل علال الفاسي وبالحسن الوزاني وعبد الخالق الطريس وعبد الله كنون والمكي الناصري ومحمد بن العباس القباج، تظاهرات أدبية وعلمية كبرى سواء في شكل محفل خطابي أدبي ونقدي، بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاة الشاعر المصري أحمد شوقي (1868ـ 1932). وفي إطار هذه الأنشطة الثقافية الوطنية، شهدت هذه القاعة سنة 1936 مهرجانا تاريخيا كبيرا بمناسبة ذكرى مرور ألف سنة هجرية على وفاة الشاعر العربي الكبير أبي الطيب المتنبي (915ـ 965 م)، وهو جزء من سلسلة مهرجانات أقيمت في عدة عواصم ومدن عربية آنذاك (مثل دمشق وبغداد والقاهرة) تكريما لهذا الشاعر. وقد حضر هذه التظاهرة أدباء وشعراء ورجال الفكر والسياسة من كل جهات المغرب.
كما بقيت هذه القاعة إلى حدود إغلاقها في بداية الألفينيات، إثر التراجع الكبير في الإقبال على العروض السينمائية، فضاء للأمسيات الموسيقية ولعروض فرق الهواة المسرحية بالمدينة القديمة مثل “المسرح الشعبي”، “الاتحاد الفني”، “الكواكب وغير هذه من الفرق المسرحية.
تألق في حياة قصيرة
يمكن اعتبار البوابة، مدخل الطالعة الصغرى، المقابل لسينما بوجلود، مدخلا إلى سوق الكتب والأدوات المدرسية للمدينة القديمة، بعد انتقال آخر الكتبيين في السبعينات من القرن الماضي “مكتبة القادريين” من محيط جامع القرويين (الكتبيين) إلى الطالعة الصغرى. فهنا عدد من المكتبات والدكاكين لبيع الكتب. ومن بينها وعلى يسار السوق وقبل الوصول إلى الممر الأول الرابط بين الطالعتين، دكان له تاريخ من النضال الوطني الذي كان مالكه القديم الفنان عبد الواحد الشاوي أول رئيس لأول فرقة مسرحية للهواة “جوقة المسرح الفاسي” أو “جوق التمثيل الفاسي”. كان عبد الواحد الشاوي والد الشهيدة ثورية الشاوي (1936ـ 1956) أول طيارة مغربية وأصغر ربانة طائرة في العالم، حيث حصلت على شهادة ربانة طائرة وباستحقاق، رغم العقبات التي وضعها أمامها المستعمر، وعمرها 16 سنة.
كانت لثريا الشاوي مواهب كثيرة: الأدب، وخصوصا الشعر والقصة، الخطابة والمشاركة في النشاطات السياسية ضد المستعمر الفرنسي. فضلا عن شغفها بالتمثيل. فقد أدت إلى جانب أبيها عبد الواحد الشاوي، وعمرها 13 عاما، دورا محوريا في فيلم “البوابة السابعة” للمخرج الفرنسي أندريه زوبادا الذي صور جزء كبير منه في مدينة فاس سنة 1948. وفي فاتح شهر مارس سنة 1956، يوم واحد قبل الإعلان عن استقلال المغرب، أطلقت عليها رصاصة في رأسها خارج منزل عائلتها، وقتلت في عمر 19 سنة. ولا تزال جريمة قتلها لغزا محيرا حتى اليوم.
فاس والكل في فاس
غير بعيد عن دكان عبد الواحد الشاوي، وبعد المنفذ الثاني الرابط بين الطالعتين، وقبل البوابة الثانية لمدرسة البوعناية المنفتحة على الطالعة الصغرى، تلاقينا بوابة صغيرة لا تجتذب الأنظار غير أنها تسجل بداية تاريخ أكبر دولة إسلامية في تاريخ شمال إفريقيا، التي حكمت من الأندلس إلى الحدود المصرية، دولة الموحدين (1121م 1269م)، إنها خلوة المهدية، نسبة إلى المهدي بن تومرت (1077ـ 1130م). فقد كان يتعبد هنا ويدعو إلى مذهبه الديني السياسي، وأيضا في جامع المهدية التي تنسب إليه، غير بعيد من هذه الخلوة والكائنة في درب بن سالم في مستهل الطالعة الكبرى.
بعد رحلاته إلى الأندلس والإسكندرية والحجاز والعراق ومدن شمال إفريقيا، عاد المهدي بن تومرت إلى المغرب واستقر في فاس ينشر دعوته ضد الدولة المرابطية ويهاجم فقهاء مذهبها المالكي، بل دفع تشدد مذهبه أتباعه إلى الانتشار في شوارع فاس وكسر الآلات الموسيقية، بدعوى محاربة البدع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأقيمت له مناظرة طرد بعدها من فاس، فانتقل إلى مراكش فحصل مثل ما حصل معه في فاس، ثم انتقل إلى أغمات ومنها إلى جبل تنمل الذي أسس فيه سنة 1156 مقر الدولة الموحدية.
على الجهة المقابلة لخلوة المهدي بن تومرت مع شيء من الانحراف، دكان كان مقر مطبعة النهضة التي تأسست سنة 1935 وهي واحدة من المطابع الوطنية التي ساهمت في طبع ونشر الكنانيش الفقهية، والكتب العلمية، والدواوين الشعرية لعلماء وأدباء المدينة. ومن أبرز إصداراتها القديمة كتاب “العروة الوثقى” لمحمد العلمي الحسني، كما كانت تطبع جريدة “الدفاع” التي أنشأها محمد بن الحسن الوزاني سنة 1934. فقد كان لهذه المطبعة نشاط علمي وثقافي إلى جانب مطبعة الحاج إدريس بوعياد والمطبعة الحجرية في سوق الشماعين.
إحدى معالم الطالعة الصغرى، المدرسة الحرة ذات واجهة معمارية مغربية، يرتفع فوق مدخلها قوس كبير وإلى جانبيه قوسان صغيران والكل مكسو بالزليج التقليدي الأزرق والأبيض، كنسخة مصغرة لواجهة بوابة بوجلود الخارجية. وفوق القوس الكبير لافتة زليجية كتب عليها “1368 هـ مدرسة صاحبة السمو الملكي الأميرة عائشة 1948”. ويوم افتتاحها قالت الأميرة عائشة قولتها الشهيرة التي مازال أهل فاس يرددونها كلما أشادوا بمدينهم: “فاس، والكل في فاس”.
لم ينحصر أثر فن العمارة المغربية في مدرسة لالة عائشة، بل يبدو بجلاء في العمران المريني في الطالعة الصغرى، من خلال واجهة المسجد الذي لا يبعد كثيرا عن المدرسة الحرة، ويحمل اسم مؤسسه السلطان أبو الحسن علي بن عثمان المريني (1297 ـ 1351). يتميز هذا الجامع على الرغم من صغر مساحته بمدخل ذي زخرفة جبسية بديعة وسقيفة خشبية مخروطة بمهارة يد الصانع المغربي، وخاصة صومعته التي تعكس هوية الفن المعماري المريني المتميز. ثم يزيد من قوة تجلي هذا الفن جنوبا من الجامع، سقاية السلطان أبي الحسن، الذي كان معروفا ببناء السقايات وتمرير مصادر المياه في المدينة.
فميزة هذه السقاية، التي هي من أجمل سقايات المدينة والفريدة في هندستها بين كل سقايات فاس وربما المغرب عامة، مدخل عبارة عن قوس كبير يكسوه الزليج، مثلما يكسو في ثراء من الألوان سائر السقاية من الأسفل حتى السقف، وتتوسط علوها لوحلة بيضاوية من الزليج، بنقش عليها بخط مغربي بالأبيض والأسود اسم بانيها أبي الحسن وتاريخ بنائها 1321م. وللسقاية تجويف رواق ثماني الأجزاء باللون الأبيض والأزرق، ولم يستعمل الخشب في إنشائها إطلاقا.
الدور المخزنية
بعد السقاية وعلى الجهة اليمنى نفسها من الشارع يأتي درب له تاريخ سياسي وفني، درب حمل اسم أسرة مثلت نموذج الأسرة المخزنية، حيث شغلت وظائف حساسة، فمنذ استقرار جد العائلة “سيدي يعيش” في منطقة الغرب حوالي عام 1639م وأعضاؤها يتولون المناصب الإدارة المركزية. كما لعبت هذه الأسرة دورا سياسيا ودبلوماسيا بارزا في تاريخ الدولة العلوية. فقد كسب أفراد هذه العائلة ثقة السلاطين العلويين، وتولى بعض أعضائها مناصب عالية مثل منصب حاجب السلطان. ومن أبرز أسماء هذه الأسرة التاريخيين مصطفى بن يعيش ومحمد الحسن بن يعيش. وقد استمرت هذه العائلة في تولي المناصب الحساسة حتى الوقت الحاضر، فإحدى شخصيات هذه الأسرة النسائية، كريمة بن يعيش، التي تمثل المغرب دبلوماسيا على المستوى الدولي.
أما على المستوى الفني، فقد عرف هذا الدرب في بداية القرن العشرين قاعة سينمائية في حديقة أحد منازله الفخمة سميت “سينما فكتوريا” وكان يرتادها عشاق هذا الفن السمعي البصري من سكان المدينة القديمة. ولم ينطفئ شعاع سينما فكتوريا إلا حين أنشأت قاعات سينمائية أخرى في المدينة الحديثة (دار الدبيبغ).
تتنوع أسواق الطالعة الصغرى بمعروضاتها التجارية، غير أنها عكس الطالعة الكبرى، يغلب عليها طابع السلع الحديثة التي تقدمها الحوانيت من الملابس والأحذية الرجالية والنسائية، مع أن بعض أجزاء هذا الشارع الطويل يعرف تقلبات تجارية كالسلع السياحية أو مواد التجميل الطبيعية، لكن الطابع الغالب هو المعروضات الحديثة، ونذرة البضائع التقليدية.
بعد الحيز الذي يوجد فيه درب بني عيش بعشرات الأمتار، يلاقينا قوس وبجانبه سقاية، ويقابله محل للتحف التقليدية المعروضة للسياح وهو من أعرق المتاجر في فاس. فالقوس هنا ربما مثل في حقبة معينة فاصلا بين سوقين كما عهدناه في الطالعة الكبرى، لكنه اليوم لا يمثل غير بوابة من الماضي.
نزولا مع الطالعة الصغرى، وبعد درب السيدة الحرة، المنفذ الثالث المباشر إلى الطالعة الكبرى، يلاقينا على الجهة نفسها المقر السابق لحزب الشورى والاستقلال الذي أسسه سنة 1946 محمد بن الحسن الوزاني (1910ـ 1978) والذي حل محل الحركة القومية والوطنية في المغرب.
على بعد خطوات من هذا المقر وعلى الجهة المقابلة، يلاقينا ممر سيدي أحمد بن ناصر الدرعي، الذي يحتضن معالم فنية وتاريخية ووطنية. فأولها في بداية هذا الممر، مقهى الحياني التي كان يرتادها قديما فنانون مثل عبد الوهاب الدكالي وأحمد الطيب العلج ومحمد زويتن وغيرهم من فناني المدينة القديمة، وكانت في طليعة مقاهي المدينة القديمة التي أدخلت التلفزيون، فكان هواة مشاهدة كرة القدم أو سهرات يوم السبت ولاحقا سهرات أم كلثوم يحجون إليها من أطراف كثيرة من المدينة القديمة.
على الجهة المقابلة لممر سيدي أحمد بناصر ومع انحدار قليل توجد إحدى الدور التاريخية، التي هي اليوم تعد من أفخم مطاعم المدينة القديمة “قصر المنبهي”، الذي كان ملكا للمهدي المنبهي (1870 ـ
1939)، الرجل الذي تدرج في الوظائف المخزنية من حامل للرسائل في خدمة الصدر الأعظم با حماد، كبير وزراء السلطان عبد العزيز، إلى أن أصبح وزير الحربية ثم وزير الخارجية وسفيرا إلى كل من ألمانيا وإنكلترا.
لقد تحول هذا القصر بعد إعلان الحماية الفرنسية على المغرب إلى مقر المقيم العام الفرنسي الجنرال اليوطي (1854 ـ 1934)، حيث كانت إدارته من هنا تدير أحداث ثورة الثلاثة أيام الدامية التي اندلعت من 17 إلى 19 أبريل في فاس، ثلاثة أسابيع بعد إعلان الحماية في 30 مارس سنة 1912.
بعد فترة قليلة تحول قصر المهدي المنبهي إلى أول ثانوية تعليمية في فاس قبل افتتاح ثانوية مولاي إدريس بساحة باب بوجلود، التي أسست سنة 1914.
لقد تعمدت الحركة الوطنية سنة 1946 استقبال الزعيم علال الفاسي (1910 ـ 1974) في هذا القصر بعد عودته من منفاه بالغابون. فكانت الوفود تحج إلى هذا القصر لتهنئه في المكان الذي أحرق فيه اليوطي كل وثائقه الإدارية، خشية دخول المقاوم محمد بن أحمد الحجامي الإدريسي بقواته إلى فاس في شهر ماي 1912 حيث وقف بقواته التي بلغت 3000 مقاتل من القبائل القريبة من فاس والبعيدة أمام جبل زلاغ.
غير بعيد من قصر المنبهي وعلى الجهة الأخرى، دكان في “سويقة بن صافي” كان يمارس فيه مهنة النجارة، قبل أن يصبح كاتبا وممثلا وشاعرا ترك أثره الكبير في المسرح المغربي وفي الأغنية المغربية من خلال أعماله سواء المؤلفة أو المقتبسة ومساهمات سينمائية، أحمد الطيب العلج (1928ـ 2012).
إقامة استثنائة
على بعد أمتار قليلة وعلى جهة قصر المنبهي نفسها، يوجد زقاق طويل تفضي دروبه إلى الطالعة الكبيرة عبر منفذين “زقاق الرواح” و”زقاق الماء”، وزقاق الرواح يحتضن الدار التي سكنها شيخ الطريقة التيجانية، أبو العباس أحمد التيجاني (1737 ـ 1815)، كهدية من السلطان مولاي سليمان، الذي حكم من 1792 إلى 1822 والذي كانت تجمعه بالشيخ التيجاني علاقة مريد وصداقة.
بعد عبور “السَّابَاطُ ” سقيفةٌ بينَ حائطيْن تحتَها مَمَرٌّ نافِذٌ” كما جاء في معجم العرب، في وسط المنطقة المشهورة من الطالعة الصغرى “زقاق الحجر” تلاقينا دار قديمة، سكنها العلامة الشهير القاضي عياض (1083 ـ 1149) بعد انتقاله من درب حجامة حيث سكن عند أسرة أل الغرديس التي عرفت بالعلم والفقه، حين استضافته أثناء إقامته بفاس فقد”نزل عياض “، كما جاء في العدد 5495 من مجلة دعوة الحق، “ضيفا على قاضي فاس في داره التي تقع في منتصف الدرب الصغير الأول الذي يوجد عن يسار الداخل للدرب الكبير المجاور لمسجد اللبارين بزنقة حجامة.”
نزولا مع شارع الطالعة الصغرى يلاقينا درب الروم، وكان هذا الاسم “الروم” يطلق على الأتراك الذين استوطنوا بلاد الأنضول المتاخمة لأراضي الرومان البيزنطيين، وقد وصف ابن خلدون سلطانهم بـ”سلطان الروم”، وفي هذا الدرب سكن بعض الأتراك الذين كانوا قد قدموا إلى المغرب في فترة حكم الوطاسيين. فسمي باسمهم درب الروم.
بعد الانحدار مع زقاق الحجر، يوجد مدخل قصر السلطان مولاي سليمان، هذا المدخل الذي تحول اليوم إلى الدكان الأخير قبل المنعرج. القصر، الذي سكنه مولاي سليمان (1766 ـ 1822) خلال فترة دراسته في القرويين، “لقربه من دار أستاذه الشيخ الطيب بن كيران، ودار أستاذه حمدون بالحاج، وقربه من جامعة القرويين، وهو القصر الملكي الوحيد داخل أسوار المدينة القديمة” كما جاء في شهادة الأستاذ محمد بن عبد الجليل. وعلى الرغم من هندسة القصر السلطانية، إلا أنه قصر بسيط جدا، خال من الزخرفة والزينة التي تعرف بها القصور الملكية، وهذا ينسجم مع شخصية مولاي سليمان وفلسفته في الحياة المبنية على الزهد وعدم الإسراف في طريقة العيش. فقد كانت تجمع مولاي سليمان علاقة طيبة مع سكان المدينة، وعلاقة علمية بعلمائها وروحية بصلحائها. وقد ترك عددا من المؤلفات في الفقه والتفسير والتصوف. وقد انسجم موقفه الديني مع موقف حركة محمد بن عبد الوهاب في الحجاز، غير أنه لم يغلُ غلو الوهابية بتحطيم كثير من الأضرحة والمزارات التاريخية. ويعتبر بعض المؤرخين مولاي سليمان رائد الحركة السلفية في المغرب.
بعد مغادرة قصر السلطان مولاي سليمان والانعراج نحو المنحدر نلاقي المدرسة الحسنية، نسبة إلى الأمير الحسن الثاني في عهد والده محمد بن يوسف، التي أسسها الشاعر والعلامة والأديب مولاي الطيب العلوي سنة 1942. وقد عانى هذا الأديب محنة السجن تحت الاستعمار الفرنسي “بسبب رسالة كتبها إلى أحد أصدقائه، فكانت الرسالة عبارة عن وصف مسهب لأحداث المعركة الوطنية سنة 1944 وضمنها عبارة “وزد على ذلك و..و..و”، فكانت هذه الواوات الثلاثة مكان ريبة من المستعمر الذي كان يتجسس على المراسلات ويفتحها ويقرأ ما فيها، فحوكم بسبب هذه الرسالة وفي المحكمة سئل عن الواو الأولى ثم الثانية والثالثة فلم يجب، فحكم عليه بسنتين من السجن” يقول الدكتور محمد التازي سعود.
على بعد أمتار من المدرسة الحسنية، تقابلنا في الزاوية التي تفصل الطالعة الصغرى عن الاتجاه شرق المدينة “كرنيز”، منطقة عرفت بكثرة نبات “الجرنيز في مرحلة بناء فاس، دكان كان لأحد كبار عازفي الكمان في أوساط الآلة الأندلسية، محمد بن حيون. الذي كان عازف المقطوعات المنفردة في جوق عبد الكريم الرايس، وأستاذا سابقا للآلة الأندلسية في المعهد الموسيقي لمدينة فاس، وتميز بخاصية قل ما وجدت في أحد عازفي هذا الفن الموسيقي، إن لم تكن تنعدم، إتقانه للموسيقى الكلاسيكية الغربية علاوة على الآلة الأندلسية. فقد شارك في عدد من حفلات الموسيقى الكلاسيكية مع الفرق الغربية لهذا الفن الموسيقي. وخاصة في ألمانيا.
التصوف والرؤى
على بعد عشرات من الأمتار في اتجاه نهاية الطالعة الصغرى، نجد على يمين الطريق مسجدا هو زاوية “سيدي قاسم برحمون” (1670 ـ 1737) أحد رجال التصوف في فاس القرن الثامن عشر، ومن كبار شيوخ الطريقة الوزانية، نسبة إلى مدينة وزان التي أسسها الشريف الإدريسي مولاي عبد الله بن إبراهيم (1596 ـ 1678م) في القرن السابع عشر، الذي انتقل من قرية تازروت إلى وزان. وسيدي قاسم برحمون لا يعد من علماء فاس ولا من فقهائها، بل من صلاحها، حيث كان يمارس مهنة الحياكة وبعد انتمائه إلى الطريقة الوزانية في فترة شيخها الثالث مولاي التهامي (1708-1715)، برزت مكانته الروحية والتربوية الصوفية، ما جعل سيرته مكان اهتمام عدد من المؤرخين والدارسين؛ فقد ترجم محمد بن جعفر الكتاني، والشيخ التاودي بن سودة، وبن هاشم الكتاني، وعبد الرحمان بن زيدان، ومحمد بن الطيب القادري وغير هؤلاء كثير. كما أفردت له مجلة “عوارف” دراسة وترجمة مسهبة بقلم الباحث محمد العمراني. فإلى يومنا هذا تقام في هذه الجامع كل خميس بعد صلاة العشاء أمسية ذكر صوفية يحضرها مريدو الزاوية وزوارها.
بعد مغادرتنا زاوية سيدي قاسم بن رحمون وعلى الحائط نفسه نلاقي جامعا آخر يعطي الانطباع وكأنه باب ثانية لزاوية بن رحمون فقط، لكنه جامع مستقل بذاته، وكان في الماضي يمثل نقطة تجمع الحجاج الوافدين على المدينة من المناطق القريبة والبعيدة للانضمام إلى موكب الحجاج الفاسي المتوجه إلى الديار المقدسة. من هنا أخذ المسجد اسمه “جامع الحجاج”. فخلال فترة تجمع هؤلاء الحجاج، كانت العائلات الفاسية توفر لهم الطعام والشراب طيلة فترة إقامتهم بهذا الجامع إلى غاية التحاقهم ببقية موكب الحج والانطلاق من ساحة التجمع الكبرى في عدوة الأندلس شرق فاس لإقلاع الموكب يقال لها “القليعة”.
في ختام الطالعة الصغرى، وعلى بعد أمتار قليلة من جامع الحجاج، هناك دكان جل واجهته مصبوغة باللون الأخضر وبعضه بالبني، يقال له “حانوت النبي”. تقول الحكاية إن صاحب هذا الدكان كان أيام المولد النبوي يمارس تجارته، بيع الدقيق، فأخذته سنة من النوم في دكانه، فرأى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم. فهذه الرؤيا غيرت حياته، فتوقف عن التجارة وتصدق بكل البضاعة الموجودة في الدكان وأوقفه هبة لهذه الرؤية، محبة في النبي صلى الله عليه وسلم. اقتداء بالحديث: “من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي”. فهذا الدكان من ذلك الوقت وهو مغلق لا يفتح إلا في يوم المولد النبي، واليوم السابع منه وليلة السادس والعشرين من رمضان (ليلة القدر)، تقرأ فيه الأذكار وخاصة كتاب “دليل الخيرات” للإمام محمد بن سليمان الجزولي (1404 ـ 1465م). إلا أن العلامة محمد بن جعفر الكتاني يستنكر تسمية الدكان “حانوت النبي” حتى لا يعتقد العامة من الناس أن هذا الدكان كان ملكا للنبي، بل يجب أن يقال “الحانوت التي رؤي فيها النبي.”
في الختام، هناك من التلاقي والمفارقة بين الطالعتين، فالكبرى لها سمة القديم المحافظ والصغرى الحداثة مع بعض المعالم التاريخية الحديثة والقليل منها القديمة. فإذا كانت الطالعة الكبرى تحتوي على عدد من الأقواس وأبواب الأسواق، والفنادق، فالصغرى لا تحتوي إلا على قوسين ولا يتميز سوق منها عن الآخر، ولا يوجد فيها فندق واحد، لأن الفنادق التي كانت موجودة فيها إما حولت في بداية الستينات من القرن الماضي إلى شقق سكنية، أو تحولت إلى محلات تجارية. في الوقت الذي تملك الطالعة الكبرى حمامين، وفرانين، لا تملك الصغرى إلا حماما واحدا وفرانا واحدا. غير أن ميزة الصغرى عن الكبرى، تفوقها في عدد السقايات، فالطالعة الكبرى لا تحتوي إلا على ثلاث سقايات وسقاية الكلب، بينما الصغرى تحتوي على ست سقايات مباشرة وواحدة غير مباشرة في سويقة بن صافي. وإذا كانت لا توجد بالطالعة الكبرى صيدلية ولا بنك، فالصغرى لها بنكها وصيدليتها من منذ فترة بعيدة.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر