يشكل تكليف العاهل المغربي الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة المغربية الجديدة، كأول امرأة تتولى قيادة الجهاز التنفيذي في تاريخ البلاد، منعطفاً لافتاً في المشهد السياسي المغربي.

فبينما يرى مؤيدو الخطوة أنها تتويج دستوري لمسار تراكمي قطعه المغرب في إرساء مبادئ المناصفة وما أفرزته صناديق الاقتراع، ينظر آخرون إلى التعيين باحتراز، واضعين إياه في ميزان الاختبار الفعلي: هل يشكل بداية لتحول اجتماعي وتشريعي ينعكس على ملايين النساء والشباب، أم يظل خطوة محسوبة ذات أبعاد رمزية؟

استحقاق دستوري ومسار تراكمي أم "واجهة"؟

يرفض الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، الشرقاوي الروداني، في تصريح خاص لـ DW عربية، اختزال هذا التعيين في كونه مجرد رسالة سياسية موجهة للخارج كما قُرِء في الإعلام الغربي، مشدداً على أن ذلك يفوّت قراءة السياق السياسي والمؤسساتي الداخلي.

وأوضح الروداني أن "الملك محمد السادس، عيّن فاطمة الزهراء المنصوري بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية، فنحن أمام مسار مؤسساتي نابع من صناديق الاقتراع".

وأضاف المتحدث أن المنصوري ، الملقبة داخل حزبها بالمرأة الحديدية"راكمت تجربة تمتد لنحو عقدين بين رئاسة بلدية مراكش، والعمل البرلماني، والمسؤولية الوزارية، والقيادة الحزبية، وبالتالي فالسؤال ليس لماذا اختار المغرب امرأة، بل هل تتوفر على الشرعية والخبرة؟"

من جهتها، ترى الفاعلة السياسية والحقوقية، فوزية الحرشاوي، في تصريح لـ DW عربية، أن وصول امرأة إلى هذا المنصب يمثل "حدثاً تاريخياً هاماً من حيث دلالته الرمزية لكسر السقف وإعمال المبدأ الدستوري للمساواة في الحقوق السياسية".

غير أنها استدركت قائلا إن "وصول امرأة إلى هذا المنصب ليس غاية في حد ذاته، بل بداية لمرحلة جديدة يُفترض أن تجعل المساواة في صلب السياسات العمومية"، معتبرة أن الكفاءة والنتائج خلال السنوات المقبلة هما المحدد الأساسي للحكم.

وفي المقابل، تؤكد مديرة مكتب مؤسسة "فريدريش إيبرت" الألمانية في الرباط، أنيا فرويدنرايش، في تصريحات لـ DW، أن التكليف يحمل طابعاً رمزياً بارزاً وسيجعل من المنصوري "نموذجاً ملهماً للفتيات والنساء في المغرب والمنطقة".

لكن فرويدنرايش ربطت ذلك باستراتيجية المملكة في تقديم نموذج تحديثي للعالم يوازي مشاريعها الاقتصادية الكبرى، لافتة إلى أن مزاج الشارع يظل منقسماً بين الفخر بوجود امرأة على رأس السلطة التنفيذية، وبين من يرى في الخطوة مجرد واجهة ترويجية لصورة البلاد.

حدود الصلاحيات الدستورية وثقل الملفات الاجتماعية

وحول هامش التحرك الفعلي لرئيسة الحكومة، أكد الشرقاوي الروداني في تصريحاته لـ DW عربية أن صلاحيات المنصوري "ليست رمزية بل محددة بنصوص دستورية دقيقة"، مستشهداً بالفصلين 89 و90 من الدستور المغربي، اللذين يمنحان الحكومة صلاحية ممارسة السلطة التنفيذية وتسيير الإدارة وممارسة السلطة التنظيمية تحت إشراف رئيسها، فضلا عن مداولات مجلس الحكومة في السياسات العامة.

وشدد الروداني على ضرورة تجنب قراءتين متطرفتين: "تصوير رئيس الحكومة كحاكم مطلق، أو اختزال دوره في وظيفة شكلية"، مؤكداً أن الامتحان الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأدوات الدستورية إلى فعالية ميدانية. وأضاف أن مواجهة غلاء المعيشة والبطالة تتطلب قيادة أغلبية برلمانية متماسكة لتمرير القوانين وتطبيق البرنامج الحكومي استناداً إلى الفصل 88.

وتتقاطع فوزية الحرشاوي مع هذه الرؤية في تصريحها لـ DW عربية، حيث دعت إلى الانتقال فوراً إلى معالجة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية الملحة، وفي مقدمتها "إدماج أكثر من مليوني شاب وشابة خارج التعليم والتدريب وسوق العمل عبر خلق فرص شغل لائقة وتكوينات مناسبة، وتشجيع المقاولين الشباب والنساء بتسهيل التمويل والمواكبة".

وأضافت المتحدثة أنه يجب العمل أيضا على "إقرار المساواة في الأجور في وقت أصبحت فيه النساء معيلات لعدد كبير من الأسر، والتركيز على تجويد قطاعي الصحة والتعليم". وأكدت الحرشاوي أن التحديات المطروحة مشتركة وتتطلب عملاً جماعياً للحكومة بكامل مكوناتها.

بينما تستبعد أنيا فرويدنرايش في حديثها لـ DW حدوث قطيعة مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية السابقة، مرجحة إعادة إنتاج التحالف الحكومي ذاته مع تعديلات طفيفة، وهو ما قد يكرس النهج القائم دون تغيير جوهري في بنية اتخاذ القرار أو معالجة الاختلالات الهيكلية.

بين كسر السقف السياسي وتحسين وضع النساء

وفيما يتعلق بأثر هذا التعيين على واقع المرأة المغربية، يميز المحلل السياسي الشرقاوي الروداني لـ DW عربية بين "كسر السقف الرمزي وتوسيع المصعد الاجتماعي"، موضحاً أن التعيين فتح أعلى منصب تنفيذي في الممارسة العملية أمام النساء.

لكنه يرى أن الأثر الاجتماعي لذلك، يتطلب "توسيع المصعد لملايين المغربيات عبر التعليم وتكافؤ الفرص والولوج لسوق الشغل والمسؤولية الاقتصادية لكي يتحول الرمز إلى تغيير مجتمعي عميق".

وعن شعبيتها بين الشباب، أشار الروداني إلى أن المنصوري تمتلك تجربة متعددة المستويات تؤهلها للربط بين الدولة والمواطن، لكن الجيل الجديد "لا ينتظر خطابات، بل نتائج ملموسة في العدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية والخدمات".

من جانبها، أوضحت فوزية الحرشاوي لـ DW عربية أن المنصوري تشبه غيرها من النساء اللواتي دخلن معترك السياسة وفق قناعاتهن الحزبية، مشيرة إلى وجود فاعلات ومناضلات أخريات في المشهد يحظين أحياناً بحضور وتتبع أكبر لدى الفئات الشابة والنسائية.

وشددت الحرشاوي على أن شعبية الحكومة ورئيستها ستظل رهينة قدرتها على الاستجابة لتطلعات جيل يطالب بإصلاحات جذرية في العيش الكريم وتطوير الخدمات الأساسية.

من جانبه، أوضح أحمد بن شمسي، مدير التواصل والمرافعة بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، لـ DW، أن المنظمة لا تعلق على التعيينات السياسية، لكنه أشار إلى أن المؤسسة الملكية دعمت مسار حقوق النساء تاريخياً، مبرزاً أن إقرار مدونة الأسرة عام 2004 كخطوة حسنت حقوق الطلاق.

غير أن بن شمسي اعتبر أن تلك الإصلاحات "لم تذهب بعيداً بشكل كاف"، مستشهداً بقوانين الإرث التي ما زالت تميز لصالح الرجال.

وفي هذا السياق التشريعي، تلفت أنيا فرويدنرايش في تصريحها لـ DW إلى مفارقة غياب ملف إصلاح "مدونة الأسرة" عن البرنامج الانتخابي لحزب المنصوري، رغم خطابه التحديثي، واقتصاره على وعود طفيفة برفع النشاط الاقتصادي للنساء، معتبرة أن المدونة تظل المحك الحقيقي لأي تغيير يمس المعيش اليومي لعموم المغربيات.