أعاد فوز “الحزب الكيبيكي” الداعي إلى استقلال مقاطعة كيبيك ملف الوحدة الوطنية إلى صدارة النقاش السياسي في كندا، في وقت تستعد فيه ألبرتا، المقاطعة النفطية الواقعة غرب البلاد، لتصويت قد يفتح بدوره الطريق أمام استفتاء بشأن مستقبلها داخل الاتحاد الكندي، ما يضع حكومة رئيس الوزراء مارك كارني أمام تحديين انفصاليين مختلفين في المنطلقات لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد يتعلق بمستقبل الدولة الفدرالية.

وأعلن بول سان-بيار بلاموندون، زعيم “الحزب الكيبيكي”، عقب فوز حزبه في انتخابات المقاطعة الناطقة بالفرنسية، أن كيبيك “تستحق أن تصبح دولة”، مؤكدا أمام أنصاره في مونتريال أن مسيرة الناطقين بالفرنسية في أمريكا الشمالية للحفاظ على خصوصيتهم الثقافية ستجد معناها الكامل عندما يحصل شعب كيبيك على دولته والاعتراف السياسي المترتب على ذلك.

وقال بلاموندون، البالغ من العمر 49 عاما والمرشح لقيادة الحكومة الجديدة، إن سكان المقاطعة يستحقون امتلاك دولتهم “مثل بقية الشعوب التي لديها دولها وأنظمتها الديمقراطية”، وذهب إلى اعتبار المسألة مرتبطة بـ”البقاء” الثقافي والقومي للفرنكوفونيين في أمريكا الشمالية.

ويعود “الحزب الكيبيكي” إلى السلطة بعد غياب استمر 12 عاما، حاملا معه مشروعا سياسيا يقوم على إعادة طرح الاستقلال على الناخبين من خلال استفتاء جديد، سيكون الثالث في تاريخ المقاطعة بعد استفتاءي 1980 و1995.

غير أن بلاموندون اختار ربط موعد الاستفتاء بالوضع السياسي والاقتصادي في أمريكا الشمالية، وأوضح أن حزبه يفضل الانتظار إلى ما بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2029، معتبرا أن النزاع التجاري القائم بين كندا والولايات المتحدة لا يسمح حاليا بإجراء نقاش هادئ حول مستقبل كيبيك.

وقال زعيم الحزب أمام أنصاره إن الاستفتاء “فرصة لاتخاذ القرار بأنفسنا”، مضيفا أن سكان كيبيك وحدهم يملكون حق تحديد مستقبلهم الوطني.

ويمنح الفوز الحزب موقعا سياسيا قويا، لكنه لا يوفر له أغلبية مطلقة، بعدما حصل على نحو 28 في المائة من الأصوات وفق النتائج شبه النهائية، ما يفرض على بلاموندون إدارة حكومة أقلية والبحث عن تفاهمات مع أحزاب أخرى إذا أراد الاستمرار حتى الموعد الذي حدده للاستفتاء.

ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة إشكالية رافقت التاريخ الحديث لكندا لعقود، بعدما اقتربت كيبيك عام 1995 من الانفصال بفارق محدود للغاية، قبل أن يتراجع الزخم الاستقلالي خلال السنوات اللاحقة ويبتعد الاستفتاء عن أولويات النقاش السياسي.

كيبيك تعيد فتح جرح 1995

لا تبدأ النزعة الانفصالية في كيبيك مع الانتخابات الأخيرة، إذ ترتبط بتاريخ طويل من التوتر بين الهوية الفرنكوفونية للمقاطعة والبنية الفدرالية لدولة يغلب عليها الطابع الأنغلوفوني.

وشهدت المقاطعة أول استفتاء حول الاستقلال عام 1980، حين رفض أغلب الناخبين خيار الانفصال، ثم عاد السؤال بصورة أكثر حدة عام 1995، عندما انتهى التصويت بفوز معسكر البقاء ضمن كندا بفارق ضئيل جدا.

ومنذ ذلك التاريخ، بقيت المسألة حاضرة في الحياة السياسية وإن فقدت كثيرا من زخمها الشعبي، فيما ركزت الحكومات المتعاقبة على الاقتصاد والهجرة والخدمات العامة وحماية اللغة الفرنسية.

فوز “الحزب الكيبيكي” أعاد الاستفتاء إلى جدول الأعمال الرسمي، وهو ما دفع صحيفة “ذا غلوب أند ميل” الكندية إلى اعتبار أن كندا مطالبة بالاستعداد لـ”فصل جديد مضطرب” في مسألة الوحدة الوطنية.

وحاول بلاموندون، في الوقت نفسه، تخفيف مخاوف المقاطعات الأخرى، مؤكدا أن مشروع الاستقلال “ليس مبنيا ضدها”، كما وجه رسالة باللغة الإنجليزية إلى سكان كيبيك الأنغلوفونيين تعهد فيها بأن يكون “رئيس وزراء الجميع”.

لكن العودة السياسية القوية للحزب لا تعني أن أغلبية سكان كيبيك تؤيد الانفصال، إذ تشير استطلاعات حديثة إلى أن نسبة المستعدين للتصويت بـ”نعم” للاستقلال تدور حول 30 إلى 31 في المائة فقط.

ويكشف هذا الفارق بين نتيجة الحزب ونسبة مؤيدي الانفصال أن جزءا من ناخبيه قد يكون صوت له لأسباب تتعلق بالاقتصاد أو اللغة أو إدارة المقاطعة، من دون أن يكون مستعدا للمضي نحو إقامة دولة مستقلة.

ويحتاج بلاموندون، لذلك، إلى تحويل نجاحه الانتخابي إلى دينامية سياسية أوسع إذا أراد الاقتراب من استعادة الأرقام التي سجلها معسكر الاستقلال في تسعينيات القرن الماضي.

ويواجه أيضا تحدي بقاء حكومته، إذ قد يؤدي وضع الأقلية إلى انتخابات مبكرة قبل بلوغ عام 2029، وهو السيناريو الذي دفع أستاذ القانون في جامعة أوتاوا إيرول مينديز إلى القول إن أفضل ما يمكن أن يفعله كارني حاليا هو الانتظار.

ويرى مينديز أن بلاموندون “ليس بالقوة التي كان يرغب فيها”، وأن حكومة الأقلية قد لا تصمد طويلا، ما قد يسمح للحكومة الفدرالية بتجنب الدخول في مواجهة مباشرة بشأن الاستفتاء.

كارني رفض، مع ذلك، فكرة الانتظار، وقال إن كندا وكيبيك تمران “بلحظة حاسمة”، وإن الظروف الحالية تفرض التحرك وعدم تأجيل الملفات الكبرى سنوات.

كارني بين واشنطن والضغوط الداخلية

يأتي صعود النزعة الانفصالية في كيبيك في توقيت حساس بالنسبة إلى رئيس الوزراء الكندي، الذي جعل خلال الأشهر الأخيرة من وحدة “فريق كندا” محورا أساسيا في مواجهة التوتر التجاري مع الولايات المتحدة.

ويعتمد الاقتصاد الكندي بصورة واسعة على السوق الأمريكية، فيما ازدادت صعوبة العلاقات التجارية بين البلدين منذ نهاية غشت، وهو ما دفع الحكومة الفدرالية إلى البحث عن وسائل لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتسريع مشاريع اقتصادية داخلية.

وفي ظل النظام الفدرالي الكندي، تتمتع المقاطعات بصلاحيات واسعة في قطاعات أساسية، ما يجعل تعاون الحكومات المحلية ضروريا لتنفيذ كثير من المشاريع.

ويعني وصول حزب انفصالي إلى الحكم في كيبيك أن كارني سيضطر إلى التعامل مع حكومة تتعاون معه في الملفات الاقتصادية اليومية، بينما تعمل في الوقت نفسه على التحضير سياسيا لمشروع قد ينتهي بانفصال المقاطعة عن كندا.

وحاول رئيس الوزراء في أول رد فعل تجنب التصعيد، وكتب على منصة “إكس” أن “بناء كيبيك أقوى يقع في صلب مهمتنا لبناء كندا أقوى”، معربا عن تطلعه إلى العمل مع بلاموندون لدعم العمال والشركات في المقاطعة المتضررين من الرسوم الجمركية الأمريكية.

غير أن الخلاف بين الطرفين لا يقتصر على الاستفتاء، إذ أعلن بلاموندون عزمه وقف تمويل ممثلة التاج البريطاني في كيبيك، واصفا استمرار هذا النظام بأنه “مهزلة تكلف أموالا”.

وتعد كندا ملكية دستورية، ويشغل الملك تشارلز الثالث منصب رئيس الدولة، بينما تمارس ممثلة التاج في كيبيك وظائف دستورية تشمل المصادقة على القوانين التي يقرها برلمان المقاطعة.

ويريد بلاموندون تحويل الأموال المخصصة لهذا المنصب إلى برامج اجتماعية، من بينها مكافحة التشرد، في خطوة تحمل بعدا رمزيا واضحا بالنسبة إلى الحركة الاستقلالية.

ويفتح هذا الطرح مواجهة محتملة مع الإطار الدستوري الفدرالي، خصوصا أن تغيير موقع التاج داخل النظام السياسي لا يخضع لإرادة حكومة المقاطعة وحدها.

كما أن الحكومة الفدرالية تواجه في الوقت نفسه اعتراضات من جماعات السكان الأصليين على مشروع كبير لخط أنابيب النفط، وانتقادات نقابية لإصلاحات مرتبطة بقانون العمل، ما يزيد صعوبة الموازنة بين تسريع المشاريع الاقتصادية والحفاظ على التوافق السياسي والاجتماعي.

ألبرتا تفتح جبهة مختلفة

وبينما يرتبط الاستقلال في كيبيك بالهوية الفرنسية والتاريخ الثقافي للمقاطعة، تتحرك النزعة الانفصالية في ألبرتا من خلفية مختلفة يغلب عليها البعد الاقتصادي والخلاف مع أوتاوا بشأن النفط والضرائب والسياسات البيئية.

ويستعد سكان المقاطعة الواقعة غرب كندا للتصويت في 19 أكتوبر على مسار قد يفضي إلى تنظيم استفتاء حول الاستقلال.

ولا يبدو التأييد للانفصال في ألبرتا بالقوة نفسها المسجلة تاريخيا في كيبيك، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن المؤيدين للمشروع يمثلون نحو ربع الناخبين.

لكن مجرد وصول المسألة إلى مرحلة التصويت يمنحها ثقلا سياسيا إضافيا، خصوصا أن ألبرتا واحدة من أغنى المقاطعات الكندية بسبب احتياطياتها النفطية الضخمة.

ويشتكي جزء من الرأي العام في المقاطعة منذ سنوات مما يعتبره توزيعا غير منصف لعائدات الثروة، ومن السياسات الفدرالية المتعلقة بالطاقة والانبعاثات، وهي خلافات غذت تيارا يرى أن أوتاوا لا تمثل مصالح ألبرتا الاقتصادية بالشكل المطلوب.

وإذا كانت كيبيك تقدم مشروعها باعتباره امتدادا لمسار قومي وثقافي طويل، فإن الخطاب في ألبرتا يرتبط بصورة أوضح بالثروة والموارد والعلاقة المالية مع الحكومة المركزية.

هذا الاختلاف لا يقلل من أثر الحركتين على الحكومة الفدرالية، إذ تجد أوتاوا نفسها أمام مقاطعة شرقية كبرى يقودها حزب يطالب بدولة مستقلة، ومقاطعة غربية غنية بالنفط تناقش بدورها مستقبلها داخل الاتحاد.

وتزيد هذه التطورات من الضغوط على خطاب كارني الداعي إلى وحدة الصف في مواجهة الولايات المتحدة، لأن “فريق كندا” الذي يسعى رئيس الوزراء إلى تقديمه موحدا في الخارج يشهد في الداخل عودة قوية للأسئلة المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة والهوية.

ومن شأن أي تقدم في مسار الانفصال داخل إحدى المقاطعتين أن ينعكس على الأخرى، حتى مع اختلاف السياقات، إذ يمكن أن تتحول تجربة كيبيك إلى مرجع سياسي للنقاش في ألبرتا، فيما سيستخدم الفدراليون ضعف التأييد الشعبي للانفصال في المقاطعتين للدفاع عن قدرة الاتحاد الكندي على الاستمرار.

ولا يزال الطريق إلى أي انفصال فعلي بعيدا، خصوصا أن بلاموندون يحتاج إلى الحفاظ على حكومته حتى الموعد الذي حدده للاستفتاء، ثم إقناع أغلبية الناخبين بالتصويت لصالحه، بينما يواجه دعاة الاستقلال في ألبرتا نسبة تأييد أقل.

غير أن نتيجة انتخابات كيبيك غيرت طبيعة النقاش.

فمشروع الاستقلال الذي ظل سنوات خارج دائرة القرار عاد الآن إلى برنامج حكومة منتخبة، فيما تستعد ألبرتا لتصويت يضع المسألة نفسها، ولو من زاوية مختلفة، أمام الناخبين.

وتأتي هذه التطورات في لحظة تحاول فيها كندا إعادة ترتيب اقتصادها وعلاقاتها التجارية، وتخفيف آثار النزاع مع الولايات المتحدة، وإطلاق مشاريع وطنية تحتاج إلى تعاون المقاطعات.

وهكذا يجد كارني نفسه أمام معادلة سياسية معقدة: مواجهة ضغوط واشنطن في الخارج، والحفاظ في الداخل على تماسك اتحاد فدرالي عادت داخله نزعات الانفصال إلى واجهة النقاش من مونتريال شرقا إلى ألبرتا غربا.