بيدرو سانشيز.. "مقامر سياسي" يراهن على انتزاع ثقة الناخبين الإسبان
رسّخ رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، المتخصص في المجازفات السياسية، صورة زعيم يصعب إخراجه من المشهد، بعدما تجاوز خلال السنوات الماضية أزمات وانتكاسات كان من شأنها أن تنهي المسار السياسي لخصوم أقل قدرة على المناورة؛ فيما أسهمت مواقفه الخارجية، خصوصا مواجهته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منحه حضورا متزايدا داخل أوساط اليسار الأوروبي.
وتكثف سنة 2026 وحدها كثيرا من سمات المسار السياسي لسانشيز؛ من القرارات المفاجئة إلى الرهان على قلب موازين اللحظة في أشد الظروف تعقيدا، وصولا إلى قراره الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة وسط أزمة السكن التي تضغط على حكومته، في مقابل سيل من الانتقادات ودعوات الاستقالة القادمة من أحزاب اليمين واليمين المتطرف.
وكان موقفه الرافض للحرب على خلفية الملف الإيراني، والذي عبّر عنه بشعار “لا للحرب” في مواجهة دونالد ترامب، من أكثر اللحظات التي لفتت الأنظار إلى رئيس الحكومة الإسبانية داخليا وأوروبيا بعد ثماني سنوات على وصوله إلى السلطة.
كما ساهمت مواقفه المتكررة تجاه الحرب في غزة، واتهامه إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية”، إلى جانب تمسكه بسياسة هجرة أكثر انفتاحا من تلك المعتمدة في عدد من الدول الأوروبية، في تعزيز صورته بوصفه أحد الوجوه البارزة لليسار الأوروبي في مرحلة تعرف فيها القارة صعودا متواصلا لقوى اليمين.
غير أن الصورة تبدو أكثر تعقيدا داخل إسبانيا، إذ كشفت الأشهر الأخيرة من ولايته حجم الصعوبات التي يواجهها رئيس حكومة لا يتوفر على أغلبية برلمانية مستقرة؛ فيما زادت قضايا قضائية تطال زوجته وعددا من المقربين منه داخل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني من الضغوط السياسية المحيطة به.
ووجد سانشيز نفسه كذلك أمام اختبار صعب خلال أزمة الهجرة، التي اندلعت بعد وصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة في نهاية يوليوز 2026؛ وهي أزمة أضافت ملفا حساسا إلى قائمة القضايا التي باتت تضغط على حكومته.
الرجل، الذي يبلغ من العمر 54 عاما والذي مارس كرة السلة في شبابه، سبق أن اختصر نظرته إلى السياسة بعبارة رياضية واضحة، حين كتب في سيرته الذاتية الصادرة سنة 2019 تحت عنوان “دليل المقاومة”: “تعلمتُ أن أبذل أقصى ما أستطيع إلى أن يطلق الحكم صافرة نهاية المباراة”. وتبدو العبارة معبرة عن مسار سياسي قام في جزء مهم منه على القدرة على البقاء، فقد خرج سانشيز أكثر من مرة من أزمات اعتقد خصومه أنها ستكون نهايته.
وكان يلقب في بدايات مساره بـ”الوسيم”، بسبب ملامحه التي شبّهها البعض بالممثل الأمريكي جورج كلوني؛ غير أن صورته السياسية سرعان ما تجاوزت الجانب الشكلي، حتى إن بابلو إغليسياس، الزعيم السابق لحزب بوديموس اليساري الراديكالي ونائب رئيس الحكومة السابق، وصفه بأنه “رجل ذكي جدا وقاتل سياسي، لأنه بارد”.
ولد بيدرو سانشيز في مدريد يوم 29 فبراير 1972 لأم موظفة وأب رجل أعمال، ودرس الاقتصاد؛ فيما واجه لاحقا اتهامات بسرقة أجزاء من أطروحته الجامعية، وهي اتهامات ظل ينفيها.
وتولى قيادة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني سنة 2014، في وقت كانت إسبانيا لا تزال تعالج تداعيات الأزمة المالية التي اندلعت سنة 2008؛ غير أن تجربته الأولى على رأس الحزب انتهت بنتائج انتخابية هي الأسوأ في تاريخ التنظيم، قبل أن يضطر إلى مغادرة القيادة.
بعد ستة أشهر فقط، عاد من جديد إلى رئاسة الحزب في واحدة من أولى عوداته السياسية اللافتة، عقب جولة في مختلف أنحاء إسبانيا على متن سيارته “بيجو 407″، رفقة ثلاثة من المقربين منه؛ وهي أسماء ستجد نفسها بعد سنوات في قلب قضايا قضائية أثقلت مسيرته السياسية.
قادته هذه المثابرة إلى رئاسة الحكومة في يونيو 2018، بعد نجاحه في إسقاط حكومة المحافظ ماريانو راخوي عبر مذكرة لحجب الثقة، مستفيدا من فضيحة فساد أضعفت الحزب الشعبي والحكومة آنذاك.
لكن الوصول إلى رئاسة الحكومة لم يمنحه استقرارا سياسيا سهلا؛ فقد حكم بأغلبية هشة، واضطر إلى الدعوة إلى انتخابين تشريعيين متتاليين سنة 2019 بعدما تعذر عليه توفير أغلبية تسمح بتنصيب حكومة مستقرة.
وفي سنة 2020، اختار التحالف مع خصومه السابقين داخل حزب بوديموس؛ في خطوة فتحت مرحلة جديدة من الحكم المشترك بين الاشتراكيين واليسار الراديكالي.
وعاد شبح النهاية السياسية ليلاحقه بعد الهزيمة التي تعرض لها اليسار في الانتخابات المحلية في مايو 2023؛ غير أن سانشيز لجأ مرة أخرى إلى واحد من رهاناته المعتادة، فدعا إلى انتخابات تشريعية مبكرة بعد شهرين فقط.
حلّ حزبه ثانيا خلف الحزب الشعبي بقيادة ألبرتو نونييث فييخو؛ إلا أن سانشيز نجح، بعد مفاوضات طويلة، في تأمين الأصوات الضرورية لإعادة تنصيبه رئيسا للحكومة.
ولتحقيق ذلك، اضطر إلى تقديم تنازلات سياسية مهمة؛ أبرزها قبول قانون للعفو عن الانفصاليين المتورطين في محاولة انفصال كتالونيا سنة 2017، بعدما كان يعارض سابقا مثل هذا الإجراء.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح سانشيز هدفا دائما لانتقادات المعارضة اليمينية واليمينية المتطرفة. كما واجه صعوبات داخل المعسكر الواسع والمتعدد الذي تعتمد عليه حكومته للاستمرار.
ولم يستطع تمرير عدد من أبرز مشاريعه داخل البرلمان، وكان آخر الانتكاسات رفض النواب مرسومين متعلقين بالسكن؛ وهو الملف الذي تحول إلى واحد من أكبر مصادر الضغط الاجتماعي والسياسي على حكومته.
كما اضطر إلى الحكم سنوات بالموازنة نفسها، بعدما فشل في الحصول على الدعم البرلماني اللازم لإقرار موازنة جديدة؛ وهو وضع يعكس هشاشة التوازنات التي قامت عليها ولايته.
أمام هذا الانسداد، عاد سانشيز إلى الأسلوب الذي رافقه خلال مسيرته السياسية، وقرر المبادرة بدل انتظار استنزاف حكومته، معلنا انتخابات تشريعية مبكرة، في خطوة جديدة يختبر من خلالها قدرته على تحويل لحظة ضعف إلى فرصة للبقاء.
وإذا كان خصومه يرون في الانتخابات فرصة لوضع حد لثماني سنوات من حكمه، فإن تجربة سانشيز السابقة تجعل من الصعب إعلان نهاية مساره قبل ظهور نتائج صناديق الاقتراع، فقد بنى الرجل جزءا كبيرا من حياته السياسية على العودة من مواقع كان يبدو فيها أقرب إلى الخروج؛ وهو ما جعل عنوان سيرته الذاتية، “دليل المقاومة”، أقرب إلى وصف لمسيرته منه إلى مجرد اختيار أدبي.