في خضم تقلبات الإمدادات العالمية واستمرار منحى تصاعدي لأسعار الطاقة يبعث القرار الأخير لمجموعة “أوبك بلس”، الأحد، القاضي بتثبيت إنتاج النفط لشهر نونبر 2026، دلالات جيوسياسية لافتة ورسائل اقتصادية لا تخطئها أعين محللي الأسواق.
وتتزامن هذه الخطوة مع اتساع رقعة “حرب المضايق” وتصاعد المخاوف الجدية من إغلاق “باب المندب” ومضيق هرمز، ما يهدد مسارات الملاحة والتجارة العالميتين.
المشهد الدولي المعقد مازال يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصادات المستورِدة للطاقة، وفي مقدمتها المغرب، حيث يستمر “المكوّن البترولي” في فرض ضغوط قوية على التوازنات الماكرو-اقتصادية، ما يحتم إعادة النظر إستراتيجياً في معادلة الفاتورة الطاقية للمملكة؛ بوصفها أكثر الملفات الحارقة التي ستُمسكها يد الحكومة الجاري تشكيلها.
دلالات التثبيت وإدارة المخاطر الجيوسياسية
يتجاوز قرار “أوبك بلس” كونه “إجراءً تقنياً بحتاً يتعلق بكميات الإنتاج، ليمثل توجهاً إستراتيجياً لإدارة المخاطر المرتبطة بالسوق”. والتأكيد هنا للخبير الدولي في علوم الطاقة عبد الصمد ملاوي، الذي أوضح، في تصريح لهسبريس، أن “الجغرافيا السياسية أضحت العامل الأساسي والمحدد الفعلي لأسعار النفط على المستوى العالمي”.
وفي السياق ذاته اعتبر محمد جواد مالزي، الأستاذ الجامعي المختص في اقتصاديات الطاقة، أن “هذا التثبيت يعكس محاولة لإدارة حالة عالية من عدم اليقين”، وقال في حديثه لجريدة هسبريس إن “السعر المرتفع لا يعود إلى نقص واضح في القدرة الإنتاجية، بل يتضمن أساساً علاوة المخاطر الجيوسياسية”، مضيفا أن “التحالف يوجه رسالة استقرار إلى السوق، معترفاً عملياً بأن معالجة ارتفاع الأسعار لم تعد مقتصرة فقط على زيادة الضخ”.
حرب المضايق وتحديات الوصول للأسواق
أوضح ملاوي أن الإشكالية الحالية لسوق النفط لا تكمن في حجم العرض الذي تنتجه الدول، بل تتجلى في القدرة على إيصال هذه الإمدادات بسلام إلى الأسواق العالمية، وشدد على أن المخاطر المحدقة بمضيقي هرمز وباب المندب تضيف علاوات مستمرة على سعر البرميل، مبرزاً أن تراجع حركة الملاحة بالبحر الأحمر يحول دون تكوين رؤية واضحة لاستقرار الأسعار.
ويتقاطع هذا التحليل مع قراءة الأستاذ مالزي، الذي أكد أن “العقدة المحورية انتقلت من مسألة وفرة الإنتاج إلى مسألة قابلية الوصول إلى السوق”، وتابع بأن “النفط قد يكون متوفراً فيزيائياً، لكن تكاليف النقل والتأمين ارتفعت بشكل مقلق”، وخلص إلى أن منظمة “أوبك بلس” فقدت السيطرة المطلقة على المتغيرات اللوجستية والأمنية، ما يجعل التنبؤ بالأسعار “رهيناً بقراءة الاقتصاد السياسي للطاقة ومآلات الصراعات”.
ارتدادات الصدمة على المغرب
على المستوى الوطني حذر ملاوي من “الحساسية البالغة لهذا السياق الدولي وتأثيره المباشر على المغرب”، وكشف أن “استمرار التبعية للمنتجات البترولية سيرفع الفاتورة الطاقية إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 138 مليار درهم مع نهاية السنة”.
وزاد المصرح عينه أن هذا الارتفاع “يضغط بشدة على الميزان التجاري والحساب الجاري ويُضعف قطاعات اقتصادية متعددة”.
من جهته اعتبر مالزي أن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل “صدمة خارجية تنقل جزءاً من التضخم العالمي إلى الحسابات الوطنية”، موردا أن هذا الوضع يوسع العجز التجاري ويرفع الطلب على العملات الأجنبية، ومنبها إلى أن غلاء المحروقات يرفع مباشرة تكاليف النقل والصناعة والفلاحة، ما يهدد تنافسية المقاولات والقدرة الشرائية للأسر، ويضع المالية العمومية أمام “مفاضلة دقيقة لحماية التوازنات”.
الهيدروجين الأخضر والانتقال نحو السيادة الطاقية
لمواجهة هذه الهشاشة الهيكلية أكد الأستاذ ملاوي أن الرد الإستراتيجي للمغرب لا ينبغي أن يقتصر على انتظار انخفاض الأسعار.
تبعا لذلك جدد المتحدث الدعوةَ إلى تسريع مشاريع الطاقات المتجددة، ورفع مستويات التخزين الإستراتيجي، وتطوير أدوات التحوط المالي، وأبرز أن مشاريع الهيدروجين الأخضر تشكل الآلية الفعالة والمثلى لتخفيف الضغط عن القطاعات الاقتصادية والصناعية التي تتطلب مصادر حرارية قوية ويصعب تشغيلها بالكهرباء المباشرة.
وفي ختام القراءتين شدد محمد جواد مالزي على “ضرورة التمييز الحاسم بين إدارة الصدمات الظرفية وإزالة جذور الهشاشة الهيكلية”، واعتبر أن الانتقال الطاقي يجب أن يُفهم كسياسة لتعزيز الميزان التجاري والسيادة الاقتصادية، “وليس فقط كتوجه بيئي ومناخي”، وخلص إلى أن الهدف الأسمى يكمن في تحويل الطاقة المتجددة المنتجة محلياً إلى قيمة مضافة وصناعة ووظائف، “للخروج من منطق تأمين الفاتورة نحو بناء هيكل طاقي وطني مستقل”، بتعبيره.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر