منبر — ديمو المعمار
العالم العربي

حكومة ولد أجاي الجديدة تختبر متانة العلاقات المغربية والموريتانية

13 أكتوبر 2026 5 دقائق قراءة

أعادت التغييرات التي شهدتها الحكومة الموريتانية، عقب استقالتها الجمعة الماضي وعودة المختار ولد أجاي وزيرا أول، النقاش بشأن انعكاسات التعديل الحكومي على مسار العلاقات بين نواكشوط والرباط؛ في ظل الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية التي تجمع البلدين، والحرص المعلن على تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

وأعلن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، السبت الماضي، تشكيلة حكومية جديدة برئاسة ولد أجاي، الذي جُددت الثقة فيه لقيادة الجهاز التنفيذي؛ في خطوة أبقت على عدد من أعضاء الحكومة السابقة، مقابل تغييرات شملت حقائب وزارية مهمة، من بينها الدفاع والداخلية والطاقة، فضلا عن قطاعات أخرى.

وتبرز أهمية هذه التغييرات في ظل استمرار محمد سالم ولد مرزوك، وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج، في منصبه؛ الشيء الذي يتيح قراءة التشكيلة الجديدة من زاوية استمرارية تدبير الدبلوماسية الموريتانية، مع ضرورة التمييز بين ثبات المسؤولين في بعض القطاعات وبين المواقف الرسمية للدولة، التي تحددها مؤسساتها وقيادتها السياسية.

وتستند العلاقات المغربية الموريتانية إلى امتدادات تاريخية واجتماعية وثقافية وروحية، فضلا عن المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة؛ فيما يشكل التعاون في الفضاء الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء أحد المجالات التي تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى البلدين. كما تبرز الروابط التعليمية باعتبارها أحد روافد التقارب بين النخب؛ إذ تلقى عدد من المسؤولين والأطر الموريتانية تكوينهم في مؤسسات جامعية مغربية، من بينهم الوزير الأول المختار ولد أجاي، خريج المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي بالرباط.

وفي هذا السياق، يطرح التعديل الحكومي أسئلة بشأن مدى تأثير تداول المسؤوليات داخل الجهاز التنفيذي الموريتاني على وتيرة التعاون مع المغرب، وما إذا كانت التغييرات ستنعكس على تدبير الملفات الثنائية، أم أن طبيعة العلاقات القائمة واستمرار المسؤولين المكلفين بالدبلوماسية سيحافظان على مسارها.

ثبات العلاقات

قال عبد الله الزين، كاتب موريتاني وباحث في علم الاجتماع السياسي مقيم بأوروبا، إن العلاقات بين المغرب وموريتانيا تخضع لمنطق العلاقات التقليدية المتزنة، التي لا تتأثر، في المجمل، بتغير الحكومات، مؤكدا أن تأثير الجهاز التنفيذي على السياسة الخارجية الموريتانية يظل مرتبطا بالتوجهات التي تحددها الرئاسة.

وأوضح الزين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن النظام السياسي الموريتاني يمنح الرئيس دورا محوريا في توجيه العلاقات الخارجية؛ وهو ما يجعل التغييرات الحكومية غير كافية، في حد ذاتها، لإحداث تحول في طبيعة العلاقات مع المغرب، ما لم تقترن بتغيير في التوجهات السياسية العليا للدولة.

وفي استحضاره لمسار العلاقات الثنائية، أشار الباحث الموريتاني إلى أن فترة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز شهدت فتورا في العلاقات بين البلدين، مصرحا بأن اجتهادات شخصية أسهمت في تصعيد التوتر آنذاك، قبل أن تعرف العلاقات تحسنا مع وصول محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، بما أتاح تطوير التعاون الاقتصادي والأمني بين الجانبين.

وبخصوص التشكيلة الحكومية الجديدة، سجل المتحدث أن تجديد الثقة في المختار ولد أجاي، الذي يعد من الشخصيات القريبة من المغرب، يتيح، حسب تقديره، إمكانات لتعزيز العلاقات الثنائية، مستحضرا تكوين الوزير الأول في مؤسسة جامعية مغربية. ولم يستبعد الزين أن ينعكس استمرار الحكومة برئاسته إيجابا على التعاون مع المغرب، كما طرح احتمال تنظيم زيارة رسمية للرئيس الموريتاني إلى المملكة.

وخلص الباحث في علم الاجتماع السياسي إلى أن العلاقات المغربية الموريتانية تستند إلى تاريخ طويل ومصالح مشتركة تتجاوز الاعتبارات المرتبطة بتغيير الحكومات، مشددا على أن الحفاظ على هذه الروابط يظل رهينا باستمرار الإرادة السياسية وتطوير مجالات التعاون بما يخدم مصالح البلدين.

تعاون استراتيجي

من جانبه، سجل لحسن حمدات، باحث في العلاقات الدولية مختص في قضية الصحراء، أن تشكيل الحكومة الموريتانية الجديدة برئاسة المختار ولد أجاي يعكس، في تقديره، توجها نحو الحفاظ على استمرارية العلاقات المغربية الموريتانية، بالنظر إلى الروابط التاريخية والاستراتيجية التي تجمع البلدين، وتعدد مجالات التعاون بينهما.

وأضاف حمدات، ضمن إفادة لهسبريس، أن تجديد الثقة في ولد أجاي، الذي تخرج في المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي بالرباط، إلى جانب استمرار عدد من المسؤولين في مناصبهم، يشكل مؤشرا على أهمية الاستمرارية في تدبير العلاقات الثنائية، لافتا إلى أن التكوين الذي تلقاه عدد من الأطر الموريتانية في المؤسسات المغربية يمثل أحد الأبعاد العلمية والإنسانية التي تعزز التقارب بين البلدين.

وأكد المتحدث أن التغييرات التي طالت بعض الحقائب الوزارية، ولا سيما الدفاع والداخلية، تستدعي قراءة في ضوء السياق السياسي الموريتاني الداخلي، مشيرا إلى أن تفسيرها باعتبارها ترتيبات للمرحلة المقبلة يظل في نطاق التحليل ما لم تدعمه معطيات رسمية.

في المقابل، شدد على أن هذه التغييرات لا تعني بالضرورة حدوث تحول في العلاقات مع المغرب، ما دامت التوجهات العامة للسياسة الخارجية الموريتانية مستمرة.

أما بشأن آفاق التعاون الثنائي، فأورد الباحث في العلاقات الدولية أن الروابط بين الرباط ونواكشوط تتجاوز التنسيق الدبلوماسي إلى مجالات الأمن والتنمية والتبادل الاقتصادي والتعاون الثقافي والاجتماعي، معتبرا أن استقرار منطقة الساحل والصحراء يمثل مصلحة مشتركة، بالنظر إلى انعكاساته على أمن البلدين ومحيطهما الإقليمي.

ونبه المصرح ذاته إلى أن المبادرات المغربية الرامية إلى تعزيز التعاون مع دول الجنوب وتطوير الشراكات الإفريقية تتيح فرصا إضافية أمام موريتانيا للاستفادة من موقعها الجغرافي وصلاتها ببلدان غرب إفريقيا، مؤكدا أهمية استمرار الزيارات الرسمية وأعمال اللجان المشتركة في ترسيخ الثقة وحسن الجوار وتوسيع مجالات الشراكة.
وبخصوص قضية الصحراء المغربية، ذكر الباحث في العلاقات الدولية أن موريتانيا تتمسك بنهج الحياد الإيجابي، موردا أن المحافظة على قنوات التواصل والتنسيق مع المغرب تظل جزءا من طبيعة العلاقات الثنائية، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والأمنية.

وأجمل حمدات بالقول إن الحكومة الموريتانية الجديدة، بقيادة المختار ولد أجاي، تواجه فرصة لمواصلة تطوير التعاون مع المغرب في المجالات الحيوية؛ من التنمية والأمن إلى المبادلات الاقتصادية والتنسيق الإقليمي، مؤكدا أن “استمرارية العلاقات تظل مرتبطة بتعزيز المصالح المشتركة وترجمتها إلى برامج ومبادرات عملية”.

اقرأ النسخة الكاملة