دماغ المرأة يعيد ترتيب نفسه فى فترة الحمل.. ماذا تقول الدراسات
لا تقتصر التغيرات التي تحدث للمرأة خلال الحمل على زيادة الوزن وتغير الهرمونات وشكل الجسم، فالعلماء وجدوا أن الدماغ نفسه يمر بعملية إعادة تنظيم واسعة خلال فترة الحمل، في واحدة من أكثر مراحل الحياة التي تشهد تغيرًا في الجهاز العصبي للإنسان.
ووفقًا لما نشرته USA TODAY، أوضحت عالمة الأعصاب الإسبانية سوزانا كارمونا أن التغيرات الدماغية تبدأ خلال الحمل نفسه، وليس بعد الولادة فقط، وترتبط بدرجة كبيرة بالتغيرات الهرمونية المصاحبة للحمل، وقد يكون لها دور في تهيئة الأم للتعامل مع احتياجات الطفل.
هل ينكمش مخ المرأة أثناء الحمل؟
تشير الأبحاث إلى حدوث انخفاض في حجم المادة الرمادية وسمك القشرة الدماغية خلال الحمل، لكن وصف ذلك بأنه «انكماش في المخ» قد يكون مضللًا، لأن هذه التغيرات لا تعني فقدان القدرات العقلية.
وأظهرت دراسة نشرت في مجلة Nature Neuroscience عام 2024، اعتمدت على التصوير بالرنين المغناطيسي لامرأة واحدة قبل الحمل وخلاله وبعد الولادة، تغيرات واسعة في مناطق مختلفة من الدماغ، شملت انخفاض حجم المادة الرمادية وسمك القشرة، إلى جانب تغيرات في المادة البيضاء والسائل الدماغي الشوكي.
واللافت أن التغيرات لم تحدث مرة واحدة، وإنما ظهرت بصورة تدريجية خلال مراحل الحمل، بما يدعم فكرة أن الحمل فترة شديدة النشاط من حيث المرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على إعادة تنظيم شبكاته استجابة للتغيرات الهرمونية والبيئية.
هل الحمل يسبب ضعف الذاكرة؟
هنا تظهر ظاهرة ما يعرف شعبيًا بـ«ضباب الحمل» أو Pregnancy Brain، والتي قد تشعر خلالها بعض النساء بزيادة النسيان أو صعوبة التركيز.لكن الخبراء يحذرون من تفسير هذه الأعراض باعتبارها تراجعًا عامًا في القدرات العقلية.
ووفقًا لكارمونا، فإن الأم الجديدة تكون في الوقت نفسه تحت ضغط بدني ونفسي كبير، كما أن الحمل والرضاعة يحتاجان إلى قدر كبير من الطاقة، بينما يؤدي الحرمان من النوم وحده إلى تراجع الذاكرة والانتباه لدى أي شخص.
كما أشار تقرير حديث نشرته رويترز إلى أبحاث تبحث في الأساس العصبي المحتمل لما يسمى «momnesia»، حيث ارتبطت المستويات المرتفعة من هرمون الإستروجين خلال الحمل بتغيرات مؤقتة في بعض وظائف الذاكرة. وأكدت النتائج أن الأمر لا يعني انخفاض الذكاء أو القدرات العقلية بشكل عام.
ماذا يحدث للدماغ بعد الولادة؟
لا تنتهي التغيرات الدماغية بمجرد ولادة الطفل، إذ أظهرت دراسة Nature Neuroscience أن بعض التغيرات التي تحدث خلال الحمل تتراجع جزئيًا بعد الولادة.
وفي الدراسة التي تابع فيها الباحثون امرأة لمدة عامين، حدثت عودة جزئية لبعض مؤشرات الدماغ بعد الولادة، بينما ظلت بعض التغيرات قائمة، وهو ما يشير إلى أن الانتقال إلى الأمومة قد يمثل مرحلة طويلة من إعادة تنظيم الدماغ.
وترى كارمونا أن هذه المرونة العصبية تساعد الأم على الاستجابة بسرعة للإشارات الصادرة عن طفلها، مثل البكاء والحركة وتغيرات السلوك، وهي مهارات ضرورية خلال الأشهر الأولى من الحياة.
ويرى الخبراء أن اختزال هذه المرحلة في مصطلح «مخ الأم» أو «نسيان الأمهات» لا يعكس الصورة كاملة.فالدماغ لا يفقد قدراته ببساطة، وإنما يعيد ترتيب بعض وظائفه وأولوياته في ظل تغيرات هرمونية وجسدية ونفسية هائلة.
كما أن التغيرات المرتبطة بالأمومة لا تقتصر بالضرورة على النساء اللاتي حملن، فقد تظهر بعض جوانب التكيف العصبي أيضًا لدى الآباء والأمهات الذين يصبحون آباءً عن طريق التبني أو تأجير الأرحام، نتيجة الخبرة المستمرة في رعاية الطفل والتفاعل معه، وإن كانت التغيرات المرتبطة بالحمل أكثر وضوحًا.
أهمية هذه النتائج
يفتح فهم التغيرات التي تحدث في دماغ المرأة أثناء الحمل بابًا جديدًا لدراسة صحة الأم النفسية والعصبية، خاصة أن الباحثين يأملون في معرفة ما إذا كانت الاختلافات في التغيرات الدماغية مرتبطة ببعض المشكلات التي قد تظهر بعد الولادة، مثل اكتئاب ما بعد الولادة.
وبالتالي، فإن الشعور ببعض النسيان أو صعوبة التركيز خلال الحمل لا يعني بالضرورة أن قدرات المرأة العقلية تتراجع، وإنما قد يكون جزءًا من مرحلة بيولوجية معقدة يعيد فيها الدماغ تنظيم نفسه استعدادًا للأمومة.