رضا الصفتي يكتب: ما تمنيناه وما اختارته لنا الحياة
كم مرة تمنينا شيئًا بكل ما لدينا من يقين، ثم اكتشفنا بعد أن حصلنا عليه أنه لم يكن يستحق كل هذا الانتظار؟ وكم مرة اعتبرنا بابًا أُغلق في وجوهنا خسارة كبيرة، قبل أن نكتشف بعد وقت أن بقاءه مغلقًا كان ربما أفضل ما حدث لنا؟
نحن لا نعرف دائمًا قيمة الأشياء في اللحظة التي تحدث فيها. بعض ما نفرح به اليوم قد يصبح غدًا مصدر ندم، وبعض ما نحزن لفقدانه قد نكتشف مع مرور الوقت أنه أنقذنا من طريق لم يكن مناسبًا لنا. وبين ما نتمناه وما نحتاجه، توجد مساحة لا ننتبه إليها كثيرًا، اسمها الوعي.
نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا ونحن نطارد أشياء نريدها، ونعتقد أن الوصول إليها سيمنحنا الراحة التي نبحث عنها. نتمسك بقرار لأننا نرغب فيه، ونصر على طريق لأننا اعتدنا أن نراه طريقنا إلى النجاح، وقد نغضب حين لا تأتي الحياة كما خططنا لها.
لكن التجربة تقول شيئًا مختلفًا: ليس كل ما نريده يكون مناسبًا لنا، وليس كل ما نحزن لفقدانه كان يستحق أن نحزن عليه.
هناك فرق كبير بين الرغبة وبين المصلحة. الرغبة تبحث غالبًا عن ما نريده الآن، بينما المصلحة تنظر إلى ما نحتاجه على المدى الأبعد. ولهذا قد تدفعنا الرغبة أحيانًا إلى قرار يمنحنا راحة مؤقتة، ثم نكتشف أن ثمنه كان أكبر مما تصورنا.
وفي المقابل، قد نجد أنفسنا أمام اختيارات لم نكن نريدها أصلًا. باب يُغلق، فرصة تضيع، علاقة تنتهي، أو طريق يتعطل. في لحظتها يبدو الأمر خسارة، لكن بعد سنوات قد نكتشف أن ما اعتبرناه وقتها عقبة كان في الحقيقة حماية من طريق لم يكن يناسبنا.
المشكلة أن الإنسان يرى اللحظة أكثر مما يرى ما بعدها. يريد النتيجة الآن، والراحة الآن، والإجابة الآن. أما ما يصلح له فعلًا فقد يحتاج إلى وقت حتى تظهر قيمته.
لذلك لا يكفي أن نسأل أنفسنا دائمًا: ماذا أريد؟ ربما يكون السؤال الأهم: هل ما أريده الآن سيظل صالحًا لي غدًا؟
هذه ليست دعوة إلى التخلي عن الطموح أو الاستسلام للظروف، وإنما دعوة إلى أن نضع رغباتنا تحت نظر العقل قبل أن نضعها تحت تأثير الاندفاع. فليس كل إصرار قوة، وليس كل تراجع ضعفًا، وأحيانًا يكون تغيير الطريق أكثر شجاعة من الاستمرار فيه لمجرد أننا بدأناه.
نحن نعرف كثيرًا مما نريد، لكننا لا نعرف دائمًا ما يصلح لنا. وبين الأمرين مسافة لا يقطعها المال ولا الحظ، وإنما يقطعها الوعي والخبرة والقدرة على التريث.
وربما تكون بعض أفضل الأشياء التي حدثت لنا هي تلك التي لم تأتِ كما أردنا.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نطلبه، لكنها أحيانًا تمنحنا، من حيث لا ندري، ما كنا نحتاج إليه.