في مخيم للنازحين على أطراف تعز، تعدّ امرأة أيامها الأخيرة قبل الولادة. لا ماء عندها، ولا مال، ولا شيء ترهنه هذه المرة. ومنذ يومين أغلقت الطرق من حول مدينتها.

تقول رؤى علي النازحة في أحد المخيمات بتعز: "ما فيش معانا لا ماء ولا معانا شي". هي في شهرها التاسع، ولا تزال تتذكر ولادتها الماضية. يومها تعسّر الوضع، فنُقلت إلى المستشفى. ولتدفع تكاليف تلك الليلة، رهنت بطاقتها الشخصية، وباعت المساعدات القليلة التي تسلّمتها من إحدى المنظمات. وحين تُسأل كيف تتوقع ولادتها هذه المرة، تصمت لحظة ثم تقول: "على الله". خوفها الأكبر أن تشتد الحرب فلا تستطيع الخروج من المخيم حين يحين موعد ولادتها.

الطريق الأخير يُغلق

رؤى ليست الوحيدة التي تخشى عدم الوصول للخدمات الطبية المناسبة خاصة مع إغلاق آخر منفذ لمحافظة تعز في صباح الأحد 4 أكتوبر تشرين الأول، حيث نقلت وكالة فرانس برس عن مصادر أمنية قولها إن جماعة أنصار الله قطعت طريق إمداد يربط بين مدينة تعز الرئيسية في جنوب غرب اليمن ومدينة عدن حيث مقر الحكومة المعترف بها دولياً.

  • أطفال اليمن يتحدّون نيران القناصة وقذائف الهاون في طريقهم إلى المدرسة

وقالت مصادر عسكرية حكومية وشهود عيان يوم الأحد إنّ "الحوثيين تمكّنوا من قطع طريق تعز عدن وفرض حصار على تعز بعد أيام من القتال". وأكدت المصادر أنّ الحوثيين تمكّنوا "من الوصول إلى خط السمسرة والصافية وقطع الطريق ووقف الحركة".

كما أغلقت قيادة محور تعز الحكومية المنفذ الشرقي للمدينة "لدواعٍ أمنية". لتفقد تعز بذلك كل المنافذ التي يمكن أن تعبر من خلالها شاحنات الإمدادات، وهو ما بدأ يثير المخاوف في المدينة التي تؤوي مئات الآلاف من النازحين.

مستلزمات طبية في طريقها للنفاد

في مستشفى الثورة، أكبر مستشفيات المدينة، بدأ القلق يتزايد. يقول محمد الفقيه، مدير إدارة الجودة في المستشفى، لبرنامج يوميات الشرق الأوسط، إن قطع الطرقات من جميع الاتجاهات أدى إلى تدهور القطاع الصحي.

وأكثر ما يقلقه مرضى الأمراض المزمنة، إذ يقول إن أدويتهم في طريقها إلى النفاد، ويحذّر من أن ذلك "سيظهر بشكل جلي خلال أيام". ويضيف أن المستلزمات الطبية كانت شحيحة أصلًا قبل الحصار.

  • الحكومة اليمنية تعلن استعادة مواقع استراتيجية عند باب المندب وسط تفاقم معاناة المدنيين

سوق يسابق الهلع

في أسواق المدينة تغيّر المشهد خلال ساعات. يقول أحد السكان إن الأسعار ارتفعت أكثر من الضعف، خاصة الخضروات بعد يوم واحد من حصار جماعة أنصار الله للمحافظة.

  • صورة أرشيفية لقوات تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً
    جماعة أنصار الله الحوثية "تستهدف مطارين في الرياض وعدن"، ووزارة النقل اليمنية تلغي هبوط طائرة قادمة من القاهرة
  • مناشدات للسعودية بالعفو عن شاب حُكم عليه بالإعدام بسبب تعليق على فيسبوك
  • ترامب في مواجهة مع لوس أنجلوس وسان دييغو بسبب إيران
  • لماذا أثار قرار السعودية بتصحيح أوضاع اليمنيين في البلاد تفاعلاً واسعاً عبر مواقع التواصل؟

الأكثر قراءة نهاية

يقول: "الناس يخشون أن تختفي السلع، فيهرعون لشراء ما يستطيعون، فترتفع الأسعار أكثر". ويضيف أن الغاز والوقود كانا ناقصين حتى قبل الحصار، وتضاعفت أزمتهما الآن.

الأمر نفسه يؤكده أحد التجار الذي يقول إنه "بعد إغلاق كافة الجهات والمنافذ لا يوجد أي مكان لاستقبال البضائع منه" لافتاً إلى الخسائر المتوقعة جراء هذه الأزمة.

أما عبد الرحمن القليعة مدير مكتب التجارة والصناعة في مديرية تعز فيرى أن الوضع "لا يزال مستقراً" وأن الأسعار تغيرت نسبيًا نتيجة لظروف الحرب إلا أنها ماتزال في الإطار الرسمي بحسب تعبيره.

ويؤكد وجود لجان تراقب الأسواق لمنع الاحتكار، وأن المخزون الاستراتيجي للمحافظة كافٍ. ويرجع الارتفاع إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، كما يحث المواطنين على عدم الاندفاع للشراء أو "الهلع".

  • بي بي سي في تعز على خط المواجهة حيث تحاول جماعة أنصار الله السيطرة على المدينة

ويُقدّر سعر شوال الدقيق زنة 50 كيلوغراماً ارتفع بزيادة تصل إلى ألف ريال عن سعره قبل التصعيد حيث وصل إلى حوالي 50 ألف ريال أي ما يعادل 212 دولاراً.

مدينة تستقبل النازحين

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

غدير نازحة قررت النزوح من بيتها بعد اشتداد القصف وتصف مشهد نزوحها بالـ "مرعب" خاصة مع انقطاع المواصلات.

وصلت بعد ساعات طويلة إلى أحد مخيمات تعز، و تقول إنها تأثرت كثيراً من الحياة في الخيام خاصة مع الحرارة الشديدة وتزداد أزمتها إذا هطلت الأمطار التي تتسرب إلى داخل الخيام.

تقول غدير إنها اضطرت إلى التأقلم مع الأوضاع الصعبة إلا أن صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، وعدم توفر الأموال، وقلة وصول المساعدات أكثر ما يقلقها.

غدير واحدة من آلاف حملوا ما استطاعوا وهربوا من بيوتهم بعد احتدام المعارك وقربها إليهم، ففي يومي 3 و4 سبتمبر أيلول الماضي وحدهما نزحت 1,790 أسرة من مقبنة وجبل حبشي، بحسب بيانات أممية.

وذكرت الأمم المتحدة أن مواقع نزوح كاملة أُفرغت من سكانها، فنزح هؤلاء للمرة الثانية.

ويقدّر مسؤولون محليون عدد النازحين من مناطق التماس داخل تعز بنحو 50 ألف شخص، في الوقت الذي حذّرت فيه الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن من التصاعد المتسارع لموجات النزوح وتفاقم الأزمة الإنسانية، معلنةً ارتفاع أعداد النازحين الجدد حتى نهاية سبتمبر أيلول 2026 إلى 197,906 فرداً وسط تحذيرات من اتساع الفجوة الإنسانية.

  • فرار بلا مقتنيات.. كيف تبدو أوضاع النازحين اليمنيين في جيبوتي بعد نجاتهم بأرواحهم؟

وأشار بيان الوحدة إلى أن النزوح يتجه من مناطق تشهد فقراً وهشاشة اقتصادية إلى مجتمعات مضيفة تعاني هي الأخرى من محدودية الموارد والخدمات، مما يضاعف الضغوط المعيشية ويرفع من معدلات الاحتياج الإنساني المتبادل لدى الطرفين.

ويشير برنامج الأغذية العالمي في تقرير إلى وصول عائلات إلى مدينة تعز "بعد المشي لأيام دون ماء أو طعام".

ويرسم التقرير نفسه صورة قاتمة للبلد ككل. فهناك 18.3 مليون يمني يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، ومليونان و200 ألف طفل دون الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد.

ويقول برنامج الأغدية إن 73 في المئة من الأسر في المناطق التي يرصدها البرنامج في اليمن لا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء.