كشفت دراسة حديثة عن عمليات واسعة لتحويل أرباح الشركات من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مستفيدة من التخفيضات الضريبية والحوافز التي أقرتها واشنطن خلال السنوات الماضية. وبحسب الدراسة، عمدت شركات أمريكية كبرى إلى نقل جزء كبير من أرباحها المحققة في الأسواق الأوروبية إلى الولايات المتحدة للاستفادة من معدلات ضريبية أقل.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه الممارسات حرمت دول الاتحاد الأوروبي من إيرادات ضريبية بمليارات اليورو، في ظل استمرار الشركات متعددة الجنسيات في استغلال الثغرات القائمة في النظام الضريبي الدولي. وأثار ذلك انتقادات متزايدة للآليات التي تسمح بتحويل الأرباح إلى وجهات منخفضة الضرائب، رغم تحقيقها فعليا في أسواق أخرى.
وبموجب الترتيبات المرتبطة بالحد الأدنى العالمي للضريبة، تستطيع الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات سداد الضرائب المستحقة على أرباحها المحققة في أوروبا داخل الولايات المتحدة أيضا. وتقول الدراسة إن هذه الآلية أتاحت للشركات الأمريكية دفع ضرائب أقل، فيما نجحت سياسة خفض الضرائب التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في استقطاب المليارات التي كان من الممكن أن تتدفق إلى خزائن دول أوروبية، من بينها ألمانيا.
ألمانيا أكبر الخاسرين
ووفقا للدراسة التي أعدتها شبكة "العدالة الضريبية" بتكليف من رئيس كتلة اليسار في البرلمان الأوروبي مارتن شيرديفان، واطلعت عليها شبكة التحرير الألمانية الصحفية، فإن ألمانيا تكبدت خسائر ضريبية تجاوزت 23 مليار يورو بين عامي 2016 و2023، ما جعلها الدولة الأكثر تضررا داخل الاتحاد الأوروبي من السياسة الضريبية الأمريكية خلال تلك الفترة.
وتوزعت الخسائر الألمانية على مختلف مستويات الإدارة العامة، إذ فقدت البلديات نحو 9,8 مليارات يورو من الإيرادات الضريبية، فيما بلغت خسائر الحكومة الاتحادية 6,9 مليارات يورو، مقابل نحو 6,7 مليارات يورو لحكومات الولايات.
وكانت إدارة ترامب قد خفضت الضرائب على الشركات وقدمت حوافز لتسجيل الأرباح داخل الولايات المتحدة بدلا من أوروبا. ونتيجة لذلك، حولت الشركات الأمريكية، بحسب الدراسة، أرباحا بقيمة 327 مليار يورو من دول الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة خلال تلك الفترة، رغم أن هذه الأرباح تحققت داخل الأسواق الأوروبية، وفق تقرير نشره الموقع الالكتروني للقناة الألمانية الخاصة ntv.
وخلصت الدراسة إلى أن "الميزانيات العامة في أوروبا فقدت إيرادات ضريبية لا تقل عن 86,4 مليار يورو" نتيجة هذه التحويلات. ورغم ذلك، لم تؤد هذه السياسة إلى زيادة الإيرادات الضريبية الأمريكية. فبرغم أن الشركات الأمريكية أعلنت في عام 2024 عن أرباح داخل الولايات المتحدة تعادل ضعف ما أعلنته عام 2016، فإن إجمالي الضرائب التي دفعتها كان أقل من تلك المسجلة في عام 2016.
الولايات المتحدة كملاذ ضريبي منخفض؟
ونقلت شبكة التحرير الألمانية عن مارتن شيرديفان قوله إن دونالد ترامب يعمل "بشكل ممنهج على تحويل الولايات المتحدة إلى ملاذ منخفض الضرائب يخدم عمالقة التكنولوجيا وأصدقائه من أصحاب المليارات مثل ماسكوزوكربيرغ وبيزوس".
وأضاف أن شركات كبرى مثل غوغلوميتا تنقل أرباحها إلى الولايات المتحدة للاستفادة من معدلات ضريبية أقل، في حين تخسر الميزانيات العامة والبلديات الأوروبية موارد مالية مهمة.
ودعا شيرديفان إلى فرض الضرائب على الشركات في الدول التي تحقق فيها أرباحها فعليا، متهما أوروبا بمنح الشركات الأمريكية الكبرى معاملة تفضيلية في إطار تطبيق الحد الأدنى العالمي للضريبة.
ويأتي ذلك في ظل اتفاق يعرف باسم "سايد باي سايد"، أُبرم في يناير/ كانون الثاني 2026، ويسمح للشركات الأمريكية بسداد ضرائب تعادل الحد الأدنى العالمي البالغ 15 بالمئة داخل الولايات المتحدة أيضا. لكن الدراسة أشارت إلى أن معدل الضريبة الفعلي لدى نحو ثلث الشركات الأمريكية ما يزال أقل من نسبة الـ15 بالمئة المنصوص عليها في الاتفاق العالمي.
الرسوم الجمركية تفشل في تقليص العجز التجاري
في سياق متصل، أظهرت بيانات اقتصادية حديثة أن جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحد من العجز التجاري عبر فرض رسوم جمركيةمرتفعة لم تحقق النتائج المرجوة، إذ سجلت الولايات المتحدة في أغسطس/ آب 2026 أعلى مستوى للواردات في تاريخها.
ويعتبر ترامب العجز التجاري أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها لتقييم الأداء الاقتصادي، إلا أن الفجوة بين الصادرات والواردات عادت للاتساع، ما يشير إلى استمرار الشركات والمستهلكين الأمريكيين في شراء السلع الأجنبية بكميات كبيرة رغم ارتفاع تكاليف الاستيراد.
ووصل العجز التجاري الأمريكي إلى أعلى مستوياته منذ مارس/ آذار 2025، عندما سارعت الشركات إلى استيراد السلع وتخزينها بكثافة قبل دخول حزمة الرسوم الجمركية الواسعة التي أعلنها ترامب في الثاني من أبريل/ نيسان حيز التنفيذ.
ووفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، تجاوزت قيمة الواردات الأمريكية في أغسطس/ آب 2026 الصادرات بمقدار 105,6 مليارات دولار.
ويشكل هذا التطور تحديا للرئيس الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي، إذ يسير أحد المؤشرات الأساسية التي يستند إليها في تقييم قوة الاقتصاد بعكس الاتجاه الذي كان يأمله. ويتمثل هذا المؤشر في الميزان التجاري، أي الفارق بين قيمة السلع المستوردة وتلك المصدرة.
ورغم أن الرسوم الجمركية كانت تهدف إلى خفض الاعتماد على الواردات وتحسين الميزان التجاري، فإن الأرقام الأخيرة تعكس استمرار اتساع الفجوة بين الواردات والصادرات، ما أبقى العجز التجاري عند مستويات مرتفعة.
ويرجع ارتفاع العجز التجاري بصورة رئيسية إلى زيادة واردات الرقائق الإلكترونية والخوادم ومعدات التكنولوجيا المستخدمة في توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
كما ساهم ارتفاع أسعار النفط، على خلفية الحرب مع إيران، في زيادة قيمة الواردات الأمريكية. وإلى جانب ذلك، سارعت شركات عديدة إلى استيراد السلع وتخزينها مسبقاً تحسبا لرسوم جمركية جديدة محتملة على الواردات القادمة من كندا، ما أدى إلى زيادة إضافية في حجم الواردات، وفق تقرير اقتصادي نشره موقع واتسون السويسري.
وبذلك، لم يكن اتساع العجز التجاري نتيجة زيادة الاستهلاك فقط، بل أيضا بسبب تنامي الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع تكاليف الطاقة، ومساعي الشركات لتكوين مخزونات كبيرة قبل دخول إجراءات جمركية جديدة حيز التنفيذ.
لماذا فرض ترامب الرسوم الجمركية؟
ينطلق ترامب من قناعة مفادها أن العجز التجاري يعكس استفادة الدول الأخرى من الاقتصاد الأمريكي على حساب الولايات المتحدة. وبحسب هذا التصور، فإن كل سلعة تستورد من الخارج تعني خسارة فرص عمل وقدرات إنتاجية أمريكية.
لكن الرسوم الجمركية أدت في بدايتها إلى نتائج معاكسة. فمع توقع ارتفاع تكاليف الاستيراد، سارعت الشركات في مطلع عام 2025 إلى شراء وتخزين كميات كبيرة من السلع قبل دخول الرسوم حيز التنفيذ، ما دفع العجز التجاري إلى تسجيل مستوٍ قياسي في مارس/ آذار من العام نفسه.
وفي الثاني من أبريل/ نيسان 2025، فرض ترامب رسوما جمركية على غالبية الواردات الأمريكية، مستندا في تحديد نسبها إلى حجم العجز التجاري بين الولايات المتحدة وكل دولة على حدة. فكلما ارتفعت الواردات من دولة معينة مقارنة بالصادرات إليها، زادت الرسوم المفروضة على سلعها.
غير أن المحكمة العليا الأمريكية ألغت في فبراير/ شباط 2026 الرسوم التي فرضت استنادا إلى حالة الطوارئ، معتبرة أن الرئيس تجاوز الصلاحيات القانونية الممنوحة له. ورد ترامب بفرض رسم جمركي عالمي بنسبة 10 بالمئة استنادا إلى قانون التجارة الأمريكي الصادر عام 1974، إلا أن هذا الإجراء كان مؤقتا وانتهى العمل به بعد مرور 150 يوما.
خبراء الاقتصاد يشككون في جدوى الرسوم
ومنذ البداية، عارض العديد من خبراء الاقتصاد الفكرة الأساسية التي يتبناها ترامب، والقائمة على اعتبار العجز التجاري المؤشر الأهم للحكم على الأداء الاقتصادي. ويقر بعض الخبراء بأن العجز التجاري قد يعكس أحيانا اختلالات في الصناعة وسلاسل الإنتاج العالمية، إلا أن كثيرين يرون أن الرسوم الجمركية ليست الأداة المناسبة لمعالجة هذه المشكلة.
ويؤكد هؤلاء أن العجز التجاري يرتبط بعوامل معقدة ومتعددة، من بينها مستويات الاستهلاك والاستثمار، وأسعار الصرف، وتدفقات رؤوس الأموال، وليس فقط بالسياسات التجارية. لذلك، قد تؤدي الرسوم الجمركية إلى زيادة الأعباء على الشركات والمستهلكين من دون أن تحقق بالضرورة هدف تقليص العجز التجاري على المدى البعيد.
كما يشير الخبراء إلى أن كلفة الرسوم الجمركية لا تتحملها الشركات الأجنبية وحدها، بل تنتقل في كثير من الأحيان عبر المستوردين الأمريكيين إلى المستهلك النهائي داخل الولايات المتحدة، ما ينعكس في صورة أسعار أعلى للسلع والخدمات.
تحرير: حسن زنيند


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر