"طريق الموت" ومياه المجاري.. وجه خفي لمدينة اسمها البصرة
البصرة غنية بثرواتها النفطية والغازية، لكنها عانت لعقود من التهميش وإهمال بنيتها التحتية. حتى المياه الصالحة للشرب لم تصل إلى صنابير المنازل منذ عقود بسبب أخطاء في التخطيط تعود إلى عهد النظام السابق. البصرة تختصر مفارقات الشرق الأوسط بين الثروة الطائلة وغياب الخدمات، التي عادت للظهور تدريجيا بعد سقوط نظام صدام حسين.
ويُحب أن يطلق محافظ البصرة اسعد العيداني على مدينته بـ "أم العراق" بالرغم من تحديات تعانيها مثل شح المياه وضعف الخدمات في مناطق عدة وقلة فرص العمل للشباب والخريجين.
بين الحين والآخر يتظاهر آلاف البصريين مطالبين بتوفير فرص العمل في قطاعات مختلفة، لا سيما قطاع النفط. تعتبر البصرة عاصمة العراق الاقتصادية وصاحبة أضخم الحقول النفطية في العالم، إلا أن ما يتمتع به سكانها لا يعكس غنى المدينة قياسًا بتصديرها أكثر من ثلاثة مليون برميل نفط يوميًا عبر موانئها.
مناطق تنزلق تحت خط الفقر
وبحسب تصريح وزير الصناعة والمعادن الأسبق خالد بتال النجم، عام 2022، فإن البصرة تسهم بأكثر من 85 بالمئة من الموازنة المالية العامة للبلاد، أرقام ضخمة لا تنعكس بوضوح على واقع المدينة، كما يصف ذلك أحد المواطنين الذين تحدثوا إلى DW عربية. فكثير منهم ينزلقون تحت خط الفقر، فيما يعيش آخرون حياة رفاهية وغنى فاحش ويركبون سيارات فارهة مستفيدين من غنى المدينة.
يتحدث محمد عبد الزهرة، صاحب الـ27 عامًا، من سكان مناطق شمال البصرة، إلى DW عربية قائلًا: "لقد شهدت المدينة تطورا ملحوظا للبنية التحتية والجسور والخدمات إلى حد ما، إضافة إلى تحسن تجهيز ساعات التيار الكهربائي مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، لكن تصب حكومة البصرة المحلية كل اهتمامها في مناطق مركز البصرة تاركة أطرافها والمناطق النائية تعاني من ضعف الخدمات والاعمار".
وأضاف عبد الزهرة: "أنا أعيش في منطقة تعاني من تلكؤ في تنفيذ المشاريع، وأخرى متوقفة بسبب الفساد المالي وعدم وجود رقابة ومحاسبة شديدة على المقصرين، فيما لو ذهبت إلى مركز البصرة ستجد هناك مشاريع كبيرة مثل بناء المستشفيات والجسور والحدائق الكبرى وبناء مجمعات سكنية من خلال تفعيل الاستثمار، ولكن للأسف، لا شيء منها في مناطقنا".
وأكمل عبد الزهرة: "حول منطقتنا، تقع كبرى شركات النفط العملاقة وآبار نفطية نجني منها فقط التلوث بالغازات السامة المنبعثة منها، فتشكل تلك الشركات تهديدًا لحياتنا وصحتنا، دون أن نستفيد منها شيئا". ويقول : "لقد تخرجت من الجامعة قبل 5 سنوات، وحتى اليوم، أبحث عن وظيفة لكن دون جدوى. كثير من الوظائف تذهب إلى الباحثين عن عمل في مركز المدينة، فيما نحن نضطر للذهاب إلى مركز البصرة للعمل في مهن ووظائف ليست من اختصاصنا، كالعمل في المطاعم والمخابز أو أعمال حرى أخرى".
"طريق الموت".. الوجه الخفي للبصرة
يقطع عبد الزهرة، على غرار آلاف الطلبة والموظفين والمواطنين، مسافة أكثر من 75 كيلو مترا من شمال البصرة وصولًا إلى مركز المدينة. يقطع يوميا تلك المسافة عبر شارع وعر يسميه الأهالي "طريق الموت" بسبب حوادث سير وازدحام المركبات بكلا الاتجاهين في الذهاب والإياب. وحتى قبل أيام قليلة ماضية، أطلق الأهالي نداء استغاثة إلى الجهات الحكومية المسؤولة لكن نداءهم لم يلق آذانا صاغية أو تحركا فعليا لإنهاء تلك المعاناة. رغم أن الحوادث تسببت بمقتل تلاميذ مدارس لمرات عدة.
النجاح أمر شخصي في البصرة
وقال عبدالله محمد، وهو صاحب شركة خاصة ويسكن في مركز مدينة البصرة، "لله الحمد، تشهد مدينة البصرة تطورا عمرانيا غير مسبوق، ولهذا أنا راض عن التطور الذي تمر به المدينة، والخدمات جيدة مقارنة بمدن اخرى منكوبة بسبب الفساد المالي والاهتمام الحكومي لتلك المدن".
وأضاف محمد: "منذ عام 2023 وبعد انطلاق بطولة كأس الخليج 25 في البصرة، أصبحت المدينة محطة جذب للسائحين من داخل وخارج العراق، وهذا يعكس صورة البصرة الحقيقية لكل الزائرين لها، لكن تحتاج المدينة إلى مزيد من التطور والعمران، فأن البصرة مدينة غنية وتستحق أكثر مما تحظى به اليوم."
وقال محمد: "اليوم ركوب سيارة فارهة ليس أمرًا صعبا، البصرة هي أم الخير، ومن يريد العمل وامتلاك سيارة أو منزل وحياة كريمة يمكنه فعل ذلك بسهولة، أما سؤالك عن قلة فرص العمل للشباب، فأنا أعتقد أن هذه مسؤولية شخصية، وأن الشخص هو مسؤول عن البحث عن عمل وإيجاد الوظيفة المناسبة له".
يشارك أحمد السعدي، من سكان البصرة، الرأي مع ما قاله محمد، ويضيف: "بكل صراحة أنا أرى أن البصرة اليوم تعيش أفضل فترة من حالاتها، إذ هناك مشاريع عمرانية وشوارع واسعة وجميلة وحدائق ومتنزهات وجسور وبنية تحتية ممتازة، ما يجعلني فخورا بكوني من البصرة."
ومن داخل سيارته الفارهة، يضيف السعدي عند السؤال عن قلة فرص العمل في المدينة: "هناك كثير من فرص العمل المتوفرة في جميع القطاعات، ومنها القطاع النفطي لكن لمن يبحث عنها بجدية، فمن يريد أن يعيش حياة كريمة يمكنه ذلك لكن عليه استغلال الفرص والاجتهاد، مثلًا أنا بدأت بمشروع صغير وتوسعت فيه شيء فشيئا حتى وصلت إلى ما أنا عليه الآن."
أنهار مياه آسنة وروائح كريهة في " 5 ميل"
لكن ما يعيشه عبد الله وأحمد ليس هو نفسه ما يعاني منه أخرون عند أطراف المدينة. على بعد مسافة 4 كيلومترات من منطقة السعدي، يعيش علي كاظم، 33 عاما، في منطقة " 5 ميل"، ولد وعاش فيها طول حياته.
وقال كاظم إن "واقع الحياة والخدمات في منطقتي مختلف تمامًا وليس كما يصوره البعض في الاعلام بشان التطور العمراني في المدينة، نعيش وسط مجاري مكشوفة وأكوام نفايات وروائح كريهة دون توقف، هذه المشكلة منذ سنوات ولم تعالج حتى اليوم، وبما أن الشتاء قادم قريبًا، فالوضع سيزيد سوءًا عمّا هو عليه الآن."
يضيف كاظم: "كانت هذه الأنهار القريبة من المنزل يشرب منها الأهالي مباشرة دون الحاجة إلى شراء المياه للشرب والغسل والطبخ كما اليوم، لا أتذكر كل شيء، لكن ما يتحدث به أهلي فعلًا اتمنى لو أننا نعيش اليوم كما كنا في الماضي. للأسف، هذه الأنهار التي كانت مليئة بالمياه الصافية والمربوطة بمياه شط العرب، أصبحت اليوم مجاري للمياه الآسنة وبؤرة للملوثات. هل هذا منظر منطقة داخل البصرة؟" يسأل كاظم وهو يشير بيده إلى النهر الآسن.
سألت DW عربية كاظم كيف يرى التطور العمراني في البصرة، فأجاب: "لا أنفي، صحيح هناك مناطق معينة تشهد مشاريع وتحسين للخدمات، لكن هذا لا يعكس الصورة الكاملة عن حال البصرة التي يعيش فيها أكثر من 4 مليون مواطن، عدا الزائرين أو الوافدين من خارج المدينة والبلاد، فنحن نعيش في مناطق بعيدة عن أعين السائحين والزوار والمسؤولين، التطور الحقيقي يكون عندما يشمل جميع المدن ولا يقتصر على أماكن محددة."
وينهي كاظم حديثه: "أتمنى أن تتحسن الخدمات ويتم الانتباه إلى الأحياء الشعبية والمناطق الهشة في كل أطراف محافظة البصرة وتعالج مشاكل الصرف الصحي والنفايات قبل بناء مشاريع تجميلية. البصرة تستحق أن تكون جميلة في كل أحيائها ومناطقها وليس في واجهتها فقط."
يعكس الواقع في البصرة طبقية ظهرت من جديد بين سكان مناطق فقيرة يعيشون واقعا مؤلما تفتقر فيه أحياؤهم إلى الخدمات وبين طبقة موظفين والتجار وأصحاب المحال ممن يعيشون في مناطق تتوفر فيها الخدمات.
يقول أحد سكان المدينة لـDW عربية: "ما تراه من مولات ومحال تجارية ضخمة وشوارع، ليس سوى عمليات غسيل أموال، فالبصرة غنية بثرواتها وهناك من يقتطع حصته من كعكتها".