عمال مغاربة يشتكون العبودية الحديثة والاتجار بالبشر أمام محكمة فرنسية
كشف خمسة عشر عاملا مغربيا أمام محكمة نيم، جنوب فرنسا، عن ظروف تشغيل وصفها دفاعهم بـ”العبودية الحديثة”، مؤكدين أنهم دفعوا 12 ألف يورو مقابل الحصول على عقود عمل موسمية في ضيعات فلاحية بإقليم “غار”، قبل أن يجدوا أنفسهم يعملون لساعات طويلة مقابل أجور تقل عن المبالغ التي وعدوا بها، ويقيمون في ظروف سكن غير لائقة.
وقال عبد الرحيم، أحد المشتكين، أمام المحكمة الثلاثاء: “اضطررت إلى الدفع من أجل العمل”، موضحا أنه سلم المبلغ نقدا إلى حميد، وهو مواطن مغربي كان يتولى استقدام العمال، مقابل الحصول على عقد موسمي، بعدما وعده بأنه سيتمكن لاحقا من كسب مبالغ مالية مهمة.
وأوضح العامل المغربي أن الأجر الذي وعد به كان يصل إلى 2500 يورو شهريا، غير أن ما حصل عليه لم يكن في مستوى تلك الوعود.
وقال مفتش للشغل كان وراء إطلاق التنبيه بشأن القضية إن بيع عقود العمل للمغاربة مقابل مبالغ تتراوح بين 8 آلاف و15 ألف يورو يعد “سرا معروفا لدى الجميع”، وفق تعبيره، مشيرا إلى أن العمال كانوا يجدون أنفسهم بعد ذلك أمام ظروف عمل قاسية.
واستشهد المفتش بتسجيل مصور التقطه أحد العمال، يظهر موظفين وهم يشتغلون ليلا أثناء عاصفة ومن دون تجهيزات ملائمة.
وبحسب المحققين، استمر نظام الاستقدام هذا ثلاثة أعوام على الأقل، وكان يتولاه حميد وزوجته نازية، التي تتقن الفرنسية والعربية وكانت مسؤولة عن الجانب الإداري، فيما كان العمال يستقدمون من المغرب للعمل في ضيعتين زراعيتين بإقليم “غار”.
وأفادت شكايات العمال بأنهم كانوا، بعد دفع مبلغ 12 ألف يورو الذي اعتبر بمثابة “تذكرة دخول”، يسلمون وثائق هويتهم إلى الزوجين، ثم يقيمون مقابل 150 يورو شهريا في غرف تفتقر إلى الأثاث والماء الساخن.
وقال المشتكون إن بعض العمال اضطروا إلى النوم على الأرض بسبب عدم توفر عدد كاف من الأسرة، فيما لم تكن الأجور التي يتقاضونها في نهاية الشهر تتناسب مع عدد ساعات العمل الفعلية.
وبحسب الإفادات المقدمة أمام المحكمة، لم تكن ساعات العمل الإضافية تؤدى بالتعريفة المقررة، كما كان على العمال الراغبين في العودة إلى فرنسا خلال الموسم التالي دفع مبالغ مالية جديدة.
ويحاكم الزوجان بتهمة الاتجار بالبشر إلى جانب مسؤول عن إحدى الضيعات الفلاحية، فيما يمثل مستغل زراعي ثان أمام المحكمة، خصوصا بسبب اتهامات مرتبطة باللجوء إلى العمل غير المصرح به.
ونفى حميد الاتهامات الموجهة إليه، وقدم نفسه أمام المحكمة باعتباره “عاملا بسيطا” لا يجيد القراءة أو الكتابة بالفرنسية.
وعندما واجهته المحكمة بتسجيلات تظهر العمال الذين استقدمهم وهم يحفرون مسبحا في منزله خلال عطلة نهاية الأسبوع، قال إنهم “فعلوا ذلك من أجل الترويج لأنفسهم”.
أما التسجيلات التي ظهر فيها وهو يعد رزم من الأوراق النقدية، فقال إنها كانت “فخا لمواقع التواصل الاجتماعي”.
وأكد حميد وزوجته أن عشرات الآلاف من اليوروهات التي أودعت نقدا أو بواسطة شيكات في حساباتهما البنكية تعود إلى “مدخراتهما”، أو إلى “هبات” حصلا عليها من أفراد العائلة.
من جهته، قال جيفري، وهو مستغل فلاحي ينتج الكرز والمشمش والرمان والكاكي، إن حميد كان يتولى العثور على العمال، نافيا علمه بظروف إقامتهم أو بوجود مبالغ مالية تدفع مقابل الحصول على عقود العمل.
وتساءل المستغل الزراعي أمام المحكمة: “كيف يمكننا أن نفعل غير ذلك؟”، في إشارة إلى الصعوبات التي يواجهها القطاع الزراعي الفرنسي في العثور على اليد العاملة.
وأشاد محامو الأطراف المدنية بما وصفوه بـ”شجاعة” العمال المغاربة الخمسة عشر، الذين حضروا جميعا أمام المحكمة، معتبرين أنهم قرروا التبليغ عن “ظروف لا تليق بعصرنا، وظروف عبودية حديثة”.
وكان العمال المغاربة قد أطلقوا التنبيه بشأن أوضاعهم خلال عملية تفتيش نفذتها مصالح الشغل الفرنسية.
وانضمت “الكونفدرالية الفلاحية”، وهي نقابة زراعية فرنسية، إلى الملف بصفتها طرفا مدنيا، معتبرة أن القضية تكشف عن “أعمال عنف ممنهجة في حق العمال الأجانب”، وعن ضرورة مكافحة استغلال الأشخاص المنحدرين من الهجرة.
واعتبرت المدعية العامة ناتالي فيلت أن أركان جريمة الاتجار بالبشر متوافرة في حق ثلاثة من المتهمين الأربعة، وطالبت بإصدار أحكام في حقهم بالحبس موقوف التنفيذ تتراوح بين عام و18 شهرا، إلى جانب غرامات تتراوح بين 50 ألفا و150 ألف يورو.
ولخصت ممثلة النيابة العامة ظروف العمل التي تناولها الملف بالقول: “لا ماء، لا مراحيض، لا غرف لتغيير الملابس، يعمل الشخص 13 ساعة يوميا في الحقل، وفوق ذلك يدفع مقابل العمل”.
وأضافت أن العمال المغاربة تعرضوا، وفق ما ورد في الملف، للمضايقات والإهانات والإذلال والصراخ وتقليد أصوات الحيوانات في التعامل معهم.
ومن المنتظر أن تضع محكمة نيم القضية في المداولة قبل إصدار قرارها في وقت لاحق.
وتصل إلى المحاكم الفرنسية بصورة متكررة قضايا مرتبطة باستغلال العمال الأجانب داخل المزارع في إقليمي “غار” و”فوكلوز،” جنوب البلاد، فيما سجلت خلال الفترة الأخيرة ملفات مماثلة في مزارع الكروم بمنطقة بوردو جنوب غرب فرنسا.