تسير “فاتورة الغلاء” التي تتحملها الأسر المغربية في اتجاه يبدو معاكسا لمنحى التضخم الرسمي، بعدما أعادت الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات واستمرار غلاء مجموعة من المواد الغذائية الضغط على الميزانيات، في وقت تظهر المؤشرات الإحصائية بقاء المستوى العام للأسعار تحت السيطرة. وتكشف هذه المفارقة اتساع المسافة بين متوسط حركة الأسعار وبين الكلفة الحقيقية التي تتحملها الأسر في نفقات يومية يصعب الاستغناء عنها أو تقليصها.
وأظهرت أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفع خلال غشت الماضي بـ0,8 في المائة مقارنة بيوليوز، نتيجة زيادة أسعار المواد الغذائية بـ0,9 في المائة وغير الغذائية بـ0,7 في المائة؛ غير أنه ظل منخفضا بـ0,3 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية، مدفوعا أساسا بتراجع أسعار المواد الغذائية بـ3,9 في المائة، مقابل ارتفاع المنتجات غير الغذائية بـ2,5 في المائة. وفي المقابل، سجل بند النقل زيادة سنوية بلغت 7,3 في المائة، بينما قفزت أسعار المحروقات وحدها بـ9,8 في المائة بين يوليوز وغشت.
ولا تلتقط هذه الأرقام بعد كامل أثر موجة الزيادات المسجلة في محطات الوقود خلال شتنبر الجاري. ففي الدار البيضاء، تراوح سعر لتر الغازوال بعد مراجعة 16 شتنبر بين 15,30 و15,33 درهما، مقابل 15,19 إلى 15,20 درهما للبنزين، بعد زيادة جديدة بلغت 34 سنتيما للغازوال و27 سنتيما للبنزين. ووصل تراكم ارتفاع سعر الغازوال منذ منتصف يوليوز إلى حوالي 2,74 درهما للتر، ما يعني إضافة ناهزت 137 درهما إلى كلفة ملء خزان سعته 50 لترا.
وتزامنت هذه التطورات مع استمرار نظرة حذرة للأسر إلى أوضاعها المعيشية. فقد أفادت نتائج البحث الظرفي لمندوبية التخطيط بأن 78,3 في المائة من الأسر صرحت خلال الفصل الثاني من السنة الجارية بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا السابقة، مقابل 5,2 في المائة فقط سجلت تحسنا، فيما استقر مؤشر ثقة الأسر عند 60,1 نقطة، بعدما كان في حدود 64,4 نقطة خلال الفصل الأول. وهي معطيات توحي بأن استقرار التضخم في مستويات منخفضة لا يعني بالضرورة استعادة الأسر لهوامشها المالية التي فقدتها خلال موجات ارتفاع الأسعار السابقة.
المحروقات تضغط على الميزانيات وتفاقم النفقات
تحولت المحروقات خلال الأسابيع الأخيرة إلى أحد أبرز مصادر الضغط المباشر على الإنفاق الأسري، بعدما توالت مراجعات الأسعار منذ منتصف يوليوز، لتدفع الغازوال فوق عتبة 15 درهما للتر وتجعله أغلى من البنزين في عدد من المحطات. ولا يتوقف أثر هذه الزيادات عند أصحاب السيارات؛ إذ يشكل الوقود عنصرا أساسيا في تكاليف نقل الأشخاص والبضائع والتوزيع والخدمات، مما يرفع مخاطر انتقال جزء من الزيادة تدريجيا إلى أسعار سلع وخدمات أخرى.
وتتضح وطأة الزيادة أكثر عند تحويل سعر اللتر إلى كلفة شهرية فعلية. فأسرة تستهلك ما بين 80 و100 لتر من الغازوال شهريا أصبحت تتحمل، مقارنة بمستويات منتصف يوليوز، ما بين 219 و274 درهما إضافية تقريبا كل شهر بسبب الوقود وحده. يتعلق الأمر بكلفة يصعب بالنسبة إلى العديد من الأسر التخلص منها فورا، خصوصا عندما ترتبط السيارة بالتنقل اليومي إلى العمل أو الدراسة أو بقضاء احتياجات أسرية منتظمة.
واعتبر خليل مسعودي، خبير اقتصادي متخصص في الاقتصاد التطبيقي، أن قراءة الضغط على القدرة الشرائية انطلاقا من المعدل العام للتضخم وحده لا تكفي لتقدير العبء الذي تتحمله الأسر، موضحا أن “الأثر الاقتصادي لأي زيادة لا تحدده نسبتها فقط، وإنما كذلك وزن النفقة المعنية داخل الميزانية ومدى قدرة الأسرة على الاستغناء عنها أو تعويضها ببديل أقل كلفة”. وأضاف أن المحروقات تمثل نموذجا واضحا لهذا النوع من النفقات، لأنها تدخل مباشرة في ميزانية التنقل، وبشكل غير مباشر في تكاليف نقل وتوزيع عدد واسع من السلع والخدمات.
وأوضح مسعودي، في تصريح لهسبريس، أن تراجع التضخم السنوي لا يعني بالضرورة انخفاض “فاتورة المعيشة”؛ إذ يمكن لمتوسط الأسعار أن يتراجع بفعل هبوط قوي في بعض المكونات، بينما تستمر مكونات أخرى ذات حضور يومي في ميزانية الأسر في الارتفاع، موردا أن “المؤشر يقيس حركة سلة واسعة من الأسعار، بينما الأسرة تتعامل مع ميزانية محدودة والتزامات محددة. لذلك، قد يكون التضخم ضعيفا إحصائيا في الوقت الذي تشعر فيه فئات واسعة بأن مصروفها الشهري أصبح أثقل”.
ويزداد هذا التباين أهمية بالنظر إلى أن بيانات غشت لا تشمل الزيادات الجديدة التي عرفتها محطات الوقود خلال شتنبر. فقد سجلت المندوبية بالفعل زيادة شهرية بـ9,8 في المائة في أسعار المحروقات خلال غشت، قبل أن ترتفع الأسعار مجددا في منتصف الشهر الجاري.
ويعني ذلك أن جزءا من الصدمة الحالية سيظهر في المؤشرات اللاحقة، سواء بصورة مباشرة عبر بند الوقود، أو بدرجات متفاوتة من خلال تكاليف النقل والخدمات المرتبطة به.
وتكشف عودة الحكومة إلى تمديد الدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي لشهر إضافي حجم المخاوف من انتقال صدمة الغازوال إلى باقي حلقات الاقتصاد، خصوصا أن الوقود يمثل أحد أهم بنود تكلفة استغلال مركبات نقل الأشخاص والبضائع. ويعمل هذا الدعم على تخفيف جانب من الضغط على المهنيين، لكنه لا يلغي الكلفة المباشرة التي يتحملها أصحاب السيارات الخاصة عند محطات الوقود.
تضخم منخفض لا يعني تراجع الأسعار
ظهرت المفارقة بصورة أكبر عند الانتقال من تطور الأسعار إلى بنية إنفاق الأسرة المغربية. فآخر بحث وطني حول مستوى معيشة الأسر يقدر متوسط الإنفاق السنوي للأسرة بنحو 83 ألفا و713 درهما، أي ما يقارب 6976 درهما شهريا. كما أظهرت نتائج البحث تراجع حصة النقل من إجمالي الإنفاق من 7,1 في المائة إلى 5,8 في المائة، ما يجعل زيادة شهرية تتجاوز 200 درهم في الوقود وحده ثقيلة قياسا إلى متوسط ميزانيات فئات واسعة من الأسر.
يضاف إلى ذلك أن انخفاض أسعار الغذاء بـ3,9 في المائة على أساس سنوي خلال غشت لم يمنع تسجيل زيادات واضحة مقارنة بيوليوز؛ إذ ارتفعت أسعار الأسماك وفواكه البحر والحليب والجبن والبيض بـ2,8 في المائة، واللحوم بـ2,2 في المائة، والخضر بـ1 في المائة. وهنا يظهر أحد مفاتيح التباين بين التضخم المحسوب والشعور بالغلاء: انخفاض السعر مقارنة بسنة سابقة لا يعني بالضرورة رجوعه إلى مستواه الذي كان سائدا قبل موجات التضخم المتراكمة خلال السنوات الماضية.
وفسر محمد كريم القادري، خبير اقتصادي مستشار في الهندسة المالية، هذه المفارقة بضرورة التمييز بين “معدل تغير الأسعار” و”مستوى الأسعار” نفسه، معتبرا أن “تباطؤ التضخم يعني أن وتيرة ارتفاع الأسعار هدأت أو أن بعض مكونات السلة تراجعت مقارنة بفترة مرجعية، لكنه لا يعني أن الأسرة استعادت تلقائيا قدرتها الشرائية السابقة”، موضحا أن ميزانية الأسرة تتأثر بمستوى الأسعار المتراكم مقارنة بالدخل المتاح، وليس فقط بالنسبة التي يتحرك بها مؤشر التضخم خلال شهر أو سنة.
ونبه القادري، في تصريح لهسبريس، إلى أن الخطر بالنسبة إلى الأسر ذات الهوامش المالية المحدودة يظهر عندما تتركز الزيادات في النفقات غير القابلة للتأجيل، مؤكدا أن الأسرة تستطيع تأخير اقتناء تجهيز منزلي أو سيارة أو سلعة معمرة، لكنها تملك مجالا أضيق بكثير للمناورة عندما يتعلق الأمر بالغذاء والتنقل والسكن والتعليم، موضحا في السياق ذاته أن هذا الوضع يدفع الأسر، عند تعرض ميزانياتها للضغط، إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والاقتطاع من المصاريف القابلة للتأجيل، بما قد ينعكس في نهاية المطاف على الاستهلاك.
وتنسجم هذه القراءة مع مؤشرات الثقة المسجلة خلال الفصل الثاني؛ إذ توقعت 51 في المائة من الأسر تدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، مقابل 9,3 في المائة فقط تنتظر تحسنه، فيما ظل رصيد الآراء حول تطور مستوى المعيشة في المنطقة السلبية عند ناقص 41,7 نقطة.
وتكمن حساسية المرحلة الحالية في أن “فاتورة الغلاء” لم تعد مرتبطة بارتفاع شامل ومتزامن لجميع الأسعار، بل بتمركز الضغوط في نفقات ذات وزن مباشر في الحياة اليومية. ولذلك، يمكن أن يتراجع التضخم على أساس سنوي، بينما ترتفع الكلفة الفعلية لتدبير الشهر بالنسبة إلى أسرة تعتمد على السيارة، أو تخصص حصة كبيرة من دخلها للغذاء والتنقل والالتزامات الثابتة.
وتكشف هذه الوضعية في النهاية أن القدرة الشرائية لا يمكن اختزالها في اتجاه مؤشر واحد. فالتضخم يقيس تغير متوسط أسعار سلة استهلاكية، بينما تعكس ميزانية الأسرة تفاعلا أكثر تعقيدا بين مستوى الدخل، والأسعار المتراكمة، وتركيبة الإنفاق، وحجم الالتزامات التي لا يمكن تأجيلها. وبين المؤشرين تتشكل اليوم مفارقة واضحة، تتمثل في تضخم سنوي منخفض في الإحصاءات، مقابل “فاتورة غلاء” ما تزال تضغط على جيوب الأسر وتضيق هامشها المتاح للاستهلاك والادخار.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر