فاطمة الزهراء المنصوري
29 شتنبر 2026 لن يغادر ذاكرة نساء المغرب؛ لأنه اليوم الذي عيّن فيه الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة (البام)، رئيسة للحكومة وكلّفها بتشكيل الحكومة الجديدة. أول امرأة تبلغ هذا الموقع في تاريخ المملكة، باشرت صباح اليوم الموالي، بلا كلل ولا ملل، مشاورات تشكيل الأغلبية، بلقاء 5 أحزاب سياسية لها وزنها في البلاد.
ابنة إقليم الرحامنة، والدها الباشا عبد الرحمن المنصوري، ومن اسمه جاء لقب “بنت الباشا” الذي لازمها. لكنها لم تتكئ على إرث العائلة وحده. اختارت القانون، وتخصصت في شقه العقاري، ودرست بين المغرب وفرنسا والولايات المتحدة. ومن المحاماة اكتسبت خبرة الترافع والتفاوض ومعالجة الملفات “المعقدة”؛ ما يؤهّلها إلى قيادة ما توصف إعلاميا وسياسيا بـ”حكومة المونديال” أو “حكومة الأوراش الكبرى”، وفي مقدمتها تنزيل الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمغرب.
في 2009، انتُخبت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للمجلس الجماعي لمراكش، فكانت أول امرأة تتولى عمودية مدينة شكلت اختبارا حقيقيا بثقلها الاقتصادي والسياحي والسياسي. ثم توالت المحطات: عضوية مجلس النواب في 2011، وتجديد الثقة في 2016، وعودة إلى “عمودية مدينة النخيل” بعد انتخابات 2021.
التحقت بحزب الأصالة والمعاصرة في بداياته، وصعدت مدارجه بخطى ثابتة. في 2016، انتُخبت رئيسة لمجلسه الوطني، وجُددت لها الثقة في 2020؛ حضور نسائي لافت في تنظيم سياسي كبير، ودور توفيقي جسّدته دعوتها إلى “طي صفحة الماضي”.
في أكتوبر 2021، دخلت حكومة أخنوش وزيرةً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فجمعت بين الحكومة في الرباط، والتدبير المحلي في مراكش، والعمل الحزبي.
في فبراير 2024، بعد المؤتمر الوطني الخامس، غادرت رئاسة المجلس الوطني إلى تنسيق قيادة ثلاثية للأمانة العامة. تجربة غير مسبوقة في المغرب، قوبلت في البداية بالانتقاد والسخرية. قدّمتها المنصوري انتقالا من منطق الزعيم الواحد إلى العمل الجماعي، وصارت منذ ذلك الحين الوجه الأبرز للقيادة.
وقالت عقب الاستقبال الملكي إن “العمل سيبدأ اليوم”، بمشاورات داخل الحزب ثم مع باقي الأحزاب، للتقدم بمقترح أعضاء الحكومة “في أقرب وقت”، لتكون حكومة “في مستوى انتظارات الملك والمواطنين المغاربة”.
خبر التعيين تجاوز حدود المملكة، وحَجَزَ لهذه المرأة البهجاوية المكافحة مكانا عَلِيّا في عناوين الصحافة الدولية التي توقفت عند رمزيته. لكن الرمزية وحدها لا تفسر المسار؛ فهي تصل إلى رئاسة الحكومة محمّلة برصيد قانوني وسياسي وإداري وازن، يتوّج مسيرة طويلة في القانون والسياسة والإدارة وقيادة المؤسسات.
لهذه الأسباب كلها، تحجز “بنت الباشا” أيضا مكانها بين أرصدة “الطالعين” في بورصة هسبريس. سهمٌ ارتفع بثبات، من مكتب المحاماة إلى عمودية مراكش، ومن قبة البرلمان إلى كرسي الوزارة.
لم تبلغ الواجهة بالاسم ولا بالإرث، بل بالمسار والنتائج. تقدمت على منافسين رجال، وكسرت احتكارا ذكوريا عمّر عقودا في رئاسة السلطة التنفيذية منذ الاستقلال. وهي تمسك اليوم بدفة سفينة “حكومة المونديال” في مرحلة تتطلب يدا حازمة ورؤية بعيدة. الرهان كبير، لكن من عَبَر كل تلك المحطات بخطى ثابتة، يملك من الرصيد ما يكفي لمواجهة الأمواج.