منبر — ديمو المعمار
العالم العربي

قضية "إنفرافيست" تفضح هشاشة سكان مخيمات تندوف ومخاطر الاستغلال

1 أكتوبر 2026 5 دقائق قراءة

لم تعد قضية “إنفرافيست” مجرد ملف مالي يهم عددا من المتضررين داخل مخيمات تندوف، بعدما انتقلت تداعياتها إلى فضاء النقاش الحقوقي الدولي بجنيف، حيث سلط ممثلون عن المجتمع المدني الضوء على ما اعتبروه نموذجا للمخاطر التي قد تترتب عن الهشاشة الاقتصادية وضعف آليات الرقابة والمساءلة.

وخلال فعالية جانبية نظمت على هامش الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تحت عنوان “الاتجار بالبشر في إفريقيا: تعزيز الحماية والمساءلة والحلول المستدامة”، انصب جانب من النقاش على قضية شركة “إنفرافيست” (Infravest)، وعلى التداعيات المالية والاجتماعية التي خلفتها، وفق المعطيات المقدمة خلال اللقاء.

وشارك في الفعالية عدد من المنظمات والفاعلين في مجال حقوق الإنسان، حيث شكلت حماية الفئات الهشة، وتعزيز آليات المساءلة، والوقاية من الاستغلال، ومعالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تزيد من قابلية الضحايا للاستغلال، أبرز محاور النقاش.

“إنفرافيست”.. مدخرات في مهب الضياع

خصص الدكتور الشبيطة امربيه ربو، رئيس المركز الصحراوي للدراسات والبحوث في التنمية وحقوق الإنسان، جانبا مهما من مداخلته لقضية “إنفرافيست”، مقدما إياها كنموذج للمخاطر المرتبطة بضعف آليات الرقابة المالية في البيئات الهشة.

وبحسب العرض الذي قدم خلال اللقاء، قامت الشركة باستقطاب استثمارات ومدخرات من سكان المخيمات، مقابل وعود بتحقيق عائدات مالية مرتفعة، قبل أن تنهار بشكل مفاجئ خلال شتنبر 2026، وسط تساؤلات حول مصير الأموال والآليات المتاحة لاسترجاعها.

وأشار العرض إلى أن الاختفاء المبلغ عنه لمسؤول الشركة، إلى جانب عدم وضوح المساطر المتعلقة باسترجاع الأموال، ترك عددا من الأسر المتضررة أمام وضعية مالية واجتماعية صعبة، في وقت تجمع فيه عدد من المتضررين في الرابوني للمطالبة بالعدالة واستعادة مدخراتهم.

وبحسب معطيات إعلامية جرى تداولها بشأن القضية، تقدر قيمة الأموال التي يطالب الضحايا باسترجاعها بحوالي 6.6 ملايين دولار أمريكي، غير أن هذا الرقم لم يرد ضمن الوثيقة المقدمة خلال الفعالية، ما يجعل التعامل معه مرتبطا بالمصادر الإعلامية التي أوردته، وليس بحصيلة رسمية موثقة صادرة عن جهة تحقيق مستقلة.

قضية مالية تكشف هشاشة اجتماعية

لم يتوقف النقاش في جنيف عند حجم الخسائر المالية، بل جرى التركيز على التداعيات الإنسانية والاجتماعية المحتملة لفقدان الأسر مدخراتها، خصوصا في سياق تتسم فيه أوضاع سكان المخيمات بالهشاشة الاقتصادية.

وأكد المتدخلون أن فقدان الموارد المالية الأساسية يمكن أن يؤدي إلى تعميق هشاشة الأسر المتضررة، ويجعلها أكثر عرضة للوعود الزائفة والتلاعب والاستغلال بأشكاله المختلفة.

وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن معالجة مثل هذه الملفات لا ينبغي أن تقتصر على الجانب المالي، بل تستوجب أيضا النظر في الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالضحايا، ومدى توفر آليات فعالة لحمايتهم وتمكينهم من الوصول إلى العدالة والانتصاف.

“إنفرافيست” ليست في حد ذاتها قضية اتجار بالبشر

شدد المشاركون في الفعالية على ضرورة التمييز بين قضية “إنفرافيست” وجريمة الاتجار بالبشر؛ إذ لم تقدم القضية، وفق العرض، باعتبارها حالة اتجار بالبشر في حد ذاتها.

وإنما تم تقديمها باعتبارها مثالا على الطريقة التي يمكن أن يساهم بها الاستغلال الاقتصادي وفقدان الموارد في خلق ظروف تزيد من قابلية الفئات الهشة للتعرض لاحقا لأشكال أخرى من الاستغلال، بما فيها العمل القسري وشبكات التهريب والاستغلال المرتبط بالوعود الوهمية.

من هذا المنظور، اعتبر المشاركون أن الوقاية من الاتجار بالبشر تقتضي، إلى جانب مكافحة الشبكات الإجرامية، معالجة الأسباب والعوامل التي تزيد من هشاشة بعض الفئات، وفي مقدمتها الفقر وفقدان الموارد وضعف آليات الحماية والمساءلة.

دعوات إلى التحقيق وتتبع الأموال

دعا المشاركون إلى تعزيز آليات التحقيق والرقابة المستقلة، وإحداث قنوات آمنة وفعالة لتقديم الشكايات، وتشديد الإشراف على الأنشطة المالية الموجهة إلى الفئات الهشة.

كما شددوا على أهمية التحقق من مسارات التدفقات المالية، وتمكين المتضررين من توثيق خسائرهم، وضمان استفادتهم من سبل انتصاف فعالة، فضلا عن العمل، متى توفرت الشروط القانونية، على تتبع الأصول التي يمكن أن تساهم في استرجاع الأموال لفائدة الضحايا.

وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة بالنسبة للأسر التي فقدت مدخراتها، في ظل استمرار التساؤلات حول مصير الأموال والمسؤوليات المرتبطة بالقضية، وهي أسئلة تبقى الإجابة عنها مرتبطة بنتائج التحقيقات والجهات المختصة.

حضور دولي في الفعالية

شارك في الفعالية الدكتور Chongsi Ayeah Joseph، المدير التنفيذي لمنظمة Centre for Human Rights and Peace Advocacy (CHRAPA)، والدكتور الشبيطة امربيه ربو، وGwendoline Kwakam، وMaluza Anslem، رئيس منظمة “CIRAC”، إلى جانب Munir Mengal عن “Focus Asia Foundation”.

وبحسب المعطيات التي قدمها المنظمون، سجل اللقاء حضور ممثلين عن البعثات الدائمة للمملكة المغربية وفرنسا ومصر وقبرص وسيراليون لدى الأمم المتحدة بجنيف، في سياق النقاش حول حماية الفئات الهشة ومكافحة مختلف أشكال الاستغلال.

ويعكس هذا الحضور، وفق المنظمين، الاهتمام الذي حظي به النقاش المرتبط بحماية الفئات الهشة وتعزيز آليات الوقاية والمساءلة، خصوصا في المناطق التي تفتقر فيها بعض الفئات إلى آليات واضحة وفعالة للحماية والانتصاف.

من مخيمات تندوف إلى النقاش الأممي

من خلال طرح قضية “إنفرافيست” في هذا المحيط الحقوقي الدولي، سعت المنظمات المشاركة إلى إيصال قضية حماية سكان مخيمات تندوف إلى النقاش الأممي، مع التركيز على حماية الضحايا والشفافية والمساءلة، وربط الوقاية من الاستغلال بمعالجة عوامل الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

فالوقاية من الاتجار بالبشر، كما خلص المشاركون، لا تبدأ فقط من ملاحقة المتورطين في عمليات الاستغلال، وإنما تبدأ أيضا من حماية الفئات التي قد تجعلها ظروفها الاقتصادية والاجتماعية أكثر عرضة للوقوع ضحية للوعود الوهمية أو الاستغلال.

وفي حالة “إنفرافيست”، يبقى الجانب الحاسم مرتبطا بكشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات القانونية، وتوضيح مصير الأموال، وتمكين المتضررين من سلوك مسارات فعالة للإنصاف واستعادة حقوقهم.

وبينما تواصل القضية إثارة تساؤلات داخل المخيمات، فإن نقلها إلى فضاء النقاش الحقوقي الدولي بجنيف يضعها أمام مطالب أكثر وضوحا تتعلق بالشفافية، والتحقيق المستقل، وتتبع الأموال، وحماية المتضررين، وضمان عدم تحول الهشاشة الاقتصادية إلى بوابة لاستغلال جديد.

اقرأ النسخة الكاملة