جاؤوا بالآلاف من مناطق قريبة وبعيدة، اصطف رجال ونساء وأطفال على ضفة نهر في ولاية كنتاكي لمشاهدة الإعدام العلني شنقاً لرجل أسود أُدين باغتصاب وقتل أرملة بيضاء مسنة.

كان ذلك في 14 أغسطس/آب 1936 في أوينسبورو في كنتاكي، في يوم جمعة حار، خلال موجة حرّ أسطورية. وبات بعضهم ليلاً قرب المشنقة للحفاظ على أماكنهم. وأقام آخرون حفلات في الليلة السابقة، ووصلوا وهم يعانون آثار الثمالة، فيما كان فتية يبيعون الفشار والمشروبات الغازية للمتفرجين.

وبحلول موعد التنفيذ عند الساعة الخامسة صباحاً، كان عدد الحشود قد زاد ليُقدَّر بنحو 20 ألف شخص.

وعندها صعد رايني بيثيا، يتيم في العشرينيات من عمره، إلى المشنقة، وكان قد حُكم عليه بالإعدام إثر اعترافه المزعوم بسرقة واغتصاب وقتل ليشيا إدواردز، البالغة من العمر 70 عاماً.

في عصر اليوم السابق، تناول بيثيا وجبته الأخيرة من الدجاج المقلي وشرائح لحم الخنزير والبطاطس المهروسة والخيار المخلل وخبز الذرة وفطيرة الليمون والبوظة.

كثيرون من بين المتجمعين، بمن فيهم صحفيون جاؤوا من أماكن بعيدة مثل شيكاغو ونيويورك، لمشاهدة "السيدة الجلادة" التي راجت عنها الشائعات. كان الشريف المحلي (حاكم المنطقة) قد توفي قبل أربعة أشهر، وأصبحت أرملته البديلة غير المتوقعة له. لكنها رفضت أن تسحب بنفسها ذراع حبل المشنقة، وقام جلاد مأجور بإنهاء حياة بيثيا.

وشكّلت تلك اللحظة آخر عملية شنق علنية بارزة في الولايات المتحدة. وقد أثار المشهد الاحتفالي المحيط بموت بيثيا حرجاً لكثيرين في كنتاكي، وحظر الحاكم عمليات الإعدام العلنية بعد ذلك بـ18 شهراً.

وبحلول ذلك الوقت، كانت معظم الولايات قد ألغت عقوبة الإعدام أمام أنظار الجموع مع سعي السلطات إلى اعتماد أساليب أكثر إنسانية وخصوصية. وشهدت عملية شنق أخرى حضور بضع مئات من الأشخاص في ميزوري عام 1937، لكنها كانت أقل شهرة وشكّلت آخر عملية إعدام علنية في الولايات المتحدة، حتى الآن.

  • تصاعد الدخان من مستودع في مطار الملك خالد الدولي في الرياض في أعقاب هجمات لجماعة أنصار الله اليمنية في 19 سبتمبر/أيلول 2026
    جماعة أنصار الله تجدد التحذير من الملاحة في أجواء السعودية، والسفارة الأمريكية بالمملكة تقيّد استخدام مطاري جدة والدمام
  • ما هو "الاكتئاب المبتسم" وكيف تعرف إذا كنت مصاباً به؟
  • ترامب بعد رفض زيلينسكي صفقة الديزل: "حان الوقت ليكون لأوكرانيا رئيس جديد"
  • مقتل 12 شخصاً على الأقل وإصابة 309 آخرين في انفجار بمطار الملك خالد بالرياض، وترامب يقول إنه سيقرر "سريعاً" بشأن ضرب جماعة أنصار الله الحوثية

الأكثر قراءة نهاية

content نهاية

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وبعد مرور أكثر من 90 عاماً على إعدام بيثيا، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن الجيش سينفذ إعدام نضال حسن علناً، وهو الذي قتل 13 من زملائه الجنود العزّل عام 2009 في قاعدة فورت هود العسكرية في ولاية تكساس.

وتبع ذلك إعلان صادر عن البنتاغون بأن عملية الإعدام رمياً بالرصاص ستُنقل مباشرة عبر الإنترنت.

وقال هيغسيث: "يحتاج الناس إلى أن يفهموا أن هناك عواقب وخيمة لمثل هذه الأمور".

وعبّر مايكل راديليت، الأستاذ الفخري في جامعة كولورادو والمحاضر منذ مدة طويلة في عقوبة الإعدام، عن صدمة وقال لبي بي سي " "لم أتخيل على الإطلاق إعداماً علنياً (آخر)".

وأشار إلى أن التأييد الشعبي لعقوبة الإعدام بشكل عام، كان يتراجع باستمرار، فبلغ على سبيل المثال 80 في المئة عام 1994، لكنه يقف الآن عند نسبة 52 في المئة.

وقال: "لقد انخفض (الإعدام) بشكل حاد، خاصة عندما تُطرح عقوبة السجن مدى الحياة من دون إفراج مشروط كبديل عنه".

ولا يزال من المبكر معرفة موقف الجمهور الأميركي من فكرة بث عملية إعدام مباشرة عبر الإنترنت. لكن من المؤكد تقريباً أن ملايين الأشخاص أو أكثر سيتابعونها.

وقال راديليت إن إعلان هيغسيث يعني أن "مبرر عقوبة الإعدام يتحول إلى ترفيه... أحضروا الفشار، وادعوا أصدقاءكم".

شعرت سونيا ليا، التي نشرت العام الماضي كتاباً عن إعدام بيثيا، بـ"رعب مطلق على أحفادنا" عندما سمعت بإعلان البث المباشر لعملية الإعدام رمياً بالرصاص.

وقالت: "ما كانوا يسمونه إعداماً عام 1936 كان كرنفالاً من السادية. وبما أنه لدينا الآن التكنولوجيا التي يمكن أن تجعل ذلك يصل إلى نطاق أوسع من 20 ألف شخص، أي عدد الذين حضروا للمشاهدة في أوينسبورو في كنتاكي، فإن الأمر يصبح أكثر ترويعاً".

وكان جَدّا ليا، بعد زواجهما بفترة قليلة في سن المراهقة، من بين الحشد الذي حضر عام 1936. ولم تعلم بذلك إلا بعد وفاة جدتها عام 2002، عندما قرأت رواية تركتها الراحلة تشرح فيها أنهما كانا قريبين بما يكفي لسماع صوت انكسار عنق بيثيا.

وأظهرت سنوات البحث التي أجرتها الكاتبة لاحقاً أن كثيراً من سكان كنتاكي "طاردهم شبح" ذلك الإعدام.

وقالت: "كنت أعتقد حقاً، ومن كل قلبي، أننا تركنا هذا خلفنا، هذا المستوى من البشاعة الذي لا تنخرط فيه سوى قلة من دول العالم، مثل إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان. هل نحن الآن، الولايات المتحدة الأمريكية، نعتبر أنفسنا جزءاً من هذا النوع من الحكومات؟ إنه أمر مروع بكل بساطة".

لكن الاستقطاب والخطاب السياسي في الولايات المتحدة ربّما مهدا، بطريقة ما، الطريق لمثل هذا الإعلان، بحسب كيرت غراي، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية أوهايو.

وقال: "قد يتعطش بعض الأمريكيين لرؤية الدماء، لكنني أعتقد أن كثيراً من الأمريكيين لا يفعلون ذلك، بل إن كثيرين آخرين ربما أصبحوا أقل تأثراً بالأمر. لذا فليس الأمر أنهم يهتفون لإعدام علني؛ بل وكأنهم يقولون: أعتقد أن هذا هو الوضع الذي وصلنا إليه الآن".

وتشير أبحاث أخرى إلى أن هيغسيث والإدارة ربما يسيئان فهم البلاد.

وقال غارين وينتميوت، مدير برنامج أبحاث الوقاية من العنف في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، إن بيانات استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع الرغبة في العنف في الولايات المتحدة.

وأضاف: "صباح اليوم، وصف رئيس مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة الإعلان (عن البث المباشر لعملية الإعدام) بأنه عمل همجي. وأعتقد أنه يتحدث باسم كثير من الناس".

وتابع قائلاً: "أعتقد أن الأمر يتمثل في الآتي: الإعدام العلني ليس ما نحن عليه. وليس ما نطمح أن نكون عليه كدولة".

وقال نائب الرئيس جي دي فانس، وهو كاثوليكي، إنه لن يشاهد عملية الإعدام.

وتجنّب الرئيس دونالد ترامب الإجابة عن سؤال بشأن ما إذا كان سيتابعها بنفسه، لكنه أكد أنه وافق على قرار بث إعدام نضال حسن مباشرة.

وقال ترامب: "لا يهمني حقاً كيف سيمضي ما دام سيمضي. وأعتقد أن عقوبة الإعدام طريقة مستحقة جداً بالنسبة له."