قد يُساء استخدام الذكاء الاصطناعي في المستقبل لتطوير أسلحة بيولوجية. قد يبدو هذا وكأنه خيال علمي لكنه أصبح الآن محل اهتمام العلماء والسلطات الأمنية والمنظمات الدولية.

فالتقدم في مجال التكنولوجيا الحيوية يتيح تحليل العوامل المسببة للأمراض وتعديلها بدقة متزايدة. وبفضل الذكاء الاصطناعي يمكن تحليل كميات كبيرة من البيانات بسرعة أكبر. ولذلك يحذر الخبراء من أن التقنيات الحديثة قد يُساء استخدامها على المدى الطويل لتطوير أسلحة بيولوجية.

أجهزة الأمن بدورها، تراقب هذا التطور بقلق. فقد حذر كين ماككالوم، رئيس جهاز المخابرات الداخلية البريطاني MI5 في أكتوبر/ تشرين الأول 2026 من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد في المستقبل من خطر الأسلحة البيولوجية الحالية لو وقعت في أيدي جهات غير الحكومية.

الأسلحة البيولوجية..خطر متصاعد!

يُظهر تقرير صادر عن شركة أنثروبيك الأمريكية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في سبتمبر / أيلول الماضي، مدى أهمية هذا النقاش في الوقت الحالي. وحسب معلومات الشركة تم الكشف عن عدة محاولات وحظرها حيث كان الباحثون يعتزمون استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق أبحاث محتملة تتعلق  بالأسلحة البيولوجية. وحسب التقرير شملت هذه المحاولات من بين أمور أخرى طلبات تمويل لما يُعرف بـأبحاث اكتساب الوظيفة (Gain-of-Function) ومشاريع لدراسة سلالات إنفلونزا الطيور التي قد تكون أكثر قابلية للانتقال إلى الثدييات.

وفي الوقت نفسه شددت أنثروبيك على أن مثل هذه الأبحاث يمكنها أن تخدم أغراضا طبية وقائية، لكنها أيضا قد تكون بهدف أغراض هجومية. وهذا الخيط الرفيع بين البحث العلمي المشروع وإمكانية إساءة الاستخدام، بات أحد أكبر التحديات المقترنة  بالتقنيات الحيوية الحديثة.

ما هي الأسلحة البيولوجية؟

تنتمي الأسلحة البيولوجية إلى جانب الأسلحة النووية والكيميائية إلى مجموعة ما يُعرف بالأسلحة ABC. وغالبا ما تُصنف أيضا ضمن أسلحة الدمار الشامل. ولهذا فإن القلق بشأن الأسلحة البيولوجية ليس جديدا على الإطلاق. وهناك العديد من المكونات التي يمكن استخدامها كوسائل بيولوجية بما في ذلك البكتيريا والفيروسات والفطريات أو بعض السموم البيولوجية.

ومن الأمثلة المعروفة على ذلك، الجمرة الخبيثة (أنثراكس) والطاعون والجدري أو توكسين البوتولينوم. وتُعتبر الجمرة الخبيثة واحدة من أشهر العوامل البيولوجية الحربية. ويمكن لهذه الجراثيم المقاوِمة أن تبقى حية في البيئة لفترة طويلة وقد خضعت للدراسة أيضا في برامج الأسلحة البيولوجية الحكومية.

وتتألف الأسلحة البيولوجية عادة من مكونين: العامل البيولوجي الفعّال نفسه ونظام لنشره. ويشير الخبراء إلى "عامل" بيولوجي مثل الفيروسات أو البكتيريا و"نظام نقل" (Delivery Mechanism). ومن بين هذه الأنظمة الصواريخ وأنظمة الرش أو الأغذية الملوثة.

 

ما الفرق بينها وبين الأسلحة الكيميائية؟

يكمن الفرق بين الأسلحة البيولوجية  والأسلحة الكيميائية في طريقة عملها. فالأسلحة الكيميائية تلحق الضرر بالبشر من خلال التأثير السام للمواد الكيميائية مثل غاز السارين أو غاز الخردل. وغالبا ما يظهر التأثير في غضون ثوانٍ أو دقائق. ومن الأمثلة على ذلك الهجمات بالغازات السامة باستخدام غاز الكلور ولاحقا غاز الخردل في الحرب العالمية الأولى أو استخدام غاز الأعصاب "السارين" في الحرب الأهلية السورية.

أما الأسلحة البيولوجية فتسبب أمراضا معدية. وقد لا تظهر آثارها إلا بعد ساعات أو أيام أو أسابيع. كما يمكن لبعض  مسببات الأمراضأن تنتقل من شخص لآخر مما يجعل عواقبها صعبة التنبؤ.

ببساطة تعمل الأسلحة الكيميائية من خلال سمومها المباشرة بينما تسبب الأسلحة البيولوجية الأمراض. كما أن احتمالية انتقال العدوى من شخص لآخر هو بالذات ما يجعل الأسلحة البيولوجية صعبة التقدير بشكل خاص.

هل الأسلحة البيولوجية محظورة عالميا؟

نعم، الأسلحة البيولوجية محظورة دوليا. إذ دخلت اتفاقية الأسلحة البيولوجية حيز التنفيذ في عام 1975. وهي تحظر تطوير الأسلحة البيولوجية والأسلحة القائمة على السموم وتصنيعها وتخزينها ونقلها واستخدامها.

ويمكن اعتبار هذه الاتفاقية امتداداً لبروتوكول جنيف لعام 1925 الذي حظر استخدام الأسلحة البيولوجية كوسيلة للحرب فقط. وقد انضمت 189 دولة إلى هذه الاتفاقية. ولم تصدق بعض الدول مثل مصر وسوريا وإسرائيل على المعاهدة أو توقعها. بينما تلتزم الدول التي صادقت على الاتفاقية، بتدمير جميع مخزوناتها ومنشآت الإنتاج ووسائل النقل.

الأسلحة الكيميائية بدورها محظورة دوليا. وآليات الرقابة عليها تعتبر أكثر تطورا. إذ تقوم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) بالإشراف على اتفاقية الأسلحة الكيميائية. ويمكن لهذه المنظمة إجراء عمليات تفتيش ومراقبة تدمير مخزونات الأسلحة الكيميائية.

ولا يوجد حتى اليوم نظام رقابة مماثل للأسلحة البيولوجية. وتخشى الدول من أن تؤدي عمليات التفتيش إلى الكشف عن بيانات بحثية حساسة في مجالات الطب أو الصناعة الدوائية أو التكنولوجيا الحيوية. ولذلك تعتمد الرقابة على الأسلحة البيولوجية إلى حدّ كبير على الشفافية والإبلاغ الطوعي والثقة.

ويُظهر أحد أشهر الأمثلة التي وقعت في الولايات المتحدة عام 2001 أن الحظر وحده لا يكفي لمنع استخدام هذه الأسلحة: فبعد أسابيع قليلة من هجمات 11 سبتمبر تمّ إرسال رسائل تحتوي على جراثيم الجمرة الخبيثة (أنثراكس)، ما أدى إلى وفاة خمسة أشخاص وإصابة 18 آخرين.

"الاستخدام المزدوج"..التحدي الأكبر!

يُعد الكشف عن برامج الأسلحة البيولوجية أصعب بكثير من الرقابة على الأسلحة النووية أو الكيميائية. فالعديد من التقنيات التي يمكن استخدامها لتطوير الأسلحة البيولوجية لها أيضا تطبيقات مدنية. فالمعدات المختبرية نفسها التي تُستخدم في تطوير اللقاحات أو الأدوية يمكن نظريًّا استخدامها أيضا في الأبحاث العسكرية.

يتحدث الخبراء عن مشكلة "الاستخدام المزدوج": فالأبحاث يمكن أن تخدم في آن واحد أغراضا سلمية وطبية وعسكرية.

يُضاف إلى ذلك أن الهجوم البيولوجي قد يبدو في البداية وكأنه تفشي طبيعي لمرض ما. وغالبا ما يصعب تحديد ما إذا كان العامل المسبب للمرض قد أُطلق عمدًا أم نشأ بطريقة طبيعية، فالأمر بحاجة إلى تحقيقات مكثفة.

ولعله السبب وراء استخدام الأسلحة البيولوجية عبر التاريخ. وتشير كتب التاريخ إلى أمثلة حول تسميم الآبار أو استخدام جثث قتلى لنشر الأوبئة، غير أن مدى فعّالية هذه الأساليب، لا يزال في الواقع موضع خلاف.

أعده للعربية: م.أ.م