تتصاعد المخاوف في ألمانيا من تآكل "جدار الحماية" الذي اعتمدته الأحزاب الرئيسية لعزل حزب البديل من أجل ألمانيا، بعدما أظهرت تطورات في ولاية ساكسونيا-أنهالت تصدعات جديدة في الإجماع السياسي الرافض للتعاون مع الحزب اليميني.
فقد حصل حزب البديل من أجل ألمانيا الأسبوع الماضي على أول رئاسة لمجلس إقليمي في الولاية، بعدما صوت عدد من النواب، خلافاً لتوجيهات أحزابهم، لصالح مرشحه في اقتراع سري. وأثار ذلك شكوكاً بشأن تصويت نواب من الحزب الديمقراطي المسيحي لمصلحة الحزب اليميني، رغم مطالبتهم بالامتناع عن التصويت.
ووصف حزب البديل النتيجة بأنها "نقطة تحول سياسية"، معتبراً أنها أظهرت أن التزام بعض النواب بقناعاتهم بات أقوى من الالتزام بسياسة العزل المفروضة على الحزب.
صعود انتخابي يثير القلق
جاء هذا التطور بعد تحقيق الحزب مكاسب انتخابية غير مسبوقة الشهر الماضي، ما عزز المخاوف لدى خصومه الذين يرونه مناهضاً للقيم الديمقراطية التي قامت عليها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ويرفض الحزب بدوره تصنيفه كحزب يميني متطرف.
وبات الحزب يتصدر استطلاعات الرأي على المستوى الوطني منذ أكثر من عام، واضعاً نصب عينيه الفوز في الانتخابات العامة المقررة عام 2029، في وقت تواجه فيه حكومة المستشار فريدريش ميرتس الائتلافية ضغوطاً متزايدة بسبب الخلافات الداخلية وتراجع شعبيتها.
ويحمل كثير من الناخبين الأحزاب التقليدية مسؤولية تراجع مستويات المعيشة، على غرار ما تشهده دول أخرى في أوروبا الغربية، بينما تعهد الحزبان الحاكمان بمواصلة مواجهة ما وصفاه بالتطرف.
بين العزلة السياسية والطموحات الحكومية
تأسس حزب البديل من أجل ألمانيا قبل أكثر من عقد خلال أزمة ديون منطقة اليورو، وتحول من قوة هامشية إلى أحد أبرز الفاعلين في السياسة الألمانية.
وفي المقابل، صنفت أجهزة الأمن الألمانية بعض فروعه، ومن بينها فرع ساكسونيا-أنهالت، على أنها متطرفة ومعادية للمبادئ الدستورية، كما خلص تقرير أمني سري إلى أن الحزب يؤجج مشاعر العداء للمهاجرين ويغذي خطاباً عنصرياً ومعادياً للإسلام. وينفي الحزب هذه الاتهامات، مؤكداً أنه يدافع عن الهوية الوطنية والمصالح الألمانية.
وحتى الآن، يحول "جدار الحماية" دون مشاركة الحزب في أي حكومة ائتلافية. لكن مسؤولين في الحزب يؤكدون أنهم قادرون على استمالة مزيد من النواب من الأحزاب الأخرى لدعم مرشحهم لرئاسة حكومة ساكسونيا-أنهالت، حيث يفصلهم عدد محدود من المقاعد عن الأغلبية.
ورغم تمسك ميرتس برفض أي تعاون مع الحزب، فإن اتساع قاعدته الشعبية، خصوصاً في الولايات الشرقية، يثير تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية بشأن مدى إمكانية الاستمرار في سياسة العزل الحالية.
أصوات محافظة تدعو إلى مراجعة النهج
وفي تطور لافت داخل المعسكر المحافظ، دعا مانفريد فيبر، رئيس كتلة المحافظين في البرلمان الأوروبي ونائب رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، إلى إعادة النظر في سياسة العزل السياسي المفروضة على حزب البديل من أجل ألمانيا، معتبراً أن النهج القائم على مبدأ "إما نحن أو هم" لم يعد مجدياً وينبغي تجاوزه.
وقال فيبر إن استراتيجية "جدار الحماية" أثبتت محدودية فعاليتها في مواجهة صعود الأحزاب الشعبوية واليمينية، مستشهداً بالتجربة الفرنسية، حيث لم تنجح سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون القائمة على مواجهة مارين لوبان في الحد من نفوذ اليمين المتطرف، بحسب تعبيره.
واعتبر المسؤول المحافظ أن التمسك الصارم بسياسة العزل يضع التحالف المسيحي أمام معضلات متكررة في برلمانات الولايات التي تحكمها حكومات أقلية، مشيراً إلى أن الحزب يجد نفسه مضطراً في بعض الأحيان إلى التصويت إلى جانب أحزاب اليسار رغم التباينات السياسية معها.
وأضاف أن نواب حزب البديل من أجل ألمانيا يطرحون أحياناً مقترحات تتطابق أو تتقاطع مع مواقف الحزب المسيحي الديمقراطي، إلا أن التحالف المسيحي يصوت ضدها حفاظاً على سياسة العزل، وهو ما رأى أنه يثير تساؤلات بشأن جدوى هذا النهج على المدى الطويل.
واستشهد فيبر بتجربة البرلمان الأوروبي، حيث حظي مشروع لتشديد سياسات اللجوء بدعم أحزاب يمينية، بينها حزب البديل من أجل ألمانيا، معتبراً أن التعاون حول ملفات محددة لا ينبغي أن يبقى من المحرمات السياسية.
تحديات أعمق من السياسة الحزبية
ويرى مراقبون أن صعود حزب البديل يرتبط بجملة من التحديات التي تواجه ألمانيا، من بينها تداعيات الحرب في أوكرانيا على أسعار الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية لبعض القطاعات الصناعية أمام المنافسة الصينية، إضافة إلى الحاجة إلى إصلاحات في نظامي الضرائب والمعاشات لمواكبة شيخوخة السكان.
كما لا تزال الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين شرق ألمانيا وغربها حاضرة بعد عقود من إعادة التوحيد، وهو ما يسهم في شعور قطاعات من المواطنين بالتهميش.
وفي هذا السياق، حذر الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير من أن تراجع الثقة بالمؤسسات واتساع حالة الاستقطاب السياسي يهددان الاستقرار الديمقراطي، داعياً إلى الدفاع عن النظام الديمقراطي في مواجهة التحديات المتصاعدة.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر