نقاد: الفن وثق ملحمة أكتوبر وحكايات النصر ما زالت حية فى الوجدان المصرى
تحل اليوم الثلاثاء، الذكرى الـ53 لنصر السادس من أكتوبر المجيد، الذى يمثل إحدى أبرز المحطات فى التاريخ المصرى الحديث، ففى مثل هذا اليوم من عام 1973، سطر الجيش المصرى ملحمة بطولية عبر فيها قناة السويس واقتحم خط بارليف، في واحدة من أعظم المعارك العسكرية التي فاجأت العدو وغيّرت موازين القوى في المنطقة، ولا تزال تُدرّس حتى اليوم في الكليات العسكرية حول العالم.
الفن يوثق ملحمة نصر أكتوبر
وعلى مدار أكثر من خمسة عقود، ظل نصر أكتوبر حاضرًا في الوجدان المصري، ولم تقتصر استعادته على الكتب والوثائق، بل امتدت إلى السينما والدراما والمسرح والأغنية، التي حاولت كل منها الاقتراب من جوانب مختلفة من تلك المرحلة، وتوثيق البطولة والتضحية واستعادة تفاصيل تجربة إنسانية عاشها الجنود والمجتمع المصري في سنوات الحرب.
في هذا السياق، يقول الناقد الفني مصطفى الكيلاني، رئيس رابطة كتاب ونقاد الفن بنقابة الصحفيين، إن الحديث عن أهم وأجمل الأفلام التي تناولت حرب أكتوبر لا ينبغي أن يتحول فقط إلى قائمة بالأعمال التي قدمت المعارك والانتصار، وإنما يجب التوقف أيضا أمام الطريقة التي تعاملت بها السينما المصرية مع واحدة من أهم اللحظات في التاريخ المصري والعربي الحديث.
وأوضح أن حرب أكتوبر كانت حدثا استثنائيًا بكل المقاييس، ولذلك كان طبيعيا أن تكون السينما إحدى أهم الأدوات التي توثق هذا الانتصار وتقدم للأجيال الجديدة صورة عن حجم التضحيات التي قدمها الجنود المصريون، إلا أن عدد الأفلام الروائية التي تناولت الحرب بصورة مباشرة لا يتناسب، في رأيه، مع ضخامة الحدث وتأثيره في الوعي المصري والعربي.
وأشار إلى أن فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" يأتي في مقدمة الأعمال المرتبطة بذاكرة حرب أكتوبر، معتبرا أنه من الأفلام التي نجحت في الوصول إلى الجمهور العريض، ليس فقط لتقديمه الحرب والانتصار، وإنما لربطه بين التجربة العسكرية والحياة الإنسانية للجندي المصري، وما تعرض له من ألم وأمل قبل أن يعيش لحظة النصر، وهو الجانب الإنساني الذي أسهم في بقاء الفيلم حاضرًا في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.
وأضاف أن فيلم "حتى آخر العمر" يمثل تجربة مهمة، لأنه لم يتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد معارك ومشاهد قتالية، وإنما اهتم بالجانب الإنساني والعاطفي وتأثير الحرب على حياة الأفراد وعلاقاتهم، بما يؤكد أن الحرب لا تقتصر على لحظة إطلاق النار، وإنما تمتد آثارها إلى حياة الإنسان ومشاعره ومستقبله.
ولفت إلى أن فيلم "العمر لحظة" قدم رؤية مختلفة للحرب، وربط بين المقاومة والتضحية والتحولات التي عاشها المجتمع المصري، بينما يمثل فيلم "بدور" تجربة ذات خصوصية، من خلال تناوله الحرب من زاوية إنسانية واجتماعية، وجعل الشخصيات وعلاقاتها جزءًا من الحكاية الكبرى.
واعتبر الكيلاني أن "أغنية على الممر" من الأعمال المهمة عند تناول السينما المرتبطة بالهزيمة والاستعداد النفسي الذي سبق حرب أكتوبر، لما قدمه من نموذج قوي للجندي المصري ومعاني الصمود والإرادة في أصعب الظروف، مؤكدًا أن قيمة الفيلم لا تتوقف عند ارتباطه بزمن الحرب، وإنما تمتد إلى قدرته على تقديم شخصيات ومشاعر إنسانية بعيدًا عن الخطاب المباشر.
دعوة لتقديم أفلام جديدة عن حرب أكتوبر
وأكد أن أهم ما تحتاج إليه السينما المصرية في ملف حرب أكتوبر هو التنوع وإعادة قراءة الحرب من زوايا متعددة، بحيث لا تقتصر الأعمال على تقديم قصة النصر بصورة تقليدية، وإنما تتناول قصص الجنود وأسر الشهداء والمراسلين الحربيين والأطباء والممرضين والمدنيين، إلى جانب تأثير الحرب على المجتمع والقصص الإنسانية التي صاحبت العبور وما بعده.
وأشار إلى الحاجة إلى أفلام ضخمة تقدم حرب أكتوبر للأجيال الجديدة بلغة سينمائية معاصرة وإنتاج يليق بحجم الحدث، خصوصًا مع تطور أدوات صناعة السينما والمؤثرات البصرية، بما يتيح تقديم المعارك الكبرى بصورة لم تكن متاحة لصناع السينما في السبعينيات والثمانينيات.
ورأى أن هناك مسؤولية مشتركة بين الدولة وصناع السينما والمنتجين والمؤسسات الثقافية لإعادة فتح هذا الملف، ليس بهدف صناعة أفلام دعائية، وإنما تقديم سينما حقيقية تستند إلى البحث والتوثيق والدراما، وتضع الإنسان المصري في قلب لحظة تاريخية فارقة.
وأوضح أن معيار أهمية أفلام حرب أكتوبر لا ينبغي أن يرتبط بعدد مشاهد المعارك التي قدمتها، وإنما بقدرتها على إظهار الإنسان المصري داخل الحرب، بشجاعته وحبه وتضحياته وأحلامه، معتبرًا أن هذا هو المعيار الحقيقي لبقاء تلك الأفلام في الذاكرة، والتحدي الذي ينبغي أن تواجهه السينما المصرية خلال السنوات المقبلة.
من جانبها، قالت الناقدة الفنية ولاء عمران، إن الأعمال الفنية التي تناولت حرب أكتوبر حاولت الإمساك بجزء من لحظة شديدة الكثافة في الوجدان المصري، موضحة أن الحرب لم تكن بالنسبة إلى الفنان مجرد مشهد عسكري، وإنما كانت ذاكرة جيل كامل، ولحظة انكسار قديم يستعيد توازنه، وبيوتًا معلقة بين الانتظار والخوف، وجنودًا يحملون أحلامهم الصغيرة إلى واحدة من أكثر لحظات التاريخ المصري حضورًا في الذاكرة.
وأشارت إلى أن أهمية هذه الأعمال ترتبط بقدرتها على الاقتراب من الإنسان الموجود داخل الحدث، موضحة أن فيلم «أبناء الصمت» قدم الجندي قبل أن يقدمه مقاتلًا، فاقترب من حياته وعلاقاته وانتظاره والوقت الطويل الذي يسبق المواجهة، بينما جعل "الرصاصة لا تزال في جيبي" أكتوبر امتدادًا لتجربة جيل عاش مرارة 1967، فتحول النصر فيه إلى استعادة لشيء داخلي فقده الإنسان قبل أن يستعيد الأرض.
وأضافت أن "حتى آخر العمر" فتح مساحة للمشاعر الإنسانية التي تتركها الحرب في حياة من عاشوها، في حين اتجه «العمر لحظة» إلى مساحة أوسع تتقاطع فيها الحرب مع الصحافة والمرأة والمجتمع.
وأوضحت ولاء عمران أن قيمة السينما في تناول الحرب تكمن في قدرتها على جعل التاريخ محسوسًا؛ فالوثيقة تخبرنا بما حدث، بينما يحاول الفن أن يجعلنا نلمس أثر ما حدث في وجه إنسان، وفي صمت امرأة، وفي انتظار أم، وفي عودة جندي، أو في حياة توقفت للحظة ثم استمرت وهي تحمل شيئًا من الماضي معها.
وفيما يتعلق بالأغنية، لفتت إلى أنها احتلت موقعًا مختلفًا، لأنها خرجت من قلب اللحظة نفسها، وهو ما منحها قدرة استثنائية على اختزال المشاعر، مشيرة إلى أعمال مثل «بسم الله»، و«عاش اللي قال»، و«صباح الخير يا سينا»، التي استطاعت بالكلمة واللحن والصوت أن تحول لحظة الانتصار إلى ذاكرة يتوارثها الناس، وهو ما يفسر بقاء عدد منها حاضرًا حتى اليوم لارتباطها بإحساس جماعي عاشه المصريون في تلك اللحظة.
وعن المسرح، قالت الناقدة الفنية ولاء عمران إن تجربته مع أكتوبر كانت أكثر تعقيدًا، موضحة أن الفن القائم على المواجهة والحوار كان أمام حدث ما زالت تفاصيله حاضرة في الواقع. وأشارت إلى أن بعض التجارب جاءت شديدة الارتباط باللحظة، بينما حاولت تجارب أخرى التوجه إلى الأسئلة التي تركتها الحرب خلفها، مثل معنى النصر والسلام، وما يحدث للإنسان بعد انتهاء المعركة.
وتابعت أن المسافة الزمنية التي تفصلنا اليوم عن أكتوبر تمنحنا زاوية مختلفة للنظر إلى هذه الأعمال، إذ لا نراها بالعين نفسها التي رآها بها جمهور السبعينيات؛ فبالنسبة إلى ذلك الجمهور كان النصر قريبًا ومشحونًا بالمشاعر، بينما تمنحنا المسافة الزمنية اليوم فرصة للتوقف أمام ما بقي بعد انتهاء لحظة الاحتفال.
وأكدت أن الفن المعاصر لا تزال أمامه مساحة واسعة لم تُستنفد في تناول أكتوبر، مشيرة إلى حكايات إنسانية كثيرة لم تفقد قدرتها على الإلهام، من بينها ما فعلته الحرب بذاكرة من خاضوها، وكيف عاش أبناء الجنود والشهداء بعد عودة الآباء أو غيابهم، وكيف تغيرت صورة البطل في الوجدان مع مرور السنوات، وكيف انتقل أكتوبر من تجربة عاشها جيل إلى ذاكرة يتلقاها جيل آخر لم يرَ الحرب ولم يسمع صوتها إلا من خلال الحكايات.
وأضافت أن هذه الأسئلة تجعل أكتوبر مادة فنية لا تنتهي بانتهاء الحرب، لأن أثرها لا يتوقف عند لحظة العبور، وإنما يمتد إلى الذاكرة وحياة الأشخاص الذين حملوا آثارها معهم عبر السنوات. واختتمت الناقدة ولاء عمران بالتأكيد أن أجمل ما يمكن أن يفعله الفن تجاه أكتوبر اليوم هو إعادة الاقتراب من التفاصيل الصغيرة التي صنعت المعنى الكبير، قائلة: "التاريخ يحفظ لنا لحظة العبور، بينما الفن يستطيع أن يحفظ لنا الإنسان الذي كان يعبر".