هل يملك ترامب مفاتيح حماية السعودية من هجمات الحوثيين؟
مع عودة الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية إلى استهداف الأراضي السعودية، تجد الرياض نفسها أمام تحدٍّ أمني متجدد يطال المطارات والمنشآت الحيوية ويثير تساؤلات حول مدى استعداد الولايات المتحدة للانخراط مجدداً في المواجهة. وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال أساسي: هل يملك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأدوات اللازمة وقبل ذلك الرغبة لحماية حليفه السعودي الأمير محمد بن سلمان من تهديد الحوثيين المتصاعد؟
إنهاء الحرب مع إيران أم توسيعها؟
يرى إف. غريغوري غاوس، الخبير في الشؤون السعودية بمعهد الشرق الأوسط، أن الخيار الأكثر واقعية أمام الرياض لا يكمن في التصعيد العسكري، بل في معالجة جذور الأزمة عبر التوصل إلى تفاهم أوسع يشمل إيران والحوثيين.
ونقل موقع "أون تي في" الألماني عن غاوس قوله إن "الحل الواقعي الوحيد للسعوديين هو إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية"، عبر إقناع طهران وحلفائها بوقف التصعيد. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن استجابة ترامب للمطالب السعودية لا تزال غير واضحة.
تحول في موقف ترامب؟
وجاء الهجوم الدامي على مطار الرياض السبت الماضي، والذي أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300، ليعيد فتح النقاش حول الدور الأمريكي. فقد قال ترامب عقب الهجوم إنه سيدرس "سريعاً" ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنضم إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، مضيفاً: "قد نفعل ذلك، سندرس الأمر".
ويمثل هذا التصريح تطوراً ملحوظاً مقارنة بموقفه السابق. إذ أفاد تقرير لشبكة "سي بي أس نيوز" ( CBS News) في سبتمبر/أيلول 2026 بأن محمد بن سلمان ضغط شخصياً على ترامب للتدخل عسكرياً ضد الحوثيين، لكن الرئيس الأمريكي رفض حينها إشراك الجيش الأمريكي مباشرة، مكتفياً بالدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف.
ورغم الحديث المتزايد عن خيارات التدخل، لم تعلن واشنطن حتى الآن اتخاذ قرار نهائي بالمشاركة العسكرية المباشرة إلى جانب السعودية.
معضلة الخيار العسكري
بحسب غاوس، فإن انضمام الولايات المتحدة إلى الحرب ضد الحوثيين يعني عملياً فتح جبهة إضافية في المواجهة مع إيران. ويرى أن المشكلة الرئيسية للسعودية تكمن في أن هجمات الحوثيين تلحق أضراراً مباشرة ببنيتها التحتية واقتصادها، بينما لا يواجه الحوثيون خسائر مماثلة، خاصة أن مناطق واسعة خاضعة لسيطرتهم تعرضت بالفعل لدمار كبير خلال سنوات الحرب.
ويحذر الخبير الأمريكي من أن استمرار استهداف المطارات والمنشآت الحيوية قد يؤثر على ثقة المستثمرين بالمملكة، ما يجعل الكلفة الاقتصادية للهجمات أحد أبرز مصادر القلق السعودي.
إيران تعرض الوساطة والحوثيون يهددون
في المقابل، أعلنت إيران استعدادها لتقديم الدعم لتسهيل الحوار بين الرياض والحوثيين والتوصل إلى حل سياسي. ويُنظر إلى هذا العرض في إطار إمكانية استخدام طهران نفوذها على الجماعة لدفعها نحو خفض التصعيد، خصوصاً في ظل علاقاتها المعقدة مع واشنطن.
لكن الحوثيين وجهوا في الوقت نفسه رسائل تصعيد واضحة. فقد حذر محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله، من أن أي تدخل أمريكي سيقابَل بـ"رد سريع وموجع" يستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة.
كما أكد أن استهداف المطارات والمنشآت النفطية السعودية يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن الحرب لم تعد تُخاض بعيداً عن الأراضي السعودية، وأن استمرارها "لن يكون في صالح السعودية"، وفق تعبيره.
الحوثيون يراهنون على انشغال ترامب ونتنياهو
بحسب مجلة "شتيرن" الألمانية، فإن الحوثيين لا يختارون أهدافهم فقط، بل يختارون أيضاً توقيت هجماتهم بعناية. وترى المجلة أن الجماعة صعّدت عملياتها في لحظة سياسية حساسة يواجه فيها كل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحديات داخلية وانتخابية تحد من قدرتهما على خوض مواجهة جديدة.
وتشير "شتيرن" إلى أن الحوثيين لم يعودوا مجرد جماعة محلية تخوض حرباً أهلية، بل تحولوا إلى لاعب إقليمي يمتلك طائرات مسيرة متطورة وصواريخ بعيدة المدى مدعومة من إيران، قادرة على الوصول إلى الرياض وتل أبيب معاً. وترى المجلة أن هذه القدرات تجعل أي مواجهة مباشرة معهم أكثر تعقيداً وكلفة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.
بين الردع والتسوية
تواجه إدارة ترامب اليوم خيارين صعبين: إما الانخراط عسكرياً إلى جانب السعودية وتحمل مخاطر توسيع دائرة الصراع الإقليمي، أو مواصلة الاكتفاء بالدعم غير المباشر والبحث عن تسوية سياسية تشمل إيران والحوثيين. وبين هذين الخيارين، تبدو الرياض في حاجة إلى أكثر من مجرد رد عسكري سريع؛ فهي تبحث عن ضمانات طويلة الأمد تكفل تحييد التهديد الحوثي الذي عاد ليلقي بظلاله على أمن المملكة واقتصادها.