من طحلب صغير يعيش في الماء إلى اكتشاف حصل أصحابه على نوبل الطب.. قصة علمية غريبة بدأت منذ أكثر من 20 عامًا، وانتهت بتطوير تقنية أعطت العلماء طريقة جديدة للتحكم في الخلايا العصبية باستخدام الضوء، وفتحت الباب أمام أبحاث لعلاج أمراض المخ وفقدان البصر.

بعد إعلان فوز العلماء بيتر هِجمان Peter Hegemann، وجورج ناجل Georg Nagel، وكارل ديسروث Karl Deisseroth بجائزة نوبل في الطب لعام 2026، ظهرت تفاصيل جديدة عن رحلة الاكتشاف التي بدأت بسؤال بسيط: كيف يستطيع طحلب وحيد الخلية أن يشعر بالضوء ويتحرك نحوه؟

ووفقًا لما نشره معهد كارولينسكا، كان الباحث الألماني بيتر هِجمان مهتمًا منذ تسعينيات القرن الماضي بكيفية استشعار طحلب وحيد الخلية يسمى Chlamydomonas للضوء وتوجيه حركته نحوه.

وخلال أبحاثه، تمكن هِجمان بالتعاون مع العالم جورج ناجل من اكتشاف بروتين حساس للضوء داخل هذا الطحلب، أطلق عليه اسم Channelrhodopsin.

ماذا يفعل هذا البروتين؟

ببساطة، يعمل البروتين مثل بوابة صغيرة داخل غشاء الخلية.وعندما يسقط عليه الضوء الأزرق، تفتح هذه البوابة وتسمح بمرور جسيمات مشحونة كهربائيًا تسمى الأيونات، ما يؤدي إلى توليد إشارة كهربائية داخل الخلية.

ووفقًا لشرح Nobel Prize، كان الاكتشاف الأهم هو أن هذا البروتين لم يكن مفيدًا للطحلب فقط، إذ تمكن العلماء من استخدام الجين المسئول عنه لجعل خلايا أخرى تستجيب للضوء.

وهنا بدأت القصة تأخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا.

من الطحلب إلى المخ
 

أدرك العالم الأمريكي كارل ديسروث أن البروتين يمكن استخدامه للتحكم في الخلايا العصبية.فبدلًا من تنشيط عدد كبير من الخلايا العصبية في الوقت نفسه، أصبح من الممكن جعل خلايا عصبية محددة تستجيب للضوء.

وبحسب Nature، أدى دمج هذه البروتينات الحساسة للضوء مع تقنيات الهندسة الوراثية إلى ظهور علم البصريات الوراثية Optogenetics، الذي يسمح للباحثين بتنشيط خلايا عصبية محددة أو تثبيط نشاطها باستخدام الضوء.

وفي عام 2005، أظهرت مجموعة ديسروث أن التقنية يمكن استخدامها للتحكم في نشاط الخلايا العصبية في الفئران، لتصبح بعدها أداة أساسية في أبحاث علم الأعصاب.

لماذا اعتبر العلماء هذا الاكتشاف نقطة تحول؟

قبل ظهور هذه التقنية، كان العلماء يستطيعون ملاحظة أن مجموعة من الخلايا العصبية تنشط أثناء الخوف أو الحركة أو الأكل، لكنهم لم يستطيعوا بسهولة إثبات أن هذه الخلايا هي التي تسببت في السلوك.

وأوضح معهد كارولينسكا أن البصريات الوراثية سمحت للباحثين بالانتقال من مجرد ملاحظة نشاط خلية عصبية أثناء سلوك معين إلى اختبار ما إذا كان نشاط هذه الخلية هو الذي يسبب السلوك بالفعل.

وهذا أعطى العلماء طريقة أكثر دقة لدراسة دوائر المخ المسؤولة عن الحركة والذاكرة والمشاعر والسلوك.

 

لا تعني الجائزة أن العلماء اكتشفوا علاجًا جاهزًا لكل هذه الأمراض، لكن التقنية فتحت طرقًا جديدة لفهم الأمراض العصبية واختبار علاجات أكثر دقة.

فقدان البصر.. أحد أقرب التطبيقات للعلاج
 

يعد فقدان البصر الناتج عن بعض أمراض الشبكية من أبرز المجالات التي اقتربت فيها التقنية من الاستخدام العلاجي.

ووفقًا لما نشرته Nature، يحاول الباحثون استخدام العلاج الجيني لجعل بعض الخلايا المتبقية في شبكية العين حساسة للضوء، بعدما تفقد الخلايا المستقبلة للضوء وظيفتها بسبب أمراض تنكسية في الشبكية.

وفي بعض التجارب، يتم استخدام نظارات خاصة لتحويل الصور إلى أنماط ضوئية يمكن للخلايا المعدلة وراثيًا استقبالها.

وأظهرت تجربة بشرية منشورة في Nature Medicine إمكانية استعادة قدر محدود من القدرة على رؤية بعض الأجسام لدى مريض يعاني مرضًا تنكسيًا في الشبكية، بعد الجمع بين العلاج الجيني والتحفيز الضوئي.

لكن الباحثين أكدوا أن هذه النتائج ما زالت مبكرة، ولا تعني أن التقنية أصبحت علاجًا نهائيًا للعمى.

باركنسون
 

تساعد البصريات الوراثية العلماء على دراسة الدوائر العصبية التي يحدث فيها الخلل بمرض باركنسون.

ووفقًا لتغطية Reuters لأبحاث الفائزين، أتاحت التقنية للباحثين التحكم في مجموعات محددة من الخلايا العصبية ودراسة تأثيرها على الحركة، وهو ما يساعد في فهم الدوائر المسؤولة عن أعراض المرض وقد يساهم مستقبلًا في تطوير علاجات أكثر استهدافًا.

الصرع
 

في مرض الصرع، يستخدم العلماء البصريات الوراثية في الأبحاث لتحديد الخلايا والدوائر العصبية التي تشارك في النشاط الكهربائي غير الطبيعي أثناء النوبات.

ووفقًا لما أوضحته Nature، يمكن التحكم في هذه الدوائر في النماذج التجريبية، ما يسمح للباحثين بدراسة كيفية إيقاف النشاط العصبي غير الطبيعي، ويفتح الباب أمام تطوير طرق علاجية أكثر دقة مستقبلًا.

ألزهايمر والخرف
 

يمكن استخدام التقنية لدراسة الدوائر العصبية المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، ومعرفة كيف تتغير هذه الدوائر في أمراض مثل ألزهايمر.

وأوضح Stanford Medicine أن أبحاث ديسروث باستخدام البصريات الوراثية ساعدت في الكشف عن العلاقة بين دوائر عصبية محددة والسلوك، وهو ما يمكن أن يساعد العلماء في تحديد أهداف علاجية جديدة لأمراض الدماغ.

لكن هذه التطبيقات لا تزال بحثية، ولا يوجد حاليًا علاج للزهايمر باستخدام البصريات الوراثية.

الاكتئاب والاضطرابات النفسية
 

لأن كارل ديسروث متخصص في الطب النفسي وعلم الأعصاب، استخدم التقنية لدراسة الدوائر العصبية المرتبطة بالمشاعر والمكافأة والدافع والسلوك.

ووفقًا لـStanford Medicine، ساعدت هذه الأبحاث في فهم كيفية ارتباط دوائر عصبية معينة بالسلوكيات المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وهو ما قد يساهم مستقبلًا في تطوير علاجات أكثر دقة للاكتئاب وبعض الاضطرابات النفسية.

كما تُستخدم التقنية في أبحاث لفهم اضطرابات أخرى، من بينها الفصام والتوحد، لكن هذه التطبيقات لا تزال في مرحلة البحث العلمي.

من طحلب إلى علاج محتمل
 

وتكشف قصة نوبل الطب 2026 أهمية الأبحاث الأساسية، فالعلماء الذين درسوا في البداية طريقة استشعار طحلب صغير للضوء لم يكونوا يبحثون عن علاج للعمى أو باركنسون أو الاكتئاب.

لكن اكتشاف البروتين الحساس للضوء Channelrhodopsin أدى بعد سنوات إلى ظهور البصريات الوراثية، التي أصبحت واحدة من أهم أدوات علم الأعصاب الحديث.

وبحسب معهد كارولينسكا، فإن أهمية هذا الاكتشاف تمتد إلى ما هو أبعد من دراسة المخ، لأنه أعطى العلماء وسيلة للتحكم في نشاط خلايا محددة بدقة غير مسبوقة.

وهكذا بدأت الحكاية بطحلب صغير يتحرك نحو الضوء، وانتهت باكتشاف منح العلماء طريقة جديدة لفهم الذاكرة والمشاعر والحركة والسلوك ووظائف المخ، وحصل أصحابها على جائزة نوبل في الطب لعام 2026.