لم يعد البحث عن وظيفة حكومية هو الخيار الأول لشباب محافظة سوهاج، بعدما فرضت مبادرة «مشروعك» نفسها كأحد أهم مسارات التمكين الاقتصادي، التي أعادت رسم ملامح سوق العمل داخل المحافظة، وفتحت الباب أمام آلاف الشباب للانطلاق نحو العمل الحر، في إطار رؤية الدولة لبناء اقتصاد قائم على الإنتاج.

على مدار سنوات الجمهورية الجديدة، تحولت المبادرة من مجرد برنامج تمويلي إلى مشروع تنموي متكامل، نجح في إحداث نقلة نوعية داخل المجتمع السوهاجي، ليس فقط على مستوى الأرقام، بل في تغيير الثقافة السائدة لدى الشباب، الذين باتوا أكثر إقبالًا على ريادة الأعمال بدلاً من انتظار الوظائف التقليدية.

 

أرقام تعكس حجم التحول

في هذا السياق، أعلنت، محافظة سوهاج، أن إجمالي المشروعات المنفذة ضمن المبادرة بلغ 25 ألفًا و823 مشروعا، بإجمالي استثمارات وصلت إلى 5 مليارات و288 مليونا و961 ألف جنيه، وهو رقم يعكس حجم الدعم الذي حظيت به المحافظة.
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ ساهمت هذه المشروعات في توفير أكثر من 162 ألف فرصة عمل مباشرة، ما جعل سوهاج في صدارة محافظات الجمهورية من حيث تنفيذ مشروعات «مشروعك»، في مؤشر واضح على نجاح التجربة محليا.

 

تنوع اقتصادي ومشاركة نسائية لافتة

اللافت في التجربة السوهاجية هو تنوع الأنشطة التي شملتها المبادرة، حيث امتدت من الصناعات الصغيرة مثل مصانع الأعلاف وورش الملابس الجاهزة، إلى الأنشطة التجارية والخدمية، مثل تجارة السيراميك والمفروشات، فضلا عن مشروعات الثروة الحيوانية وصالونات التجميل.
كما سجلت المبادرة حضورًا قويًا للمرأة، التي استطاعت اقتحام مجالات العمل الحر، والحصول على تمويلات وصلت في بعض الحالات إلى 4 ملايين جنيه، وهو ما انعكس إيجابيًا على تحسين مستوى معيشة الأسر، وتعزيز دور المرأة في دعم الاقتصاد المحلي.

 

خريطة تنافسية بين المراكز

وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، شهدت مراكز المحافظة تنافسا ملحوظا في عدد المشروعات المنفذة، حيث تصدر مركز طما المشهد بـ 3410 مشروعات وفرت أكثر من 30 ألف فرصة عمل، تلاه مركز طهطا بـ 3860 مشروعًا، ثم دار السلام والمنشأة والمراغة بنسب متقاربة.
كما امتدت المشروعات إلى باقي المراكز والأحياء، من جهينة والبلينا إلى جرجا وأخميم وساقلته، وصولا إلى أحياء شرق وغرب سوهاج وحي الكوثر، في توزيع يعكس عدالة نسبية في إتاحة الفرص التنموية داخل مختلف المناطق.

 

تحديات الواقع واستدامة النجاح

ورغم هذا النجاح، تظل هناك تحديات تتعلق باستدامة هذه المشروعات، من حيث التدريب المستمر، وتسهيل إجراءات التمويل، وضمان التسويق الفعال للمنتجات، بما يضمن استمرارها وتحقيق عائد اقتصادي حقيقي.
ويرى خبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على جودة المشروعات وليس فقط عددها، مع تقديم الدعم الفني والإداري لأصحابها، لضمان تحولها من مشروعات صغيرة إلى كيانات إنتاجية قادرة على المنافسة.

 

نموذج للتنمية في الجمهورية الجديدة

في النهاية، تمثل مبادرة «مشروعك» نموذجا ناجحا للتنمية المحلية، حيث نجحت في دمج فئات كانت بعيدة عن دائرة الإنتاج، وأعادت تقديمها كقوة اقتصادية فاعلة داخل المجتمع.
وتبقى تجربة سوهاج دليلا واضحا على أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الحقيقي للتنمية، وأن دعم الشباب وتمكينهم اقتصاديا هو حجر الأساس لبناء مستقبل أكثر استقرارًا، في ظل الجمهورية الجديدة التي تراهن على العمل والإنتاج كطريق للنهوض.